عِظة الأب دومينيك العلم المريميّ
رئيس دير الصعود للرهبنة المريميّة – الضبيه.،
الذِّكرى الرابعة عشرة لانطلاقة رسالة جماعة “أذكرني في ملكوتك”
الصّلاة لأجل الرّاقدِين: فِعلُ حبٍّ ولقاءٌ مع عالم السّماء
أحبّائي، قَبل البَدء بِتَأمِّل اليوم، اسمَحوا لي أن أُرحِّب بجماعات “أذكرني في ملكُوتِكَ”، إخوةً وأعضاءَ ومسؤولين ومؤسِّسين، الآتِيَة إلينا من مناطِق متعدِّدة في لبنان. كما أودُّ أيضًا التَّرحيب بعائلة هذه الرَّعيّة، المؤلَّفة من أخويّات ورَهبنة مار منصور والكشَّاف المريميّ والحركة الرَّسوليّة، الحاضرة معنا اليوم في هذه الذَّبيحة الإلهيّة مِن خلال مُمَثِّلِين عنها. كما أودُّ أيضًا التَّرحيب بالسَّيدَّة هِيام طُعمة، ممثِّلة رئيس البلديّة الأستاذ المهندس نبيه طعمة الجزيل الاحترام الّذي كان يرغب في مشاركَتِنا هذه الذَّبيحة، ولكنَّه بسبب ظَرفٍ طارئٍ استجدَّ عليه تعذَّر عليه الـمَجيء، وأنتم تَعلمون أنّ للظُّروف أحكامًا! أهلاً وسَهلاً بِكم حميعًا!
اليوم، نحتفل بهذا العيد، على الرُّغم من أنّنا في فترة الصّوم: فزمنُ الصَّوم ليس زَمنَ حزنٍ واكتئابٍ ونُواحٍ عند المؤمِنين، لأنّهم أبناءُ الرَّجاء، أبناء العِيدِ الدَّائم. فإنّنا في كلِّ مرّةٍ نَجتمع حول الذّبيحة الإلهيّة، نَحتفلُ بِقِيامةِ الربِّ يسوع الّذي انتَصَرَ على الموت وغَلَبَ الشَّر وعالَم الظُّلمة، ودعانا إلى توجيه نَظرِنا إلى الآب السّماويّ لكي نتمكَّن من مشاهدة المجد الّذي سيُمجِّده به الآب. سُمِيَّ المسيحيّون بـ”أبناء القيامة” لأنّه لا وَطن لهم، فَهُم يَعبُرون في هذه الحياة كمَن يَعبُر في الـمِيدان، على حدِّ قَول بولس الرَّسول. إنّ جميع المؤمنِين يَعبُرون في ميدان الحياة هذا مِن لَحظةِ ولادتِهم في هذه الأرض إلى لَحظةِ إغماضِ عيونِهم فيها، أي إلى حين موتِهم الجسديّ. ولكنَّ المؤمنِين لا يسيرون جميعًا بِالوَتيرة نَفسها في هذا الميدان: فَمِنهم مَن تَكون خَطواتُهم سريعةً، فيَموتون وهُم لا يَزالون في عُمرِ الشَّباب، وبالتَّالي يَتحقَّق فيهم قَول الكِتاب:”قَدْ بُلِّغَ الكَمالَ في أيَّامٍ قَلِيلَةٍ؛ فَكَانَ مُستَوْفِيًا سِنِينَ كَثيرَةً. وَإذْ كانَتْ نَفسُهُ مُرْضِيَةً لِلرَّبِّ؛ فَقَدْ أُخرِجَ سَرِيعًا مِنْ بَينِ الشُّرُورِ” (حك 4: 13-14)، وهذا يعني أنّهم قد وَصلوا إلى السَّعادة الأبديّة؛ ومِنهم مَن تَكون خَطواتُهم أبطأ مِن الأوَّلِين فَيُمضونَ حياتَهم الطَّويلة على الأرض في تَمجيد الربِّ.
إذًا، إنّ جميع المؤمنِين يَسيرون في ميدان الحياة، وبالتَّالي سَيَصِلونَ جَميعًا إلى نهايته، وسَيَكون النَّصرُ حَليفَهم لأنّهم لا يَسيرونَ وَحدَهُم في هذه الحياة، بل بِرِفقة الرُّوح القدس الّذي أعطانا إيّاه الربُّ يسوع، إذ قال لنا: “رُوحُ الحَقِّ الَّذي لا يَستَطِيعُ العالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ، لأَنَّهُ لا يَرَاهُ وَلا يَعْرِفُهُ، وَأَمَّا أَنتُم فَتَعرِفُونَهُ لأَنَّهُ ماكِثٌ مَعَكُم وَيَكُونُ فِيكُمْ. لا أَترُكُكُم يَتامَى. إنّي آتي إلَيْكُم.”(يو 14: 17-18)؛ ثمّ أضاف الربُّ يسوع قائلاً لتلاميذه قُبَيل صُعوده إلى السَّماء: “… إنَّهُ خَيرٌ لَكُم أَن أَنطَلِقَ، لأَنَّهُ إنْ لَمْ أنطَلِق لا يأتِيكُمُ الـمُعَزِّي، وَلكِنْ إنْ ذَهَبْتُ أُرْسِلُهُ إِلَيْكُمْ”(يو 16: 7). إذًا، إنّ الرُّوح القُدُس هو الّذي يُثبِّتُ خَطواتِنا في مِيدانِ هذه الحياة، ويَقودُنا فيها ويُعزِّينا، وهو سيُحقِّق كُلَّ ما وَعدنا به اللهُ الآب الخالِقُ بِالابنِ يسوع المسيح المخلِّص، فتَكتَمِلُ مَسيرتُنا في هذه الحياة بِالرُّوح القُدُس! والكَنيسة اليوم تَعيش في زمنِ الرُّوح القُدُس.
أمّا الآن، فنَنتَقِلُ إلى التَّأمُلِ في دَعوتنا، دَعوةِ جماعة “أُذكرني في مَلكوتِكَ”. تأسَّسَت جماعةُ “أُذكرني في مَلَكوتِكَ” بِدَعوةٍ ٍإلهيّة، تَقومُ على لقاءِ عالم السَّماء بِعالَم الأرض. وهُنا، نَطرحُ السُّؤال: مَن يُوجَدُ في السَّماء؟ إخوتي، في السَّماء لا يُوجد غُرباء عنَّا!
أوّلاً: إنّ الله موجودٌ في السَّماء: الآبُ السَّماويّ الّذي خَلَقنا، والابنُ الوحيد الّذي افتَدانا والرُّوح القُدس الّذي اعتَمَدْنا به جَميعًا. إذًا، إنّ الله يُحيط بِكُلِّ كَينونتِنا ووجودِنا. إنّ الله قد خَلقَنا على صُورتِه ومِثاله؛ وعندما وَقعنا في الخَطيئة، أرسَلَ إلينا ابنَه الوحيدَ يسوع المسيح ليُجدِّدَ فينا صورةَ بَهاءِ وَجهِه، فغَسَلَنا الربُّ يسوع بِدَمِه على الصَّليب وافتَدانا وجَعَلَنا أبناءَ لله الآب بالتَّبنيّ. وبالتَّالي، نحن أصبحنا أبناءَ لله بالتَّبنيّ بِمَوتِ المسيح يسوع وقيامَتِه مِن بَينِ الأموات. إذًا، إنّ الله موجودٌ في السَّماء، أي في الأبديّة، وهو حاضرٌ أيضًا مَعَنا في حياتِنا اليَوميَّةِ، وبالتّالي، فإنَّ الله لَيسَ غريبًا عنَّا، إنّما هو الأقربُ إلَينا. إنَّ الربَّ يسوع، ابنَ الله الوحيدَ، الّذي به كان كلُّ شيءٍ ومِن دُونِه ما كان شيئٌ ممّا كان، قد أصبحَ صِلة الوَصل بين الله والبشر، فَحَمَل إلينا دَعوةً من الآب السّماويّ، دَعوةَ رَحمةٍ ومَحبّةٍ ومغفرة. ولكن بِما أنّ هذه الدَّعوة هي إلهيّة، وبالتَّالي هي دَعوةٌ كاملة، لَم يتمكَّن أحد من البشر من الإجابة عليها بطريقةٍ كاملةٍ سِوى الربِّ يسوع، الإله المتجسِّد بين البشر، فأعطى الربُّ يسوع، بِاسمِ البشريّة جمعاء، جوابًا كاملاً لله الآب، إذ قدَّم ذاتَه للآب السّماويّ ذبيحة رَحمةٍ، وذبيحة حُبٍّ مِن أجلِ إخوتِه البشر. إذًا، إنَّ الله الموجود في السَّماء ليس غَريبًا عنّا!
انيًا: إنَّ العذراء مريم هي أيضًا موجودةٌ في السَّماء: في يوم البِشارة، أخبَرَ الملاكُ العذراءَ مريم الكُلِّيَّة الطُّوبى والممتلئة نِعمةً، والتّي لَم تَعرف الخَطيئة، أنّها ستُصبِحُ عَروسةَ الرُّوح القُدس عندما يَحلُّ عَليها، وأنَّ الآب السَّماويّ سَيُظلِّلُها بِنِعمَتِه، أي أنَّ الله سَيُقيمُ لها خَيمةً لأنَّ الابنَ الوحيد سَيَسكُن في حشاها، كي يَتَمكَّنَ مِنَ التَّجسُّد في هذا العالَم. إذًا، في البشارة، أدركَتِ العذراءُ مريمُ أنَّها ستُصبح الِمصباحَ النَّقيّ والأبهى لأنَّه مِنها سيَخرجُ نورُ العالَم السَّاطع على البشريّة. إنَّ مَريمَ العذراء لَيسَت أبدًا غَريبةً عنّا نحن البَشر، فنَحنُ نُصلِّي معها وهي تُرافِقُنا في كلِّ حياتنا؛ وأيقونَتُها تَملأُ كلَّ المزاراتِ الموجودة على طرُقاتنا، وصُوَرُها موجودةٌ في بُيوتِنا لا بل في كلِّ غُرفةٍ منها، ومَسبحَتُها لا تُفارقُ أيدينا ورِقابَنا وكُلَّ قِطعةٍ من ملابِسِنا. إذًا، إنَّ مَريمَ العذراءَ الموجودةَ في السَّماء لَيسَت غريبةً عنّا: إنّها الصُّورة الأبهى الّتي قدَّمَتْها البَشريّة للآب السَّماويّ. وعلى الرُّغم مِن وجودِ أشخاصٍ يُنكِرونَ وجودَ الله ومحبَّتَه للبشر، إلّا أنَّ مَريم العذراء، الّـتي انتَقَلَتْ بالنَّفس والجسد إلى السّماء، تَبقى الأيقونةَ الّتي تُمثِّلُ البَشرَ الصّالِحين الّذين يُحِبُّون الله والّذين يتناولون جسد يسوع المسيح فيَعيشُ الربُّ في قلوبهم، وبالتَّالي سَيَنتَقِلونَ مع المسيح القائم من الموت من هذه الحياة إلى فَرَحِ القيامة.
ثالثًا: مَوتانا: إضافةً إلى العذراءِ مريم، والملائكة والقدِّيسين، مَوتانا هُم أيضًا في السَّماء، وهؤلاء بالتَّأكيدِ لَيسوا غُرباء عنَّا، إذ تشارَكْنا الحياةَ الأرضيّةَ معهم، فتَقاسَمْنا معهم الطَّعام والشَّراب كما تَقاسَمْنا مَعَهم صُعوباتِ هذه الحياةِ وآلامَها وتَخطَّيناها معًا، غَير أنَّهم سَبقونا إلى دار الخلود، ونحن سنَتبَعُهم في الطَّريق نفَسِها. إنَّ موتانا مَوجودونَ الآن في عالَم الله، الّذي أفاضَ علينا رَحمتَه الإلهيَّة بِابنِه يسوع المسيح الّذي ماتَ على الصّليب من أجلنا ومَنح جميع البشر الرَّحمة، وبالتَّالي لَن يَهلِكَ أحدٌ من البشر إلّا مَن يَرفضُ رَحمةَ اللهَ!
إنَّ جماعةَ “أُذكرني في مَلكوتِكَ” لا تُصلِّي فقط من أجلِ الّذين خُلِّصُوا إذ قَبلوا رَحمة الله في حياتِهم، بل بالأحرى هي تُصلِّي أيضًا من أجلِ الّذين رَفضوا سابقًا قبولَ رَحمة الله في حياتِهم، كي يَتمكَّنوا مُستَقبلًا مِن قبولِها في حياتِهم. إنَّ غايةَ اللهِ الأوُلى والأخيرةَ هي خلاصُ الإنسان، فالإنسانُ لَيسَ أجيرًا عند الله إنَّما شَريكًا له؛ ولذا يَفرحُ الله بِخلاصِ الإنسانِ وقِيامَتِه مِنَ الموت، وهذا ما عَبَّر عنه الربُّ يسوع حين كان في بستان الزَّيتون، إذ صلّى إلى أبيه قائلاً: “حِينَ كُنْتُ مَعَهُم فِي العالَمِ كُنْتُ أَحفَظُهُم في اسْمِكَ. الَّذِينَ أَعطَيتَني حَفِظتُهُمْ” (يو 17: 12)، ثمّ أضاف قائلاً: “لسْتُ أَسأَلُ أَنْ تَأْخُذَهُمْ مِنَ العالَمِ بَلْ أَنْ تَحْفَظَهُم مِنَ الشِّرِّيرِ.” (يو 17: 15)، ثمّ أضاف أيضًا قائلاً: “أَيُّهَا الآبُ أُرِيدُ أَنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَعْطَيتَني يَكُونُونَ مَعِي حَيْثُ أَكُونُ أَنا، لِيَنْظُرُوا مَجْدِي الَّذِي أَعْطَيْتَنِي، لأَنَّكَ أَحْبَبْتَنِي قَبْلَ إِنْشَاءِ الْعَالَمِ”(يو 17: 24). إذًا، إنّ غاية الربِّ يسوع هي أن نَكون مَعه في مَجد أبيه، أي في السَّماء، فنُشاهد المجد الّذي أعطاه إيّاه الله الآب؛ وقد كلَّمنا القدِّيس بولس عن مَجد المسيح القائم من الموت، قائلاً لنا: “وَإِذْ وُجِدَ في الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ. لِذَلِكَ رَفَعَهُ اللهُ أَيْضًا، وَأَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ، لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ، وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآبِ” (في 2: 8-11). أحبّائي، نحن لا نُصلِّي إلى موتانا من باب الشَفقة ولا من باب الحاجة، فالصّلاة لَم تَكن يومًا فِعل شَفقة، أو تعبيرًا عن حاجة. وهذا ما يُعلِّمنا إيّاه الربُّ يسوع إذ كان يُصلِّي إلى أبيه السَّماويّ، على الرُّغم من أنّه، هو الإنسان الكامل، وابن الله الخالِق، لَم يكن بحاجة إلى الصّلاة، وبالتّالي فإنّ الصّلاة هي لقاء حبٍّ يَجمع الإنسان باللّه.
إذًا، إنّ صلاتَنا لأمواتنا لَيست عَملَ شَفقةٍ منّا على مَصيرهم باعتبار أنّنا لا نُدرِك أين هُم موجودون، إنّما هي لقاءٌ يَجمعنا بِهم. هُنا، لا بُدَّ من أن نتذكَّر أنّه مهما عَظُمت محبَّتُنا لأمواتِنا ورَحمتُنا لهم، إلّا أنّ رَحمة الله ومحبَّته لهم تَبقيان أكبر بِكَثيرٍ مِن مَحبّتِنا ورَحمتِنا لهم، لأنّ الله هو المحبَّة الكاملة، وهو يُفيض ذاته علينا وعلى مَوتانا الّذين انتقلوا من بيننا، من دون تَوقُّف. وهنا، نَطرح السُّؤال: حين نُصلِّي إلى الله بشفاعة مار شربل، هل نُصلِّي إلى الله كي يُخلِّصَ نَفسَ مار شربل؟ بالطَّبع لا! فإنّ مار شربل، أصبح قدِّيسًا وهو الآن موجودٌ مع القُدُّوس! نَحن نُصلِّي إلى الله بشفاعة مار شربل، كِفعلِ حُبٍّ، إذ إنّنا نُريد من خلال تِلك الصّلاة أن نلتقي بعالم القداسة، عالم السَّماء، عالَم الله، طالبِين من الله أن يُقدِّسنا ويُطهِّرنا ويُفيض علينا نِعمه بشفاعة العذراء مريم والقدِّيسين والملائكة. إذًا، الصّلاة تَجعلنا في حالة اتِّحاد دائمٍ مع الله، ونحن لا نزال في حالة الجَسَد. هذا ما اختبره الربُّ يسوع الّذي تجسَّد في أرضِنا، فَهو كان من جهةٍ ينام ويأكل ويسير برفقة التَّلاميذ، وكانت الجموع تَزحَمه، ولكنَّه من جهةٍ أخرى كان متَّصلاً اتِّصالاً حَميمًا وجَوهريًّا بعالَم الله. إذًا، عندما نُصلِّي إلى موتانا، نحن لا نُصلِّي فقط من أجل خلاص نفوسِهم، إنّما أيضًا كي يكونوا شُفعاء لنا وصِلَة وَصلٍ بيننا وبين حُضور الله، فيُفيضوا علينا من مَجد الله الّذي يَختبرونه ويُشاهدونه في السَّماء.
في الختام، يُعلِّمنا هذا النَّص الإنجيليّ كيفيّة الصّلاة، كما يُخبرنا عن مكان وجود الله وهذا ما يؤدّي إلى لِقاء الإنسان بالله. انظُروا إلى يسوع! إنّ الإنجيل يُخبرنا أنّ الربَّ يسوع كان يَختلي للصّلاة وأنّه كان يُصلِّي عند الفَجر: فَفي الإنجيل نَقرأ أنّ الرُّسل قد رأوا يسوع يَصعد إلى الجبل ليُصلِّي، كما نقرأ أنّ الربَّ يسوع قد اختلى للصّلاة في بستان الزَّيتون. وإنجيل اليوم هو خيرُ دليلٍ على ما نقول، إذ سَمعنا فيه أنّ الربَّ يدعونا إلى الاختلاء للصّلاة إذ قال لنا: “أَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَلَّيْتَ فَادْخُلْ إلى مِخْدَعِكَ وَأَغْلِقْ بَابَكَ، وَصَلِّ إِلَى أَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ”(متى 6: 6). إذًا، إنَّ الربَّ يسوع لا يَدعونا إلى الصَّلاة في السَّاحات والمجامع، إنّما إلى الدُّخول إلى مَخدَعِنا، أي إلى قلوبنا. وإذا طَرَحنا السُّؤال قائلين: أين هو الله؟ الجواب هو إنَّ الله يسكن في مَلكوتِه! وفي إطار مَعرفة مكان وجود هذا الـمَلكوت، قال الربُّ يسوع للرُّسل: “وَيَقُولُونَ لَكُمْ: هُوَذَا هَهُنَا! أَوْ: هُوَذَا هُنَاكَ! لَا تَذْهَبُوا وَلَا تَتْبَعُوا” (لو 17: 23)، وقد كان الربُّ يسوع قد سَبق وأشار للفرِّيسيِّين عن مكان وجود ملكوت الله قائلاً لهم: “هَا مَلَكُوتُ اللهِ دَاخِلَكُمْ”. (لو 17: 21(. إذًا، إنّ الربَّ يسوع يَدعونا إلى الدُّخول إلى المخدع، أي الدُّخول إلى قلوبنا، أي الدُّخول إلى ذواتنا، لنتمكَّن من الاختلاء بالربِّ والسُجود له، وذلك بعد إغلاق باب قلوبنا أي الابتعاد عن كلِّ مِن شأنه أن يُبعِدَنا عن الله. وفي هذا الإطار، نتذكَّر خِبرة القدِّيس أوغسطينوس الّذي أخبرنا فيها أنّه بَحثَ عن الله في كلِّ مكانٍ، في الكُتُب والبِدَع والفلسَفة، ولم يتمكَّن من إيجاده. وفي نِهاية هذا البَحث، اكتشف القدِّيس أوغسطينوس أنّ الله يَسكن في أعماقِه، أي في داخله، أي في ذاته، في حين أنَّه كان يَبحث عنه خارجًا عن ذاته. في هذا المساء، إخوتي، أدعوكم إلى الدُّخول إلى قلوبِكم، حيثُ مَلكوت الله، كما أدعوكم إلى اللِّقاء به، وإلى إنعاش هذا الملكوتِ فيكم وتَزيينه من خلال قيامِكم بأعمال الرَّحمة والفضيلة وأعمال الحبِّ وأعمال التَّسليم لله.
إنّ الصّلاة الّتي علَّمنا إيّاها الربُّ يسوع في هذا النَّص الإنجيليّ شَكلَّت دُستورَ حياته، وقد دَعانا إلى عَدم إكثار الكلام في الصّلاة، كما يَفعل المراؤون الّذين يَعتقدون أنّه بِكثرة كلامِهم تُستَجابُ صَلواتُهم. إخوتي، إنّ الصّلاة ليست كَثرةَ الكلام! في هذا الإطار، يقول لنا الربُّ يسوع في هذا الإنجيل إنّ الله الآب يَعلم ما هي حاجاتنا حتّى قَبل أن نسألها، لأنّ الله هو ضابطُ الكُلّ وهو العالِم بِكُلِّ شيء، وبالتَّالي فالله لا يَنتظِرُ منّا إلّا أن نَشكرَه على عَطاياهُ لنا قائلين له: “ليتقدَّس اسمك، لِتَكن مشيئتك”، طالِبين منه أن يُبعِدَنا عن الانجرار وراء الشَّر، كما نقول في ختام صلاة الأبانا. وفي هذه الصّلاة، أي في صلاة الأبانا، يدعونا الربُّ يسوع إلى المغفرة للّذين يُخطئون إلينا، كما يَغفر الله لنا زلّاتنا. وهنا، نسأل: هل الدُّخول إلى أعماقنا أمرٌ صَعبٌ؟ أقول لَكم إنّه ليس بالأمر الصَّعب! إنّ الصّلاة هي اللِّقاء الأوَّل بين الإنسان والله، وهو يتمُّ في قلبِ الإنسان. هذه هي الصّلاةُ الفَرديّة!
إنّ رَغبةَ التَّلاميذِ في المكوثِ مع الربِّ دَفعَتْهم إلى سؤالِه قائلِين له: “أين تُقيم؟” (يو1: 38)، فأجابَهم الربُّ قائلاً لهم: “تَعاليا وانظُرا”(يو1: 39)، ويُضيف الإنجيل قائلاً لنا إنّهم مَكثوا معه النَّهار. إنّ البابا القدِّيس يوحنَّا بولس الثّاني شَرح لنا هذه الآية قائلا لنا: هل تريدون أن تَعرفوا أين يُقيم الربُّ؟ إنّهُ يُقيم في بيت القربان، لذا تَعالوا إليه! وبالتَّالي، يَدعونا البابا إلى التأمُّل في هذه القربانة البيضاء لأنّ الربَّ يسوع موجودٌ فيها. وهنا، أتذكَّر بداية تأسيس جماعة “أذكرني في ملكوتِكَ”! إنّ بداية هذه الجماعة قد تَمَحوَرت حول هذه القربانة البيضاء، الّتي كانت السَّبب في حدوث عدّة أعاجيب وشِفاءاتٍ كثيرة! إخوتي، إنّ هذا الإنجيل يَدعونا إلى الجلوس مع الربِّ يسوع وَجهًا لِوَجه، وإخباره بما يَدور في دَاخلنا، على الرُّغم من أنّه يَعلم كلَّ شيءٍ. إنّ الربَّ يَفرح بِلقاءِ الإنسان، فَهو عاشقٌ للإنسان ومستعدٌّ للقيام بكلِّ شيءٍ كي يَلتقي بالإنسان ويُجالِسَه. إذًا، إنّ الله يَرغب في مجالسة الإنسان لا في هذه الحياة وحَسب إنّما أيضًا في الحياة الثّانية، أي في أبديّةٍ لا نِهايةَ لها.
إخوتي، في كلِّ لَحظةٍ من حياتنا، هناك بدايةٌ للقاءِ الإنسان بالله، ولقاءُ الإنسان بالله يَنتقل من بداية إلى بداية أُخرى، إلى أن نَصل إلى بداياتٍ لا نهاية لها. إنّ الله هو الجَمال، وفي كلِّ مَرّة يلتقي الإنسان بالله يَكتشِفُ الإنسان جَمال الله أكثر من الـمَّرة السّابقة. إنّ الله يُحبُّنا بِشَكلٍ لا يُوصَف وكذلك هو يُحبُّ موتانا، وهذا يَعني أنّ موتانا يَعيشون في نَعيمٍ مع الله. هنا، نتذكَّر قَول بولس الرَّسول إذ قال لنا: “ثُمَّ لَا أُرِيدُ أَنْ تَجْهَلُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ مِنْ جِهَةِ الرَّاقِدِينَ، لِكَيْ لَا تَحْزَنُوا كَالْبَاقِينَ الَّذِينَ لَا رَجَاءَ لَهُمْ” (1 تس 4: 13). إذًا، إخوتي، علينا ألّا نَحزن على موتانا كَمن لا إيمان لَهم ولا رَجاء، بل على العكس من ذَلك، فلنُعزِّ بَعضُنا بَعضًا، لأنّ أمواتَنا يَعيشون في نَعيمٍ مع الله، وهُم يَنتظرون منَّا أن نَخطوَ هذه الخُطوة تِجاههم، فينفتِحَ بابُ الإنسانيّة على باب الملكوت؛ وبِدخولنا باب الملكوت نَصِلُ إلى مَجد القيامة!
رَحم الله موتانا! قدَّس الله نفوسَكم! حَفِظَها وعائلاتِكم! إخوتي، جميعُنا لدينا أشخاصٌ انتقلوا من بيننا إلى السّماء، لذا فلنُعزِّ بَعضُنا بَعضًا قائلِين: المسيحُ قام، حقًّا قام!
ملاحظة: دوِّنت العظة بأمانة من قبلنا.
