تفسير الكتاب المقدّس

الأب ابراهيم سعد

إنجيل القدّيس مرقس الرّسول – الإصحاح السّابع

 في هذا الصَّباحِ المبارَكِ، نحمَدُ الربَّ ونَشكُرُه على سلامةِ الجميعِ، ونسألُه أن يُعطيَنا القوَّةَ لنتمكَّنَ من اجتيازِ هذه المرحلةِ الصَّعبةِ، الّتي لا بُدَّ لها أن تنتهي. إخوتي، إنّ كَلِمةَ الإنجيلِ تبقى محطَّةَ تَعزيةٍ لنا، محطَّةَ تَقويةٍ وتَشديدٍ لنا، لنتمسَّكَ بالصَّبر والجَهدِ والجِهاد حتّى نجتازَ هذه المرحلةَ، فنبقى جميعُنا بِخَيرٍ، داخليًّا وخارجيًّا.

في الإصحاحاتِ الّتي تأمَّلنا بها مِن إنجيلِ مرقس، لاحَظْنا أنّ الربَّ يسوعَ قد طَلبَ مِن جميعِ الّذِينَ شفاهُم ألّا يُخبِروا أحدًا بما حدَثَ معهم، حتّى لا يُساءَ فَهمُه، فالربُّ لا يريدُ أن يَجعلَه النَّاسُ زعيمًا أرضيًا، بل يريدُ أن يؤمِنوا به، استنادًا إلى الـمَهمَّةِ الّتي جاء من أجلِها، وهي إعلانُ ملكوتِ الله، وهذا ما يُسمَّى بالسِّرِّ الـمَسيَّانيّ. والإنجيليُّ مرقس يبدأ بالإعلانِ عن هذا السِّرِّ، ابتداءً من الإصحاحِ الثَّامن.

في المقطعِ الأوَّلِ من هذا الإصحاحِ، يُوجِّهُ الربُّ حديثَه إلى الفرِّيسيِّين، ومِن خلالهِم إلينا، نحن المؤمِنين به، لأنّ كلَّ واحدٍ مِنّا مُعرَّضٌ للوقوعِ في الأمورِ الشَّكلِيَةِ للإيمانِ، إذ َيَغرَقُ في التَّديُّنِ أي في ممارسةِ طُقوسٍ فارغةٍ مِن معناها، مُتناسِيًا قَولَ الرّبِّ له: “إنّي أريدُ رحمةً لا ذبيحة” (متى 9: 13). إخوتي، إنّ الربَّ لا يَهتَّمُ بِظاهرِ الأمورِ إنّما بجوهرِها؛ وفي هذا الإطارِ، يقولُ لنا الربُّ: “الحَرفُ يَقتُل، أمَّا الرُّوحُ فيُحيي” (2 كور 3: 6). ولاحظنا أيضًا، في هذا الإصحاحِ، تَرَبُّصَ الفرِّيسِيِّين والكَتَبةِ بِيَسوعَ لإيقاعِه في أفخاخِهم المبنيّةِ على القشورِ لا على جوهر الإيمانِ اليهوديّ. فَبالنِّسبة إلى رؤساءِ اليهودِ، لا يمكنُ أن يكونَ يسوعُ مسيحَ الربِّ لأنّه يُخالِفُ الشَّريعةَ اليهوديّةَ، وبالتّالي عليهم أن يَحكموا عليه بالموت.

في هذا المقطعِ الإنجيليِّ، لاحظْنا أنّ حديثَ اليهودِ مع يسوعَ هو حَولَ تقاليدِ الشُّيوخِ لا حَول الشَّريعةِ، والدَّليلُ هو قَولُ القدِّيسِ مرقس: “لأَنَّ الْفَرِّيسِيِّينَ وَكُلَّ الْيَهُودِ إِنْ لَمْ يَغْسِلُوا أَيْدِيَهُمْ بِاعْتِنَاءٍ، لا يَأْكُلُونَ، مُتَمَسِّكِينَ بِتَقْلِيدِ الشُّيُوخِ”(مر 7: 2). مُنذ نَشأتِها، عانَتِ الكَنيسَةُ مِن الاجتهاداتِ الإيمانيّةِ الّتي تَحوَّلَتْ إلى نِيرٍ مُلقًى على أعناقِ المؤمِنِين، ودَفعَتهُم إلى التَّركيزِ على القشورِ لا على الجوهر. فكما حوَّلَ اليهودُ مسألةَ التَّطهيرِ، الّذي هو أمرٌ حَسنٌ بحدِّ ذاته، إلى تَعبيرٍ صَنَمِيّ مِن خلال تشديدِهم على ضرورةِ اغتسالِ المؤمِن خارجيًّا قبل تَناول الطَّعام؛ كذلك نحن اليومَ نُحوِّلُ الصّومَ والصّلاةَ، على سبيلِ الـمِثالِ، في بعضِ الأحيانِ، إلى تعبيراتٍ صَنَمِيَّةٍ إذ نرُكِّزُ على قشورِ الأمورِ لا على جوهرِها. وإليكم توضيحًا لِما أقول: عندما تُلاحِظ جماعةٌ من المؤمِنِين شخصًا حاضرًا في الكنيسةِ يُخالِفُ نِظامَ الجلوس والوقوفِ أثناءَ الصّلاةِ، تُسارِع إلى الحُكمِ عليه بأنَّه شخصٌ لا يُصلِّي. إخوتي، إنّ مسألةَ “ضرورةِ” اتِّباعِ المؤمِن نِظامًا مُعَيَّنًا أثناءَ صلاتِه ضِمنَ الجماعةَ، قد وَصلَتْ إلى حدِّ التَّطرُّفِ، إذ عَمدَ البَعضَ إلى التّركيزِ على حركاتِ الآخَرينَ في الكنيسةِ مِن سجودٍ وَوُقوفٍ وفَتحِ اليَدين أو ضَمِّهما، مُتجاهلِين كلامَ اللهِ في الكِتاب الّذي قال لنا: “يا بُنيَّ، أعطِني قلبَكَ” (أم 23: 26).

إخوتي، إنَّ ما يَهمُّ الربَّ هو قَلبُ الإنسانِ، لا حركاتُه الخارجيّة. إنّ التَّركيزَ على مسألةِ “الصَّح” و”الخَطأ” في إيمانِنا المسيحيّ يُثبِّتُ فينا الفِكرَ اليهوديَّ الـمَبنيَّ على حَرفيّةِ النّاموس، أي على التَّقاليدِ الفارغةِ مِن معناها؛ وما تركيزُ الفرِّيسيِّين حديثَهم مع يسوعَ حولَ ضرورةِ غَسلِ التّلاميذِ أيديَهم قَبلَ تناولِهم الطَّعامَ لئلَّا يتنَّجسوا، إلّا دليلٌ على ذلك.

هنا، أشار يسوعُ في رَدِّه على الفرِّيسيِين إلى مسألةٍ في غايةِ الأهميّةِ تَتمثَّلُ في هذه الآية: “لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ خَارِجِ الإِنْسَانِ إِذا دَخَلَ فِيهِ يَقْدِرُ أَنْ يُنَجِّسَهُ، لكِنَّ الأَشْيَاءَ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْهُ هِيَ الَّتِي تُنَجِّسُ الإِنْسَانَ” (مر 7: 15). بالنِّسبةِ إلى يسوع، إنّ تَناولَ الطَّعامِ بأيدٍ غيرِ مَغسولةٍ لا يُنجِّسُ الإنسانَ، إنَّما يُضرُّ أمعاءَه فقط، فالطّعامُ الّذي يَدَخل إلى جَوفِ الإنسانِ سَيخرجُ منه، عاجلاً أم آجِلاً؛ غير أنّ ما يخرجُ إلى العَلنِ من داخلِ الإنسانِ، يُعبِّر عمّا في قلبِ الإنسانِ، وهو يتنَّجسُ به، إن كان ما أخرجَه غيرَ صالحٍ، فالقَلبُ يَكشِفُ ما في داخلِ الإنسان.

في هذا الإطارِ، ذَكرَ يسوعُ لائحةً بالأمورِ الّتي تَخرجُ مِن القلبِ وتُنجِّسُ الإنسانَ، وهي: “زِنىً، فِسْقٌ، قَتْلٌ، سِرْقَةٌ، طَمَعٌ، خُبْثٌ، مَكْرٌ، عَهَارَةٌ، عَيْنٌ شِرِّيرَةٌ، تَجْدِيفٌ، كِبْرِيَاءُ، جَهْلٌ” (مر 7: 21-22). لقد تَفرَّدَ الإنجيليُّ مرقس في ذِكرِ أمرَين في هذه اللّائحة، لم يَذكرْها أحدٌ غَيرِه من الإنجيليِّين، وهما: الكبرياء والجَهل. إنّ الكبرياءَ يَخرجُ مِن داخلِ الإنسانِ ويُنجِّسُه، لأنّه يَدفعُه إلى السَّيرِ في طريقِ الهلاكِ الّذي يُسمَّى الشَّيطان. عندما يتكبَّرُ الإنسانُ، يَعصى أوامِرَ الله، وبالتّالي الكبرياءُ هو تَمرُّدُ الإنسانِ على الله. أمّا الجَهلُ فهو يجعلُكَ عاجزًا عن رؤيةِ الحقيقةِ، أي أنّه يدفعُكَ إلى الوقوعِ في الوَهمِ والكَذِب. إذًا، الجَهلُ والكِبرياءُ، يدفعانِ الإنسانَ إلى السَّيرِ نحو ملعبِ الشَّيطان. إخوتي، إنّ القداسةَ مَبنيّةٌ على الفَهمِ لا على العِلم: فَهمِ الإيمان؛ ولذا يُشكِّلُ الجَهلُ الخطورةَ الكبرى على القداسة. وهنا، نَطرحُ السُّؤال: كيف نُدرِكُ أنّ المؤمِنِين يُعانون من الجَهل؟ بِكُلِّ بساطةٍ، عندما نَجِدُهم مُتَمسِّكِين بالتّقاليدِ الفارِغةِ من معناها!

إنّ الجَهلَ يَجعلُ الإنسانَ غيرَ قادرٍ على رَحمةِ الآخَرين. حينَ يَجتمِعُ الجَهلُ والكبرياء في الإنسان، فإنّهما يُحوِّلانِه إلى شخصٍ غيرِ قادِرٍ على الصَّفحِ للآخرين، وهذا يَجعلُ مِنه إنسانًا ديّانًا لإخوتِه؛ بمعنى آخر، يَضع الإنسانُ الجاهلُ والمتكبِّرُ نَفسَه مكانَ الله: “قُم يا أللهُ من مكانِكَ، واجلِسني مكانَك”، وهذه هي قمَّةُ النَّجاسة. ما هي النَّجاسة؟ النَّجاسةُ هي أن يَتدخَّلَ الإنسانُ في ما هو مُلكٌ لله، وهذا لَيسَ مِن حقِّه. في العهدِ القديم، طَلَبَ الربُّ من شعبه ألّا يَقتَربَ مِن تابوتِ العهد لئّلا يتنَّجس.

إخوتي، إنّ هذا الكلام لا يعني أنّ تابوتَ العهدِ هو الّذي يُنجِّسُ الإنسان، بل يَعني أنّ تابوتَ العهدِ سيَفضحُ كُلَّ إنسانٍ يَقتَربُ منه لأنّه سيُظهِر له حقيقتَه، فيُدرِكُ هذا الأخيرُ نجاسَته. إنّ جميع الشّرورِ الّتي ذَكرَها الربُّ يسوعُ تُنجِّسُ الإنسانَ لأنَّها تَخرجُ مِن داخلِه، وقد شدَّد في ختامِ لائحةِ هذه الشّرورِ على الجهلِ والكِبرياءِ، كي لا ينساهما الإنسان، فالمؤمِنُ اليهوديُّ معتادٌ على سماعِ كلِّ ما ذُكِرَ في هذه اللّائحةِ ما عدا الجَهلَ والكِبرياء، فقامَ الربُّ بإضافَتِهما إلى اللّائحة. إذًا، لقد استفاضَ الربُّ يسوعُ في الكلامِ حولَ موضوعِ الطَّاهرِ والنَّجس، ليَقولَ لنا إنّ الطَّاهرَ هو الّذي يتوافَقُ مع مشيئةِ لله ويسعى إلى تطبيقِها؛ أمّا النَّجِسُ فهو الّذي يَسيرُ وِفقَ أهواءِ الشِّريرِ ويَنصاعُ إليه.

إنّ الفرِّيسيِّين والكَتَبة يَهتَّمون إلى التَّدين الخارجيّ: فهؤلاء لا يَسعَون إلى محبّةِ الآخَرين ورَحمتِهم، بل يَسعَون إلى لَومِهم وإدانتِهم، وقد وَصَلَتْ بِهم الوقاحةُ إلى حدِّ إدانةِ الربّ. إنّ لَومَ الآخَرين على ما يقومون به يَعني الحُكمَ عليهم بأنّ ما يقومون به هو هَرطقةٌ وبِدعة! في تصرُّفاتِ الكَتَبةِ والفرِّيسيِّين، تَصُحُّ النّبوءةُ القائلة: “هَذَا الشَّعْبُ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِفَمِهِ، وَيُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ، أَمَّا قَلْبُهُ فَبَعِيدٌ عَنِّي.” (إش 29: 13).

إخوتي، ما يَهُمُّ الربَّ هو قَلبُ الإنسان. إنّ القَلبَ، في اللُّغةِ العِبريّة، هو “اللُّب”، أي الكَيانُ، أي الدَّاخل. لذلك، علينا أن نكونَ في حالةِ يَقظةٍ روحيّةٍ دائمةٍ على نفوسنِا، فنَتجنَّبَ الوقوعَ في أفخاخِ الشَّيطان، وتَكونَ حركاتُنا وتصرُّفاتُنا كلُّها مَرضيَّةًعند الله. إنّ الإنسانَ الّذي يَميلُ قلبُهُ إلى رِضى الله، يُسارِعُ لا إلى الحُكمِ على الآخرين عندما يَقعون في الخطيئةِ، إنّما إلى إيجادِ حَيثيَّاتٍ تخفيفيِّةٍ لهم تُبرِّرُ وقوعَهم في الخطيئة. إخوتي، إنّ هذا التصرُّفَ الّذي يقومُ به المؤمِنُ يَرتكزُ على الفَصلِ بين الخاطئِ والخطيئة: فالمؤمِنُ لا يعملُ على تشريعِ الخطيئةِ، إنّما على رحمةِ الخاطئِ ومحبّتِه، وهذا الأمرُ يدفعُ هذا الأخيرَ إلى التَّوبةِ أي إلى العودةِ إلى الله، وهذه أُولى الخطواتِ الّـتي يَسيرُ فيها الإنسانُ نحوَ القداسة. إنَّ الرَّحمةَ تُساعدُ الخاطئَ على السَّيرِ في طريقِ إعادةِ خَلقِه من جديد.

بعدَ انتهائِه من الحديثِ في موضوعِ الطَّاهرِ والنَّجسِ، انطلقَ الربُّ نحوَ الـمُدنِ الوَثَنيّةِ، وفي هذا الإطارِ، يُخبرُنا القدِّيسُ مرقس أنّ الربَّ قد قامَ بأعجوبَتَينِ في هذه الـمُدن:الأولى هي شفاءُ ابنةَ امرأةٍ وثنيّةٍ مِن “روحٍ نَجِس”، والثّانية هي شفاءُ إنسانٍ أصمَّ أعقدَ اللِّسان. إخوتي، إنّ الوثنيِّينَ هُم عابِدو أصنامٍ، أي أنّهم لم يتمكَّنوا من سماعِ كلمةِ الله، إمّا لأنّ أحدًا لم يُبشِّرْهُم بها، وإمّا لأنَّهم رَفضوا سماعَها.

في هذا النَّصِ، يُخبرُنا القدِّيسُ مرقس أنّ الربَّ أرادَ إخفاءَ حضورِه في الـمُدنِ الوثنيّةِ، لأنّه لم يكنْ قد أعلَنَ عن السِّرِّ المسيّاني، غير أنَّ الربَّ لم ينجحْ في ذلك، لأنَّ الوثنيِّينَ كانوا يلاحقونَه لأنّهم متعطِّشون لِسَماعِ كلمةِ اللهِ الّتي يُعلِنها. إخوتي، هذه هي مسؤوليّةُ المؤمِن: أن يُعلِن َكلمةَ اللهِ للآخَرين! في هذا النَّصِّ، يُخبرُنا الإنجيليُّ مرقس عن امرأةٍ وثنيَّةٍ قد سَمِعَتْ بمجيءِ الربِّ إلى مدينتِها، فَذَهبَتْ إليه وسَجدَتْ له طالبةً إليه شفاءَ ابنتِها الّتي تُعاني من “روحٍ نَجِس” يُعذِّبُها. قد يعتقدُ البعضُ مِنكم أنّه مِن الطبيعيِّ أن تأتيَ هذه المرأةُ إلى الربِّ وتَسجدَ له لأنّها تريدُ منه تلبيةَ حاجتِها. هنا أقولُ لكم، إيّاكم إخوتي، وهذا التَّفكير! فَمن مِنّا لا يأتي إلى الربِّ يسوعَ من أجلِ سؤالِه عن تلبيةِ حاجةٍ معيّنة؟! للأسف، في أكثرِ الأحيانِ، يأتي الإنسانُ إلى اللهِ طالبًا منه تلبيةَ رغباتِه، لا حاجاتِه. في هذا النَّصِّ، ركَّزَ الإنجيليُّ مرقس على عبارةِ “سَمِعَت”، “وهذا يعني أنّ لدى هذه المرأةِ حاجةً لِسَماعِ كلمةِ الله، لذا أتَتْ إلى يسوعَ وخرَّتْ على قدَمَيها أمامَه مُعلنةً بِذَلِكَ خضوعَها له.

إنّ مرقسَ الإنجيليَّ حدَّدَ لنا هويّةَ هذه المرأةِ، إذ قال لنا:”وَكَانَتْ الامْرَأَةُ أُمَمِيَّةً، وَفِي جِنْسِهَا فِينِيقِيَّةً سُورِيَّةً” (مر 7: 26)، وقد أرادَ بذلك أن يقولَ لنا إنّ المرأةَ لم تكنْ تَعرفُ أيَّ شيءٍ عن الله. إنّ الكلامَ هنا عن “روح نَجِس” ينسجمُ مع كلامِ الربِّ في بدايةِ هذا الإصحاح. إنّ الرَّوحَ النِّجسَ يعني الشَّيطان، وبالتّالي من الطَّبيعيِّ أن يسكنَ الشّيطانُ في العالَمِ الوثنيِّ ويسيطرَ عليه، لأنّ الوثنيِّين لم يتعرَّفوا إلى الله.

عندما طَلَبَتْ هذه المرأة من الربِّ يسوعَ شفاءَ ابنتِها، أجابَها:”دَعِي الْبَنِينَ أَوَّلًا يَشْبَعُونَ، لأَنَّهُ لَيْسَ حَسَنًا أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ الْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلاَبِ”(مر 7: 27). إنّ هذه العبارةَ تَدلُّ على أن ّالبيئةَ الّتي أتى منها يسوعُ هي بيئةٌ يَهوديّة، لأنّ الكَلابَ هي حيواناتٌ نَجِسةٌ عندَ اليَهود، ولذا هُم يُطلِقون هذه العِبارةَ على الوثنيِّين.

28 “فَأَجَابَتْ وَقَالَتْ لَهُ: “نَعَمْ، يَا سَيِّدُ! وَالْكِلاَبُ أَيْضًا تَحْتَ الْمَائِدَةِ تَأْكُلُ مِنْ فُتَاتِ الْبَنِينَ!”: من خلالِ جوابِ هذه المرأةِ، نُدرِكُ أنَّ المرأةَ لا تطلبُ شيئًا لِذاتِها، ولا تطلبُ رغبةً لها، إنّما تَطلبُ إخراجَ الشَّيطانِ من ابنَتِها، وقد تحوَّلَ هذا الطَّلبُ إلى حاجَتِها الخاصّةِ الّتي تَسعى للحصولِ عليها مِن يسوع.

29 “فَقَالَ لَهَا: “لأَجْلِ هذِهِ الْكَلِمَةِ، اذْهَبِي. قَدْ خَرَجَ الشَّيْطَانُ مِنِ ابْنَتِكِ.

30 فَذَهَبَتْ إِلَى بَيْتِهَا وَوَجَدَتِ الشَّيْطَانَ قَدْ خَرَجَ، وَالابْنَةَ مَطْرُوحَةً عَلَى الْفِرَاش.”: مِن خلالِ هذا الكلام، أرادَ القدِّيسُ مرقس أن يؤكِّدَ لنا ولهذه المرأةِ على حصولِ تلك الأعجوبةِ، فأعطانا دليلاً على ذلك.

 31 “ثُمَّ خَرَجَ أَيْضًا مِنْ تُخُومِ صُورَ وَصَيْدَاءَ، وَجَاءَ إِلَى بَحْرِ الْجَلِيلِ فِي وَسْطِ حُدُودِ الْمُدُنِ الْعَشْرِ”. إنّ هذا الكلامَ يعني أنّ الربَّ يسوعَ لَم يصلْ بعدُ إلى أورشليم، بل وَصلَ إلى “الـمُدن العَشر”، أي إلى الـمُدنِ الّتي يعيشُ فيها اليهودُ والوثنيُّون.

32 “وَجَاءُوا إِلَيْهِ بِأَصَمَّ أَعْقَدَ، وَطَلَبُوا إِلَيْهِ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَيْه”. لم يكتَفِ القدِّيس مرقس بإخبارِنا عن شفاءِ ابنةِ تلك المرأةِ الوثنيّةِ من الرُّوحِ النَّجسِ، بل أرادَ إخبارَنا أيضًا عن شفاءِ يسوعَ للأصمّ. في الحادثةِ الأولى: جاءتِ المرأةُ إلى يسوع لأنّها سَمِعَتْ بمجيئِه. أمّا في هذه الحادثةِ، فنُلاحظُ أنّ هذا الإنسانَ هو غيرُ قادرٍ على السَّماعِ، لذا أتى به آخَرونَ إلى يسوعَ طالِبين منه إعطاءَه نِعمةَ السّماع. إخوتي، إنّ الإنسانَ الّذي لا يَسمعُ كلمةَ اللهِ لا يستطيعُ القبولَ بها، لذا قامَ يسوعُ بشفاءِ هذا الرَّجلِ كي يتمكَّنَ هذا الأخيرُ مِن سماعِ كلمةِ الله، فيُصبحَ خليقةً جديدةً بِقبولِه لها. “مَن له أُذنان، فليَسمع”: على الإنسانِ الّذي يريدُ اتِّباعَ يسوعَ أن يكونَ قادرًا على سماعِ كلمةِ الله.

33 “فَأَخَذَهُ مِنْ بَيْنِ الْجَمْعِ عَلَى نَاحِيَةٍ، وَوَضَعَ أَصَابِعَهُ فِي أُذُنَيْهِ وَتَفَلَ وَلَمَسَ لِسَانَهُ”: قامَ يسوعُ بالتَّفلِ في أُذنَي هذا الإنسان. إنّ عبارةَ “تَفل” تُذكِّرُنا بسِفرِ التَّكوين، حين تَفل الله في الإنسانِ فأعطاهُ من روحِه؛ كما تُذكِّرُنا بشفاءِ الأعمى الّذي تَفلَ يسوعُ على عَينَيه، فتمكَّنَ الأعمى من استعادةِ النَّظر. إنَّ التَّفلَ يُشيرُ إلى إعادةِ خَلق. إخوتي، إنّ الربَّ يَخلقُ لنا آذانًا جديدةً كي نتمكَّنَ من سماعِ كلمةِ الله، فنتمكَّنَ من إعلانِها للآخَرين.

34  “وَرَفَعَ نَظَرَهُ نَحْوَ السَّمَاءِ، وَأَنَّ وَقَالَ لَهُ: “إِفَّثَا”. أَيِ انْفَتِحْ”. من خلالِ كلامِ يسوع، نُدرِكُ أنّ قرارَ الشِّفاءِ يعودُ إلى الله.

35 “وَلِلْوَقْتِ انْفَتَحَتْ أُذْنَاهُ، وَانْحَلَّ رِبَاطُ لِسَانِهِ، وَتَكَلَّمَ مُسْتَقِيمًا”. إخوتي، عندما يَكونُ الإنسانُ خارجَ رعايةِ الله، خارجَ عنايتِه، خارجَ رحمتِه، خارجَ سُلطانِه، فهذا يعني أنّ هذا الإنسانَ هو تَحتَ حُكمِ الشَّيطان. وبالتَّالي، عندما يأتي هذا الإنسانُ الواقعُ تحتَ سيطرةِ الشَّيطانِ إلى الله، فإنّ اللهَ يقومُ بإعادتِه إلى رعايتِه، من خلالِ إعادةِ خَلقِ حَواسِه من جديد، الّتي كانت سببًا في قطعِ هذا الإنسانِ علاقتَه بالله.

36 “فَأَوْصَاهُمْ أَنْ لاَ يَقُولُوا لأَحَدٍ. وَلكِنْ عَلَى قَدْرِ مَا أَوْصَاهُمْ كَانُوا يُنَادُونَ أَكْثَرَ كَثِيرًا”. على الرُّغم من توصيةِ الربِّ للّذين كان يشفيهِم بعدَمِ إذاعةِ الخبر، إلّا أن هؤلاء لم يتمكَّنوا من التزامِ الصَّمتِ، فكانوا ينادون باسمِ الربِّ أكثرَ فأكثر، وهذا يعني أنّهم لم يتمكَّنوا من طاعةِ الربِّ والانصياعِ لِكلمتِه. وفي هذا الإطارِ، أسمحُ لِذاتي بِحَثِّكُم على إعلانِ كلمةِ الله، وعدمِ السُّكوتِ عنها، حتّى وإن طَلبَ منكم الربُّ ذلك. هنا، أودُّ الإشارةَ إلى أمرٍ وهو أنَّ الربَّ يسوعَ لم يَمنعْ هؤلاء من إذاعةِ كلمةِ اللهِ والتَّبشيرِ بها، إنّما طلبَ منهم الاحتفاظَ بها إلى حينِ إعلانِه السِّرِّ المسيانيّ، أي إعلانِ الـمُخطَّطِ الحقيقيِّ لله، الّذي يقومُ على الإجابةِ على الأسئلةِ التَّالية: مَن هو يسوع؟ وَمِن أين أتى؟ ولماذا أتى؟ وما الهدفُ من مَجيئِه؟ إنّ هدفَ الربِّ مِن مجيئِه الأرضيِّ مختلِفٌ تمامًا عمّا ينتظرُه اليَهود.

37 “وَبُهِتُوا إِلَى الْغَايَةِ قَائِلِينَ: “إِنَّهُ عَمِلَ كُلَّ شَيْءٍ حَسَنًا! جَعَلَ الصُّمَّ يَسْمَعُونَ وَالْخُرْسَ يَتَكَلَّمُونَ”. إنّ عبارةَ “إِنَّهُ عَمِلَ كُلَّ شَيْءٍ حَسَنًا”، تُذكِّرُنا بِسفرِ التَّكوين حينَ خَلقَ اللهُ العالَم، فعَبّر اللهُ عن إعجابِه بِما صَنَع قائلاً: “وكان كُلّ شيءٍ حَسنًا”(تك1: 31). وهنا نلاحظُ أنّ الربَّ قامَ بإعادةِ خَلقِ كلِّ مَن شفاهم. كما تُذكِّرُنا عبارةُ “جَعَلَ الصُّمَّ يَسْمَعُونَ وَالْخُرْسَ يَتَكَلَّمُونَ” بنبوءةِ إشعيا (إش 35: 5).

إذًا، إخوتي، هذا الإصحاحُ من إنجيل مرقس يدعونا إلى التحرُّرِ مِن سطحيّةِ الإيمان، أي التحرُّرِ مِن الطُّقوسِ الّتي كانت تَدفعُنا إلى الاعتقادِ بأنَّنا ارتكَبنا خطيئةً عظيمةً، إن لَم نَقُم بها. إنّ ممارستَنا مثلَ هذه الطُّقوسِ مِن شأنِها إخفاءُ الحقيقةِ عنّا، من خلالِ زرعِ الوَهمِ فينا بأنَّه من دونِها لا يمكنُنا الوصولُ إلى الله. هنا، إخوتي، أَحثُّكُم على التحلِّي باليَقظةِ الرُّوحيّةِ لتتجنَّبوا الوقوعَ في أفخاخِ هذه الطُّقوس، فتَكونوا قادِرين على تجديدِ حَواسِّكم، من خلالِ نِعمةِ اللهِ الّتي تُمنَحُ لكم. إخوتي، أنا لا أدعوكم إلى التخلِّي عن تلك الطُّقوس، إنّما أدعوكم إلى إعادةِ المعنى الحقيقيِّ لها ، فتُصبحُ “ليتورجيَّا” حقيقيّة، أي أنّها تتحوَّلُ إلى نوعٍ من تسبيحٍ وتمجيدٍ لله، لا طريقةً لأداءِ الواجِبِ الدِّيني المفروضُ علينا القيامُ به، فلا نكونُ على مِثالِ الشّعبِ اليهوديِّ الّذي قال عنه الربّ: “هذا الشَّعبُ يُكرِمُني بشَفَتَيه، وأمَّا قلبُه فمبتعدٌ عنِّي بعيدًا”(مر 7: 6).

إخوتي، علينا التّركيزُ على جوهرِ الإيمانِ لا على القشور، فنتحاشى الوقوعَ في دينونةِ الآخرين الّذي تعكسُ حجمَ الأمورِ غيرِ الصَّالحةِ الموجودةِ في داخلِنا. إخوتي، حَذارِ من تعريبِ النَّاسِ بحسبِ خطاياهم، بل اسعَوا دائمًا إلى التّركيزِ على خطاياكم مجتَهدين في تَخطيّها، فتَنالوا القدرةَ على رَحمةِ ذواتِكم أوّلاً، ثمّ رَحمةِ الآخرين. في هذا الإصحاحِ، يدعونا الربُّ إلى رَحمةِ الآخرين، فلا نَحكُمُ، عليهم بسببِ امتناعِهم عن الصّومِ على سبيلِ الـمِثال، بل نسعى إلى إيجادِ حيِّثيّاتٍ تخفيفيّةٍ لهم: كأن نقولَ إنّ هذا الإنسانَ قد امتنعَ عن الصّومِ لأنّه مريض. في زمنِ الصَّوم، علينا أن نَعملَ على إقناعِ المؤمِنِين بالطُّقوسِ الّتي نطالبُهم بها لا على إلزامِهم على ممارسَتِها من دون فَهمٍ لها: فعلى سبيلِ الـمِثال، بَدلَ أن نُلزمَ النِّساءَ على لباسِ الوِشاحِ في الكنيسة، علينا أن نُخبرَهنَّ عن أهميّةِ الحِشمةِ في الكنيسة. ابتعدوا عن التديُّنِ وتمسَّكوا بالإيمان! إنّ التدَّيُنَ يقومُ على سَيرِ المؤمِنِ أمامَ الله للدِّفاعِ عنه، فيَتخاصَمُ مع الآخرين لأنّهم لا يَسلكونَ الطَّريقَ نفسَها ولا ينظرون إلى الأمورِ بالطَّريقةِ نفسِها. أمّا الإيمانُ، فيقومُ على جَعلِ اللهِ أمامَك في مَسيرَتِكَ، فيُصبحُ الآخَرون جسورًا لك تَعبُر مِن خلالهِم  إلى الله، وتكونُ منفتِحًا على الجميع.

إنّ هذا الإصحاحَ هو مقدِّمةٌ للإصحاحِ الثّامِن، الّذي فيه سيُخبرُنا الإنجيليُّ مرقس عن إعلانِ يسوعَ للسِّرِّ المسيّاني، أي عن سرِّ المسيح، أي عن هويّتِه. إلى الآن، لَم يُخبرْنا الإنجيليُّ مرقس عن حقيقةِ الربِّ يسوعَ الّذي لم يأتِ كزعيمٍ أرضيٍّ كما ظنَّه اليَهود، إنّما أتى من أجلِ أن يتألّمَ ويموتَ من أجلِ فِدائنِا، وبالتّالي مَنِحنا الخلاص. آمين.

ملاحظة: دُوِّنت المحاضرة بأمانة مِن قِبَلِنا.  

Instagram
Copy link
URL has been copied successfully!
WhatsApp