بين الولادة والولادة
بقلم مارون البلعة، لجنة الكلمة، دير مار الياس- أنطلياس
عندما أطلب من الرب أن يذكرني في ملكوته عند مماتي، عليّ أن أذكره في دنياي على هذه الأرض. أي أن أتذكر ما قاله لي من خلال الإنجيل، وأتلمسه في أعمال الرسل وأحياه عضوًا في جسد الكنيسة.
عندما أطلب منه أن يعيلني ويرزقني خبزًا لأحيا، عليّ بالتّالي أن أساعد إخوتي الذين هم بحاجة إلى قوت يومي وغذاء جسدي. فما عسانا نتكلم عن القوت الروحي؟
عندما أطلب أن يشفيني فيزورني ليلمسني بطيفه أو بقديسيه، عليّ بدوري أن أزور مريضًا لألمسه بمحبتي وعنايتي حتى يبرأ من علّته.
عندما أطلب منه أن يأويني في غربتي الدنيوية، أرى لزامًا عليّ أن آوي غريبًا بنصحي واهتمامي فأؤمِّن له وبقدر استطاعتي المسكن والملاذ الآمن علّه بذلك يرتاح فأرتاح.
عندما أطلب من الله أن يعتقني من قيودي التي تأسرني وتسلبني حرية أبناء الله، عليّ أن أزور سجينًا لأعطيه حرية الأخوّة من خلف القضبان.
عندما أطلب أن أعيش في سلام الربّ، ولم أكن يومًا ناقلاً للسّلام الّذي تحمله أقدام المبشرين.
عندما أريد من الرب أن يوجد لي مسكنًا، ولم أكن له أبدًا بيتًا صغيرًا للقربان يقيم فيه هو وأبيه.
ساعدني أن ألعق جرح لعازر كصغار الكلاب الذين يرجون فتات الخبز عن موائد فرحك التي تطوف تخدم عليها أحباءك بحلل الأعياد.
ساعدني أن أرفع عيني كالعشّار لأنال مغفرتك وألمسك بإيمان النازفة لأبرأ وبجرأة الأبرص لأطهر.
كيف لي بالجلوس عن يمناك أو يسراك، ولم أشرب الكأس التي شربتها ولا حملت الصليب الذي حملته؟
اُدعني إلى عرس ملكوتك أيها الآب، فأترك كلّ اهتماماتي لأستحق الدخول.
أنت، وإن أعطيتني قسطي من الحرية أعود إليك ولو مهشّمًا مرغمًا لأرتمي بين ذراعيك اللتين تنتظرانني ونتعانق بِقُبَل لا غشّ فيها.
في زمن مجيئك يا “ابن البشر” آتيًا على سحاب السماء في كثير من القدرة والمجد، لا تدعني أنُح كثيرًا، بل اجمعني مع مختاريك عندما ترسل ملائكتك بالبوق العظيم.
ولا تستحِ بي يا أبتي متى استحيت من نفسي إذ ما اخطأت إلى السماء وإليك وما استحقَقْتُ بعد أن اُدعى لك ابنًا، بل عاملني برحمتك العظمى ولا تحاسبني أيها الدّيان العادل، وأَدِم لي أنا المخلّع جماعة “أذكرني في ملكوتك” لتحملني إليك وتشدّني من سقف كبريائي إلى قعر مغارة تواضعك، لأولد فيها من جديد وتعرف أزليّة ولادتي أبديّتها. آمين.
