حسن اختيار المرشد
بقلم الأب ريمون الهاشم
يقوم تخطّي الذات على الدخول في خطّ الإرشاد والمتابعة. وبما أنّنا لا نشبه المسيح بقدرتنا على تخطّي ذاتنا بمفردنا، فعلينا إذاً أن نُحسن اختيار المرشد المناسب الذي سيساعدنا في ذلك. إن متابعة الذات بمرافقة المرشد تساعد على اكتساب المستلزمات الأساسية من أجل أن يصير المسترشد بدوره هو أيضاً مرافق ومرشد جيّد للآخرين. فالإنسان لا يصبح مرشداً إلاّ إذا تابعه أحد المرشدين المحترفين وأعانه على تخطّي ضعفه البشري.
عندما يدخل المرشد بوحدة تامة مع الروح القدس ويصبح شخصاً مطواعاً لإلهاماته، عليه الانصياع لتوجيهات إلهيّة مجرّدة من أي تعاطف بشري قد يعيق عمل الروح فيه. لا يستطيع المرشد بهذه الحالة التفرّد في اختيار الأشخاص الذين يأتون إليه طالبين منه أن يتابعهم ويرافقهم في حياتهم الروحيّة. يختار المرشد عندئذٍ الأشخاص الذين دعاهم الروح للقدوم إليه. فالمدعو هو الإنسان الـمُعد لتخطي بشرّيته وللتخلّص من نقصه باستسلامه وطاعته الكليّة لتوجيهات الروح. فالذي يبحث عن المرشد الصحيح عليه أن يكون صادقاً في استعداده للتجاوب مع متطلّبات المرشد وإرشاداته.
هناك أمور عدة ظاهرة تساعدنا على حسن الاختيار.
أوّلاً : الكلمات التي يتفوّه بها المرشد أمام الآخرين وأثناء الوعظ والمحاضرات والأحاديث. لا يرد الوعظ على حاجات الآخرين إذا ما كان خالياً من إلهامات الروح. ويكتشف السامع قوة الكلمة الممتلئة من الروح من خلال عظمة التغيير الذي يحدث في داخله أثناء إلقاء العظة. فالمعلومات التاريخية والعلوم الإنسانية هي جيّدة بحد ذاتها، ولكنها تبقى ناقصة إذا لم تُستعمل كوسيلة لنقل كلام الروح المجدّد الوحيد. فالمعلومات والتحليلات والأحاديث المكوّنة والمبنيّة بشكل حسن قد تُذهل السامع وتجدّد معلوماته وتغيرّ مواقفه المتحجّرة من بعض الأمور، ولكنها لا تساعده، إذا ما كانت محض علمية، على تغييرٍ داخلي يعينه على الإصغاء لكلمة الله.
ثانياً : وإذا باستنادنا إلى كلمات الشخص بقينا في حالة تردّد تجاه اختيارنا له كمرشد لنا، نستطيع الاعتماد على شهادته الحياتيّة والنظر في مسلكه وتصرّفاته ومبادراته التي ينبغي أن تُظهره لنا شخصاً محباً ومقتنعاً بحياته المسيحية. فالشخص المسيحي المحب هو ليس شخصاً منغلقاً أو متشبثاً تقوم حياته على رفض الآخرين والعمل على تطبيعهم بحسب ما يناسب مبادئه ومعتقداته ونقصه.
ثالثاً : إذا بقينا على تردّدنا منه علينا متابعة إرشاداته في تأثيرها على الذين يسترشدون عنده، وطرح بعض الأسئلة. هل هم متعلّقون بتوجيهاته أم بشخصه؟ ما كانت تأثيرات الإرشادات عليهم؟ هل كانت المحبة والخروج من الأحقاد أم الثورة على الآخرين وعدم اعتبار وجودهم وآرائهم؟ أتؤدّي التوجيهات دائماً إلى الشعور بالذنب أم إلى ارتياح يشعر المسترشد من خلاله بأهمّية التعاون مع الروح في تخطّي ضعفه؟ أيؤدي الإرشاد إلى الصلاة وممارسة الأسرار بطريقة مبنيّة على الشرائع وأحكامها أم على القناعة والفرح وحب المتابعة في الصلاة وممارسة الأسرار من دون ملل؟ أيؤدّي الإرشاد إلى الشعور بالانتماء إلى الكنيسة، جسد السيح السرّي، أم إلى النفور؟
