الميلاد

بقلم الخوري سيمون جبرايل

عندما يتكلم اللاهوت المسيحيّ عن الميلاد فهو يقصد بذلك سرّ التجسّد أي سرّ ابن الله الذي صار إنسانًا. إنّه اتحاد الطبيعة الإلهية بالطبيعة الإنسانية في شخص يسوع المسيح كلمة الله المتجسّد، “ففيه يحل جميع كمال الألوهية حلولا جسديًّا” (قو 2: 9). الله اللامتناهي تنازل وأخلى ذاته متّخذًا صورة الإنسان”. فمع أنه في صورة الله لم يعد مساواته لله غنيمة، بل تجرد من ذاته متّخذًا صورة العبد، وصار على مثال البشر، وظهر في هيئة إنسان، فوضع نفسه وأطاع حتى الموت، موت الصليب” (فل 2: 6-8). فمع أنه في البدء كان غنيًّا، لأنه هو الله، وهو البداية والنهاية، صار بعد ذلك فقيرًا من أجلنا نحن خليقته وصُنع يديه، حين صار إنسانًا وشابهنا في كل شيء ما عدا الخطيئة. لقد أصبح الله الكلِّي القدرة، بفعل تجسّده، خاضعًا لضعف بشريتنا ومحدوديتها وخاضعًا لحدود التاريخ والزمن والناموس مع أنه إله التاريخ وسيِّد الكون.

ولكن تجسّد ابن الله لا يعني انحداره إلى الخطيئة، كما وأنه لا يعني عودة إلى التراب والموت. إنّه تجسُّد غايته خلاص الإنسان والبشرية من ظلمة الموت والخطيئة. إنّه تجسّد في سبيل تأليه البشرية وارتقائها إلى عالم الأزلية والخلود، بعد أن كانت قد طردت من الفردوس السماوي بسبب معصيتها وسقطتها وتمرّدها على مشيئة الله ووصاياه. يسوع المسيح، كلمة الله الأزلي، هو هذا الإله الإنسان الذي قاد البشرية، بتجسّده وموته وقيامته في عودتها إلى أحضان الله. مات المسيح من أجلنا بعدما أخذ على نفسه حقارتنا وفقرنا لكي يمنحنا كلّ غناه. وبسبب موته جعل المصالحة بين البشرية والله ممكنة.

يسوع المسيح ابن الله المتجسد هو التعبير الحقيقي والأصلي والكامل لمحبة الله لنا، تلك المحبة التي لا تبغي ولا تريد إلّا خير وأمان وسلام من تحب”.  هكذا أحب الله العالم حتى إنّه جاد بابنه الوحيد لتكون له الحياة الأبدية “(يو3: 16). إن الله كشف لنا في يسوع المسيح سرّ محبته، وقدّس كل ما هو بشري. فالخلاص الذي حققه بتجسده ليس خلاصًا روحيًّا للنفس البشرية فحسب إنّما هو خلاص الإنسان في كل كيانه الروحي والجسدي. في يسوع المسيح صار لنا الخلاص والفداء التام”. مريضة، كانت طبيعتنا تطلب الشفاء، وساقطة، أن تقال عثرتها، وميتة، أن تبعث حية. كنا فقدنا امتلاك الخير، فكان لا بد من إعادته إلينا. وكنا غارقين في الظلمات فكان لا بدّ من رفعنا إلى النور، وكنا أسرى ننتظر مخلصًا، وسجناء ننتظر عونًا، وعبيدًا ننتظر محررًا. هل كانت هذه الدواعي بدون أهمية ؟ ألم تكن تستحق أن تحرّك عطف الله إلى حد أن تنزله حتى طبيعتنا البشرية فيعودها، اذ إن البشرية كانت في حالة جدّ بائسة وجدّ تعسة؟” (غريغوريوس النيصي، خطاب 15 ، 3) .

Instagram
Copy link
URL has been copied successfully!
WhatsApp