الرقاد في توبة
بقلم الأب ملحم (الحوراني)، كاهن رعيّة المحيدثة – المتن
كلّما تقدّمنا في الحكمة والقامة والنعمة، كلّما لمَسْنا جسمًا يترهّل وأعصابًا تضعُفُ ومَلَكاتٍ تخبُو، وهذا غالبًا ما يُذكّرنا بدُنُوّ ساعة الرقاد في الرب. وشيئًا فشيئًا نبدأ بطرح السؤال المصيريّ على أنفُسنا: لماذا نولَد؟ ولماذا نحيا؟ هل يولدُ الإنسان لكي يموت؟ يُجيب القديس غريغوريوس النزينزيّ قائلاً: لقد أَعطى اللهُ الإنسانَ حياتَه «لكي يتوب»!
فهل يعني هذا أن كلّ إنسان شريرٌ، وهو تاليًا يحتاج العمرَ ليتوب عن شرّه؟ لا. التوبة هي مسعى المؤمن الحثيثُ طوال عمره، إذ يقول القديس غريغوريوس النزينزيّ أيضًا: «الفضيلة هي السعيُ إلى الفضيلة». إذًا التوبةُ هي السعي إلى التوبة. فلا يمكن أن يقول واحدُنا: أنا الآن تائب، وبالتالي أنا وصلتُ إلى قمّة سُلّم الفضائل. وخيرُ مَن فسّر هذا هو الرسول بولسُ نفسُه حين يُعلِن بأن المسيح يسوع جاء إلى العالم ليُخلّص «الخطأة الذين أنا أوّلُهُم» (1تيم 1: 15)!
فما معنى « أن يتوب» المرء؟
«أن يتوب» هي عكس «أن يُخطئ». وإذا فهمنا معنى «أن يُخطئ»، يسهُل فهمُ معنى «أن يتوب». فـ«أن يُخطئ» تعني أن لا يتّجه مستقيمًا فلا يقدر أن يُصيب الهدف. وعكسُها، أي «أن يتوب»، هو أن يُحافظ على استقامته حتى يُصيب الهدف. والهدف والطريق، البداية والنهاية، هو المسيحُ نفسُه.
كيف تبقى إذًا مستقيمًا كلّ يوم حتى نهاية العمر؟ مِن خلال تنفيذك الجدّيّ لِما يُعلّمُكَ إياه النبيّ: «خبّأتُ كلامَكَ في قلبي لكي لا أُخطئ إليك» (مزمور 118: 11).
على هذا المنوال، صارت سيّدتُنا والدةُ الإله الكليّةُ القداسة مريمُ، التي تُعيّد الكنيسةُ لرقادها في منتصف هذا الشهر المبارك، مثالَ كل مؤمن بالرب حين قضت العُمر وهي «تَحفظُ جميعَ كلام الرب وتتأمّل به في قلبها» (لوقا 2: 19)، حتّى باتت «التوبةُ» عنوانَ حياتها. ولذلك، عندما بلَغَتْ العذراءُ «التائبةُ» في نهاية عمرها حالةَ الرقاد، انتقلتْ مِن الموت إلى الحياة، لتستقرّ في المجد.
