عِظة للخوري سليم منّاع،

خادم كنيسة مار شربل – كرم سده، زغرتا.

الذِّكرى العاشرة لانطلاقة رسالة جماعة “أذكرني في ملكوتك”

باسم الآب والابن والرّوح القدس، الإله الواحد، آمين

إخوتي الأحبّاء،

اليوم، نَجتَمِعُ في الذِّكرى العاشِرَة لتأسيسِ جماعةِ “أُذكرني في ملكوتِكَ”. في هذه المناسَبة، أودُّ أن أتوَّقفَ عند تسميةِ هذه الجماعة. إنّ اسمَ هذه الجماعةِ مُقتَبسٌ من أعظمِ آيةٍ إنجيليّة، وهي آيةٌ خلاصيّةٌ بِامتياز. في كلِّ مرَّةٍ، يَتِمُّ استخِدامُ فِعل “ذَكار”، أي تَذَكَّر أو ذَكَر أو أُذكُر في الكِتاب المقدَّس، فَهو يُشير إلى حصولِ عَمليّةٍ خلاصيّةٍ. بِسَبب ضِيق الوقت، لن نتوَّقفَ عند َكلِّ مرَّةٍ ذُكِر فيها هذا الفِعلُ في الكِتاب المقدَّس، إنّما سَنَتوَقَّفُ فقط عند ثلاثِ محطَّاتٍ، هي:

أوّلاً: مع نوح: يَقولُ لنا الكِتابُ المقدَّس، العهدُ القديم: “ذَكر الله نوحًا”(تك 8: 1)، فكانت نَتيجةُ هذا التَّذَكُّرِ انحسارَ المياه وإرساءَ السَّفينةِ على البَرّ، وبالتَّالي إعلانَ بدايةِ حياةٍ جديدةٍ على الأرض.

ثانيًا: في الجلجلة: يُخبرُنا الكِتابُ المقدَّس، العهدُ الجديد، أنّ لِصَّ اليَمين قد اعترفَ باستحقاقِه الحصولَ على العِقابِ الّذي نالَه لأنّه مُجرمٌ وسارق. ولكنْ على الصّليب، اقتَنَع لِصُّ اليَمين بأنَّ يسوعَ المسيح هو الـمَلِكُ والمالِكُ الوحيدُ وهو صاحبُ الملكوت، لذا قال له: “أُذكرني يا ربُّ متى أتيتَ في ملكوتِكَ” (لو 23: 42)، فكانتِ النتيجةُ الآنِيَّةُ لِطَلَبِه: “أليَوم تَكونُ معي في الفِردَوس” (لو 23: 43). إذًا، من خلالِ هذا الجوابِ، نَجِدُ أنَّ الربَّ يسوع قد ألغى صكَّ خطايا هذا اللِّصِّ الّذي قام باقتِرافِها أثناءَ حياتِه الأرضيّة.

ثالثًا: في يومِ خميسِ الأسرار، حينَ رَسَمَ يسوعُ القدَّاسَ الإلهيّ الّذي نَحتَفِلُ به اليوم، قائلاً لتلامِيذِه: “إفعَلوا هذا لِذِكري” (لو 22: 19). وهنا نَسأل: بِحَسْبِ رأيِكم، ألَم يَكُنِ استخدامُ الربِّ يسوعَ هذا الفِعلَ يُشيرُ إلى العمليّةِ الخلاصيّةِ الّتي سَوف يُحقِّقُها على الصَّليب؟ هذا ما نؤمِنُ به! فَفي كُلِّ مَرَّةٍ، أَدخُل فيها إلى الكنيسةِ للاحتفالِ بالذَّبيحةِ الإلهيّةِ تَنفيذًا لِكَلامِ يسوع: “إفعلوا هذا لِذكري” (لو 22: 19) يتحقَّقُ الخلاصُ لِكُلِّ مَن دَخلَ إلى الكنيسة، إذا كانَ هذا الأخير مُقتَنِعًا، على مِثال لِصِّ اليَمين، بأنَّ الربَّ يسوع هو الـمَلِكُ والمالِكُ وصاحبُ الملكوت. للأسَف، في أيّامٍ كثيرة، نَدخُلُ إلى الكَنيسةِ، من باب العادة، للمُشاركَةِ في الذَّبيحةِ الإلهيّةِ، ولكنَّنا نَخرجُ منها كما دَخلنا إليها مِن دون حصولِ أيِّ تَغييرٍ فينا، وذلك لأنّنا دَخَلنا إليها حامِلين في داخِلنا كُلَّ مَشاريعِنا الخاصّة. وهذا ما نلاحظُه بِوُضوحٍ، حين نَخرجُ مِن الكَنيسَةِ: فعلى الرُّغم من مشاركتنا في التَّراتيلِ والصّلوات، لا نَتذكَّرُ أيًّا مِن القِراءاتِ الّـتي تُلِيَتْ على مسامِعِنا، الرِّسالةَ والإنجيلَ والعِظة، وكأنّنا لم نَسمَعْ شيئًا. ولكنْ إذا دَخَلْنا إلى الكَنيسَةِ قائلِينَ في ذواتِنا للربِّ: “أنتَ يا ربُّ الـمَلِكُ على قلوبِنا، والماِلكُ على حياتِنا”، فإنّنا سَوف نَنالُ الخلاصَ، لأنّ هذه هي رغبةُ الربّ. إنّ مسألةَ خَلاصِنا لَيسَتْ مسألةً تقومُ فقط على اعترافِنا بأنّ الربَّ هو الـمَلِكُ والمالِكُ على حياتِنا، إنّما تتطلَّبُ تغييرَ مسارِ حياتِنا، بالتّوافقِ مع هذا الإعلان، مسارٍ قائمٍ على التَّوبة. هكذا خلَّصَ اللهُ لِصَّ اليَمين وأيضًا نوحًا، وهو مُستَعدٌّ أيضًا لكي يُخلِّصِنا متى اقتَنَعْنا بأنَّه الـمَلِكُ والمالكُ على حياتِنا، متى أعلنَّا تَوبَتَنا إليه، وغَيَّرْنا مسيرةَ حياتِنا. في الكَثيرِ مِن الأحيان، قد نُعلنُ أنَّ الربَّ هو الإلهُ المالكُ على حياتِنا، دون أن يترافقَ هذا الإعلانُ مع أيِّ تغييرٍ في أخلاقِنا وعاداتِنا السَّيئة، ما يجعلُ الربَّ محتارًا في كيفيّةِ التَّصرُّفِ معنا.

إنّ لِصَّ اليَمين قد اعترفَ أمامَ الربِّ أنَّ صَلبَه مع رفيقِه هو جزاءُ أعمالِهِما السَّيِّئةِ الّتي اقتَرَفاها في حياتِهما، لذا طلَب إلى الربِّ قائلاً: “أذكرني يا ربُّ متى أتيتَ في ملكوتِكَ”(لو 23: 42). وهنا نَطرحُ السُّؤال: هل نَحنُ مُستَعدِّين فِعلاً للدّخول إلى الكنيسة، والإعترافِ بأنّنا خطأةٌ والإعلانِ عن توبَتِنا لله، وبالتّالي الاعترافِ باللهِ أنَّه الـمَلِكُ على حياتِنا ومالِكُها الوَحيد؟ صدِّقوني، إخوتي، إنّنا مَتى فَعلنا هذا، سَوف نَنالُ الخلاصَ مِنَ الربِّ؛ وهذا سيَجعلُنا قادِرين على مُواجَهَةِ كُلِّ مُشكلٍة تعترضُ حياتَنا؛ وإذا أدَّتْ بنا إحدى تلك المشاكلِ إلى الموتِ عندَ خروجِنا من بابِ الكنيسة، فإنّنا بالتّأكيدِ سوف نكونُ في السَّماء مع الربِّ يسوع. إنَّ مَسألةَ حُصولِنا على الخلاصِ بسيطةٌ جدًّا؛ ولكنْ للأسَف قلائلُ هُم الّذين يَستَسلِمونَ فِعلاً للربّ، فيتخلَّونَ عن خطاياهم ويَسعونَ إلى تَغييرِ سلوكيّاتِهم الحياتيّةِ، مقرِّرين عَيشَ المحبّةِ والتَّضحيّةِ والغفرانِ والمسامحةِ مع الآخرين وكلَّ تعاليمِ الربِّ يسوع. هذه هي مُشكلَتُنا نحن المسيحيِّين!

إذًا، إخوتي، إنَّ اتِّخاذَ هذه الجماعةِ اسمَ “أُذكرني في ملكوتِكَ”، يُشير إلى أنّ الأمواتَ الّذينَ تقومُ هذه الجماعةُ بالصّلاةِ لأجْلِهِم وتَدوينِ أسمائِهم في سجِّلاتِها، سيَتَمكَّنون مِنَ الاستفادةِ مِن اسمِ هذه الجماعة. ونحن الأحياءَ مدعوُّون أيضًا للاستفادةِ مِن اسم هذه الجماعة، ومِنَ الحصولِ على خلاصِ الربِّ، عندما نُردِّدُ هذه الآيةَ الإنجيليّةَ “أذكرني يا ربّ متى أتيتَ في ملكوتِكَ” (لو 23: 42)، في كلِّ لحظةٍ من حياتِنا: في أسوَإِ أيّامِنا كما في أفضِلها، وفي كلِّ عملٍ نقومُ به. إخوتي، هذا هو إيمانُنا! لذا فلنَثِقْ بأنّ الربَّ سيَمنَحُنا الخلاصَ متى أعلنَّا عن تَوبَتِنا إليه وغَيَّرْنا سلوكيَّاتِنا في هذه الحياة. أدعوكم، إخوتي، إلى القيامِ بهذا الاختبارِ البسيط: ألا وهو فَحصُ الضَّمير. إنّ عددًا من الحاضرين اليومَ قد انضمّوا إلى هذه الجماعةِ على مدى العَشرِ سنواتِ الماضية، وما زالوا مُستَمِّرين في التِزامِهِم إلى يَومِنا هذا. فإذا قُمنا بِفَحصِ ضَمائرِنا، ووَجدْنا أنَّ سُلوكيَّاتِنا قد تغيَّرَتْ نَتيجةَ التِزامِنا بهذه الجماعة، فإنَّه لا بُدَّ لنا من أن نَصرخَ قائلِين: هللويا! وبالتّالي إذا وَجدْنا أنّ أمورًا قد “نَحُفَت فينا” أي أنّ كلَّ ما هو سيئٌ فينا على المستوى الشَّخصيّ وعلى مستوى التَّعاملِ مع الآخرين وعلاقتِنا بهم، قد تضاءل واندثر، فهذا يعني أنّنا اتَّخذْنا القرارَ الصَّحيحَ نحو خلاصِ نفوسِنا. أمّا إذا لم نَجِدْ أنّ الأمورَ في داخِلِنا تَميلُ نحو الأفضل، أي نحو خلاصِنا، فهذا يعني أنّه علينا أن نَبادرَ إلى يسوعَ طالِبين منه في لحظةٍ مليئةٍ بالشَّفافيّة، أن يساعدَنا على الاعترافِ به مَلكًا وربًّا على حياتِنا، فنَتَمكَّنَ مِن تَغييرِ حياتِنا، لِنَتمكَّنَ من الدّخولِ إلى الفردَوس حتّى وإن لم نتمكَّنْ من سماعِ صوتِ الربِّ اليوم.

نَأملُ أن تكون الذّكرى اليومَ ذِكرى مجيدةً؛ كما نَأملُ أن يكونَ أمواتُنا مُرتاحِين فِعلاً في خلودِ الربِّ في السَّماء، وأن نَكونَ نحن الّذين لا نزالُ على هذه الأرضِ سائرين نحوَ السَّماءِ، بإرادةٍ صَلبةٍ. آمين.

ملاحظة: دُوِّنت المحاضرة مِن قِبَلِنا بأمانة.

Instagram
Copy link
URL has been copied successfully!
WhatsApp