الطريق إلى الحياة
بقلم جميلة موسى
قرعت الأجراس حزناً وتوقّفت ساعة زمن حبيبتي أمّي، آخذةً منها كلّ حركة وإحساس: لقد ماتت! وقفتُ مع تلك اللحظة الطويلة، صامتة، رافضة صدمة الفراق، وكان السؤال الأكبر: لمَ الموت يا الله؟ لمَ خلقت الإنسان، ألتُعذّبه أم لتفنيه؟
لم يجبني أحد، حتّى حضارات العالم واختراعاتها صمتت أمام هذا السؤال، وكأنّ ذاك “الشبح” أعجزها عن الكلام … وما أن ارتسم وجه المسيح المهشّم أمامي على الصليب حتى انتزعني من حزني وقادني إلى القبر الفارغ، ثمّ مسح دمعتي وترك إيماني بالقيامة يتأمّل، ففهمت عندها أنّ الإنسان وُلِد كي يحيا لا كي يموت: جنيناً أكَوَّن في رحم أمّي، أنمو وأتغذّى من غذائها إلى أن يحين المخاض المؤلم، فأعبر في العنق كي أولد بين أهلي إلى الحياة. أليست هي نفسها مسيرة الإنسان؟ تحتويه الحياة، تغذّيه بتعاليمها وأفكارها، ثمّ ترضعه الإيمان والرجاء والمحبّة إلى أن تأتي ساعة الولادة الحقيقية بين أحضان الآب؛ لكن لا بدّ من أن يعبر بنفق الموت كي يصل إلى نور القيامة الثابتة.
أليس هذا هو محور إيماننا؟ فمن دون القيامة يكون إيماني باطلاً، ولولا موت المسيح وقيامته لما كان هناك سبب للحياة والوجود. ما معنى حياتي إذا كان كلّ شيء يتوقّف لحظة الموت؟ أيّ قيمة لها إن كانت ستنتهي كما الجماد، دون أن ينتظرني شيء فيما بعد الرقاد؟ أيّ فشلٍ ذريع لي! ؟.
فلنؤمن إذن بضرورة حياتنا الحاضرة كي ندخل في عمق سرّ الحياة مع الآب، إنّها فيض من القيامات اليوميّة، ونبعٌ لا ينضب من غذاء الرجاء والفرح في كلّ مرّة أكون فيها أميناً على الحبّ حتّى في وسط الألم والاستهزاء والرّذل أحياناً، في كلّ مرّة أسامح من أساء إليّ أو استغلّني، دافناً حقدي، متخلّياً عن انتقامي، صابراً إلى أن يتفجّر الربيع السماوي الذي ما بعده روعة ولا جمال.
فلنمشِ على خطى المسيح الذي (كإنسان) ذرف الدموع على ابن نائين الوحيد، تألّم لموت لعازر وابنة قائد المئة، وربّما آخرين، لكنّه وقف أمام الموت وجهاً لوجه كي ينتصر عليه ويكسر شوكته كي يبدّد خوف الإنسان من هذا العدوّ المظلم الشرس؛ ولنضع ثقتنا بالآب، المحبّة المطلقة، مؤمنين بمشيئته الخلاصيّة لكلٍ منّا، وبأنّه سيكافئنا على إيماننا في الحياة الأبديّة في مملكة السماء حيث الأهل والأحبّة يشاركونه، بصلواتهم وزادهم، في إعداد مكانٍ أبديّ لنا.
