تفسير الكتاب المقدّس،

الأب ابراهيم سعد،

“سِفر أعمال الرّسل – الإصحاح السّابع” 

النصّ الإنجيليّ:

“فقال رئيسُ الكهنة: أَتُرى هذه الأُمور هَكَذا هي؟ فقالَ: أيّها الرِّجالُ الإخوةُ والآباءُ، اسْمَعوا! ظَهَر إِلَهُ المَجدِ لأبينا إبراهيمَ وَهُوَ في ما بَين النَّهرَينِ، قَبلَما سَكَنَ في حارانَ، وقال له: اخْرُج مِن أرضِكَ ومِن عَشيرَتِكَ، وهَلُّمَ إلى الأرضِ الّتي أُريكَ. فَخَرَجَ حِينَئِذٍ مِن أرضِ الكَلْدَانِيِّينَ وسَكَنَ في حارانَ. ومِن هُناكَ نَقَلَهُ، بَعدَ ما ماتَ أَبوهُ، إلى هذه الأرضِ الّتي أَنتُم الآنَ ساكِنُونَ فِيها. وَلَـمْ يُعطِهِ فيها مِيراثًا ولا وَطأةَ قَدَمٍ، ولَكِنْ وَعَدَ أَنْ يُعطيَها مُلكًا لَهُ وَلِنَسلِهِ مِنْ بَعدِه، ولَم يَكُنْ لَهُ بَعدُ وَلَدٌ. وَتَكَلَّمَ اللهُ هَكذا: أَنْ يَكونَ نَسلُهُ مُتَغَرِّبًا في أرضٍ غَريبَةٍ، فَيَستَعبِدُوهُ وَيُسيئُوا إليهِ أَرْبَعَ مِئَةِ سَنَةٍ، والأُمَّةُ الّتي يُستَعبَدُونَ لها سَأَدِينُها أنا، يَقُولُ الله. وبَعدَ ذَلِكَ يَخرُجونَ ويَعبُدُونَني في هذا المكان. وأَعطاهُ عَهدَ الـخِتانِ، وهَكَذَا وَلَدَ إسحاقَ وخَتَنَهُ في اليومِ الثَّامِنِ. وإسحاقُ وَلَدَ يَعقوبَ، ويَعقوبَ وَلَدَ رُؤساءَ الآباءِ الاثنَي عَشَرَ. وَرُؤساءُ الآباءِ حَسَدُوا يُوسُفَ وباعُوهُ إلى مِصْرَ، وكان اللهُ مَعَه، وأَنقَذَهُ مِن جَميعِ ضِيقاتِهِ، وأَعطاهُ نِعمَةً وحِكمَةً أمامَ فِرعَونَ مَلِكِ مِصْرَ، فَأقامَهُ مُدَبّرًا على مِصْرَ وعلى كُلِّ بَيتِهِ”. ثمّ أتى جُوعٌ على كُلِّ أرضِ مِصْرَ وكَنعانَ، وضِيقٌ عَظيمٌ، فَكانَ آباؤنا لا يَجِدُونَ قُوتًا. 

وَلَمّا سَمِعَ يَعقوبُ أنَّ في مِصْرَ قَمحًا، أَرسَلَ آباءَنا أَوَّلَ مَرَّةٍ. وفي الـمَرَّةِ الثّانيةِ، استَعرَفَ يُوسُفُ إلى إخوَتِه، واستَعْلَنَتْ عَشيرَةُ يُوسُفَ لِفِرعَونَ. فأَرسَلَ يُوسُفُ واسْتَدعى أباهُ يَعقوبَ وَجَميعَ عَشيرتِهِ، خَمسَةً وسَبعِينَ نَفسًا. فَنَزَل يَعقوبُ إلى مِصرَ وماتَ هُوَ وَآباؤنا، ونُقِلُوا إلى شَكيمَ ووُضِعُوا في القَبرِ الّذي اشْتَراهُ إبراهيمُ بِثَمَنٍ فِضَّةٍ مِن بَني حَمُورَ أَبي شَكيمَ. وكَما كانَ يَقرُبُ وَقتُ الـمَوعِدِ الّذي أَقسَمَ اللهُ عليهِ لإبراهيمَ، كانَ يَنمُو الشَّعبُ ويَكْثُرُ في مِصْرَ، إلى أنْ قامَ مَلِكٌ آخَرُ لَمْ يَكُن يَعرِفُ يُوسُفَ. فاحتالَ هذا على جِنْسِنا وأساءَ إلى آبائِنا، حتّى جَعَلُوا أَطفالَهُم مَنبُوذِينَ لِكَي لا يَعيشُوا. وفي ذلك الوَقتِ، وُلِدَ مُوسى وكانَ جَميلاً جدًّا، فَرُبِّيَ هذا ثلاثةَ أَشهُرٍ في بَيتِ أبيهِ. ولَمّا نُبِذَ، اتَّخَذَتْهُ ابنَةُ فِرعَونَ وَرَبَّتْهُ لِنَفسِها ابْنًا. فَتَهَذَّبَ مُوسَى بِكُلِّ حِكمَةِ الـمَصرِيِّينَ، وكانَ مُقتَدِرًا في الأقوالِ والأعمالِ. 

ولَمّا كَمِلَتْ لَهُ مُدَّةُ أربَعينَ سَنَةً، خَطَرَ على بالِهِ أَنْ يَفتَقِدَ إخوَتَهُ بَني إسرائيلَ. وإذْ رأى واحِدًا مَظلُومًا حامى عنه، وأَنصَفَ الـمَغلُوبَ، إذ قَتَلَ الـمِصريَّ. فَظَنَّ أنَّ إخوَتَهُ يَفهَمُونَ أنَّ اللهَ على يدِهِ يُعطيهِم نَجاةً، وأَمّا هُمْ فَلَمْ يَفهَمُوا. وفي اليَومِ الثّاني، ظَهَرَ لَهُم وَهُم يَتَخاصَمُونَ، فَسَاقَهُم إلى السّلامَةِ قائلاً: أَيُّها الرِّجالُ، أَنتُم إخوَةٌ. لِماذا تَظلِمُونَ بَعضُكم بَعضًا؟ فالّذي كان يَظلِمُ قَريبَهُ دَفَعَهُ قائلاً: مَن أقامَكَ رَئيسًا وقاضِيًا عَلينا؟ أَتُريدُ أَنْ تَقتُلَني كَما قَتَلْتَ أَمْسِ الـمِصريَّ؟ فَهَرَبَ مُوسى بِسَبَبِ هذه الكَلِمةِ، وصار غَريبًا في أرضِ مَدْيانَ، حيثُ وَلَدَ ابْنَينِ. 

وَلَمّا كَمِلَتْ أَربَعُونَ سَنَةً، ظَهَرَ لَهُ ملاكُ الربِّ في بَريَّةِ جَبَلِ سِيناءَ في لَهيبِ نارِ عُلَّيْقَةٍ. فلَمّا رأى مُوسى ذلك، تَعَجَّبَ مِنَ الـمَنظَرِ. وَفِيما هُوَ يَتَقَدَّمُ ليَتَطَلَّعَ، صارَ إليهِ صَوتُ الربِّ: أنا إلهُ آبائكَ، إلهُ إبراهيمَ وإلهُ إسحاقَ وإلَهُ يَعقوب. فارْتَعَدَ مُوسى وَلَمْ يَجْسُرْ أنْ يَتَطَلَّعَ. فقالَ لهُ الربُّ: اخْلَعْ نَعلَ رِجلَيْكَ، لأنَّ الـمَوْضِعَ الّذي أنتَ واقِفٌ عَليهِ أرضٌ مُقدَّسَةٌ. إنِّي لَقَد رأيْتُ مَشَقَّةَ شَعبِي الّذينَ في مِصْرَ، وسَمِعْتُ أَنينَهُم ونَزَلْتُ لأُنقِذَهُم. فَهَلُّمَ الآنَ أُرسِلُكَ إلى مِصْرَ. هذا مُوسى الّذي أَنكَرُوهُ قائِلينَ: مَن أقامَكَ رَئيسًا وقاضِيًا؟ هذا أَرسَلَهُ اللهُ رئيسًا وفادِيًا بِيَدِ الـمَلاكِ الّذي ظَهَرَ لَهُ في العُلَّيقَةِ. هذا أخرَجَهُم صانعًا عَجائِبَ وآياتٍ في أرضِ مِصرْ، وفي البَحرِ الأَحْمَرِ، وفي البَريَّةِ أربَعِينَ سَنَةً. هذا هو مُوسى الّذي قال لِبَني إسرائِيلَ: نَبِيًّا مِثلِي سيُقيمُ لَكم الربُّ إلَهُكُم مِن إخوَتِكم. لَهُ تَسمَعُونَ. هذا هو الّذي كانَ في الكَنيسَةِ في البَرِّيَّةِ، مَعَ الملاكِ الّذي كان يُكلِّمُهُ في جبَلِ سيناءَ، ومَعَ آبائِنا. الّذي قَبِلَ أَقوالاً حَيَّةً ليُعطِيَنا إيّاها. الّذي لَم يَشَأ آباؤنا أنْ يَكُونوا طائِعينَ لهُ، بَلْ دَفَعُوهُ ورَجَعوا بِقُلوبِهم إلى مِصرَ، قائِلينَ لِهَارُونَ: اعْمَلْ لَنا آلِهَةً تَتَقَدَّمُ أمامَنا، لأنَّ هذا مُوسى الّذي أَخرَجَنا مِن أرضِ مِصْرَ لا نعلَمُ ماذا أصابَهُ! فَعَمِلُوا عِجلاً في تِلكَ الأيّامِ وَأَصعَدُوا ذبيحَةً لِلصَّنمِ، وفَرِحوا بِأعمالِ أيْدِيهِم. فَرَجَعَ اللهُ وَأَسْلَمَهُم لِيَعبُدوا جُندَ السَّماءِ، كَما هُوَ مَكتُوبٌ في كِتابِ الأنبِياءِ: هَلْ قَرَّبْتُم لي ذبائِحَ وقرابينَ أَربَعينَ سَنةً في البَريَّةِ، يا بَيتَ إِسرائيلَ؟ بَلْ حَمَلْتُم خَيمَة مُولُوكَ، ونَجْمَ إلَهِكم رَمفانَ، التَّماثيلَ الّتي صَنَعتُموها لِتَسجِدُوا لَها. فَأنْقُلُكُم إلى ما وراءَ بابِلَ. 

وأَمّا خيمةُ الشَّهادَةِ، فكانَتْ مَعَ آبائِنا في البَرِّيَّةِ، كَما أَمَرَ الّذي كَلَّمَ مُوسى أَنْ يَعْمَلَها على الـمِثالِ الّذي كان قَدْ رآهُ، الّتي أَدخَلَها أيضًا آباؤنا إذْ تَخَلَّفوا عَلَيْها مَعَ يَشُوعَ في مُلكِ الأُمَمِ الّذينَ طَرَدَهُم اللهُ مِن وَجهِ آبائِنا، إلى أيّامِ دَاوُدَ، الّذي وَجَدَ نِعمَةً أمامَ اللهِ، والْتَمَسَ أَنْ يَجِدَ مِسْكِنًا لإلَهِ يَعقوبَ. وَلَكِنَّ سُلَيمانَ بَنى لَهُ بيتًا. لَكِنَّ العَلِيَّ لا يَسْكُنُ في هياكِلَ مَصنُوعاتِ الأيادِي، كَما يَقُولُ النبيُّ: السَّماءَ كُرسيٌّ لي، والأرضُ مَوطِئٌ لِقَدَميَّ. أَيُّ بَيتٍ تَبْنُونَ لي؟ يَقُولُ الربُّ، وَأَيٌّ هُوَ مَكانُ راحَتي؟ ألَيْسَتْ يَدِي صَنَعَتْ هذه الأَشياءَ كُلَّها؟ يا قُساةَ الرِّقابِ، وغَيرَ الـمَختُونِينَ بالقُلوبِ والآذانِ! أَنتُم دائمًا تُقاوِمُونَ الرُّوحَ القُدُسَ.كَما كانَ آباؤُكُم، كَذَلِكَ أنتم! أيُّ الأنبياءِ لَمْ يَضطَهِدْهُ آباؤكُم؟ وقَد قَتَلُوا الّذينَ سَبَقُوا فَأَنبأُوا بِمَجِيءِ البارِّ، الّذي أنتُم الآنَ صِرْتُم مُسَلِّميهِ وقاتِلِيهِ، الّذينَ أَخَذْتُمُ النَّاموسَ بِتَرتيبِ ملائكَةٍ ولَمْ تَحفَظُوه. فَلَمّا سَمِعُوا هذا حَنِقُوا بِقُلوبِهِم وَصَرُّوا بأسْنانِهم عَليهِ. وأمَّا هُوَ فَشَخَصَ إلى السَّماءِ وَهُوَ مُمتَلِئٌ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ، فَرأى مَجْدَ اللهِ، ويَسوعَ قائمًا عَنْ يَمينِ اللهِ. فقالَ: ها أنا أنْظُرُ السَّماواتِ مَفتُوحَةً، وابْنُ الإنسانِ قائمًا عَنْ يَمينِ اللهِ. فَصَاحوا بِصَوتٍ عَظيمٍ وَسَدُّوا آذانَهُم، وَهَجَمُوا عَليهِ بِنَفسٍ واحدَةٍ، وَأَخرَجُوهُ خارِجَ الـمَدينَةِ ورَجَمُوهُ. والشُّهودُ خَلَعُوا ثِيابَهُم عِنْدَ رِجلَيْ شابٍّ يُقالُ لَهُ شاوُلُ. فكانوا يَرجُمونَ اسْتِفانُوسَ، وَهُوَ يَدعُو ويَقولُ: أيُّها الربُّ يَسُوعُ اقْبَلْ رُوحِي. ثمَّ جَثا على رُكبَتَيهِ، وصَرَخَ بِصَوتٍ عَظيمٍ: “يا رَبُّ، لا تُقِمْ لَهُم هذه الخطيئةَ”. وإذ قالَ هذا رَقَدَ.”

شرح النّص الإنجيليّ:

إنَّ هذا الإصحاح هو عبارة عن “قدَّاسٍ إلهيّ”، يحتفل به الرَّسول استفانوس إذ يُعلِن من خلاله على مسامِع الشَّعب مُلَخِّصًا، عن عَمَلِ الله الخلاصيّ للبَشر، ويُقدِّم فيه ذاته ذبيحةً لله، باستشهاده. وهذا ما نقوم به نحن في كلّ ذبيحة إلهيّة، إذ نتذكَّر في القسم الأوّل من القدّاس كلَّ عَمَلِ الله الخلاصيّ، من آدم إلى يوم صعود الربّ يسوع إلى السّماء، ثمّ نطلب من الله في القسم الثّاني أن يقبل قرابينَنا الّتي نقدِّمها له، طالِبِين منه أنْ يُحوِّلها إلى جسد ابنه ودَمه، بواسطة الرُّوح القدس. 

لا يمكن لجماعةٍ معيّنة، أنْ تتوجَّه بالصّلاة إلى الله، قبل تحديد هويّة هذا الإله الّذي تعبده، إذ قد تكون صورةُ الله في فِكرِ أحد أفراد هذه الجماعة مُغايرةً لصورة الله الحقيقيّة الّتي تعبُدُهُا الجماعة كلُّها. لا يملك البشر نظرةً مُوَحَّدة لله: فَهُناك مَن ينظر إليه على أنّه ديّانٌ وقاضٍ، وهناك مَن ينظر إليه على أنّه مُحقِّق الأماني والرَّغبات، ولكنّ المؤمِن يُعلِن أنّ إلهَه الّذي يَعبُدُه، هو الله الآب والابن والرُّوح القدس، وأنّ لا إله سواه، على الرُّغم من إيمان الآخَرين بآلهةٍ أخرى. 

إنّ كلَّ مجتمعٍ دينيّ يُقدِّم للمُنتَمِين إليه، صورةً عن الله، مُغايرةً لصورة الإله الّذي تَعبُده بقيّة المجتمعات، وكلّ مجتمعٍ يزعَم أنَّه يؤمِن بالله الواحد. إنّ هذا الاعتقادَ خاطئٌ تمامًا لأنّه لو كان الله نفسه، عند جميع المجتمعات، لكان تاريخُ الله مع شعبه موَحَّدًا عند جميع البشر، ولكانت البشريّة احتفلت بِعِيدِ هذا الإله في الوقت نفسه، ولكنّ ذلك لا ينسجم مع الواقع المعيوش. للأسف، 

إنّ المجتمعات المسيحيّة تسعى إلى ملاطفة بقيّة المجتمعات الدِّينيّة، عِوَض أن تُجاهِر بإيمانِها بالربّ يسوع، مُعلِنةً لهم عن عَمَلِه الخلاصيّ لأجلِهم، وذلك تَفاديًا للاضطهادات الّتي قد تتعرَّض إليها. 

إنَّ الله لم يُعرِّف عن ذاته للشَّعب من خلال إعطائهم اسمَه، بل من خلال عَرضِ قصَّته مع البشر على مَرِّ العصور: 

ففي العهد القديم، عرَّف الربّ عن ذاته بأنّه إله ابراهيم واسحَق ويعقوب، وأنّه الإله الّذي خلَّص الشَّعب من العبوديّة في مِصر، وهو نفسه الّذي تجسَّد في العهد الجديد، وخلَّص البشريّة جمعاء بموته على الصّليب، وقيامته. 

في هذا الإصحاح، جاهَر الرَّسول استِفانوس بإيمانه بالربّ يسوع أمام الشَّعب اليهوديّ، فخاف رؤساؤهم من اتِّباع البعض منهم لتعاليم هذا الرَّسول، إذ إنَّ في ذلك زعزعةً لعروشهم الأرضيّة، لذلك قرَّروا قَتلَه رَجمًا. تمامًا كما حدَث مع الربّ يسوع، الّذي أخافَت تعاليمه عن الله، رؤساء اليهود، ففضَّلوا قتلَه على زعزعةِ عروشهم وسماعِهم للحقيقة.

هناك فرقٌ بين التَّأريخ والـتّاريخ: فالتَّأريخ هو تدوين حَدَثٍ معيَّن معلومِ الزَّمنِ، أي اليوم والشهر والسَّنة الّتي حَدَث فيها؛ أمّا التاريخ فهو رَبط عدَّة أحداث متفرِّقة بعضها بِبَعض، لإيصال رسالةٍ معيّنة إلى السَّامِعين. 

وإليكم مِثالٌ توضيحيٌّ للفرق بين هاتين العِبارَتين: التَّأريخ يقوم على سبيل المِثال على تدوين يوم ولادة هذا الإنسان العظيم ونَشْأته في طفولته وسواه من الأمور الخاصّة به، غير أنّ ذلك لا فائدة منه إلّا لـمُعاصِريه. ولكن التّاريخ يقوم على ذِكر أهمّ أعمال هذا الرَّجل ورَبطِها بعضها بِبَعض، لما فيها من إفادة للبشريّة بأسرِها كَتَدوين سلسلة الاختبارات الّتي قام بها هذا الرَّجل العظيم، والّتي قادَته إلى اكتشاف دواءٍ معيّن، أو اختراعه لآلةٍ معيَّنة تُسهِّل حياة الآخَرين. 

لم يكن هَدفُ الإنجيليِّين الأربعة تأريخ حياة يسوع، إنّما إيصال تاريخه الخلاصي للبشريّة جمعاء من خلال رَبط الأحداث التّي قام بها بعضها بِبَعض، من أجل إيصال البشارة السّارة للمسكونة بأسْرِها. لذا لا نَجِدُ في كلّ العهد الجديد، أيَّ تفصيلٍ عن حياة يسوع ما قَبل السَّنوات الاثنتي عشرة، لأنّ لا فائدةَ خلاصيّة لنا مِن ذلك، ولكنّ الإنجيليِّين يَذكُرون لنا كلّ حَدثٍ خلاصيّ قام به يسوع، كشفاء المرضى، وتعاليمه الّتي كَرز بها أمام الشَّعب اليهوديّ، ويقومون بربطِها بعضها بِبَعض، من أجل إيصال البشارة بشكلٍ أفضل. 

إنَّ التَّأريخ هو جزءٌ من التّاريخ. وهنا يُطرَح السؤال: ما الفرق بين فترة ما قبل التَّأريخ، وما بَعدَه؟ في فترة ما قَبل الـتَّأريخ، أي منذ بدء الخليقة إلى يوم تأريخ الإنسان للأحداث، كان الإنسان يتناقل الأحداث الخلاصيّة شَفهيًّا من جيلٍ إلى جيل؛ ولكن مع بداية التّأريخ، أي مع بداية مرحلةِ تدوينِ الإنسان للأحداث، فإنَّ تناقُلَ الأحداث الخلاصيّة عبر العُصور أصبح يتمّ بواسطة الكتابة. 

إنّ الإنسان يستطيع تدوين كلّ حَدَثٍ موجودٍ في ذاكِرَته، وبالتّالي إنْ لم يَكُن هناك مِن أحداثٍ موجودة في الذّاكرة الإنسانيّة، فإنّه مِن المستحيل أن يستطيع الإنسان تدوين أيِّ حدثٍ ونَقلَه للأجيال القادِمة. إذًا، تقوم الذّاكِرة الإنسانيّة على ذِكْرِ الإنسان لِحَدثٍ مُعيَّنٍ اختبره، إمّا شَفَهيًّا وإمّا كِتابيًّا. 

إنّ حصول حَدَثٍ معيَّن، يتطلّب وجود جماعة لا شخصٍ واحد، وبالتّالي حين يتمّ تدوين هذا الحَدَث أو ذاك، فإنَّ ذلك يتمّ من أجل ترسيخ هذا الحَدَث لا في ذاكِرَة المؤرِّخ وَحَسْب، إنّما في ذاكِرة المجتمع بأسرِه، للأجيال القادِمة. إذًا، إنَّ كلَّ مُجتَمَعٍ يُدوِّن الأحداث الّتي يعيشها، ليُرسِّخ ماضيه، في ذاكِرَته، أي تاريخه؛ وبالتّالي فإنَّ كلّ مَن يريد الانتماء إلى مجتَمعٍ معيَّن، عليه الإعلان عن قبولِه بتاريخ هذا المجتمع، والاعتراف بأنَّ تاريخ هذا المجتمع هو جزءٌ من تاريخِ هذا الإنسان. 

فمثلاً، في عيد الاستقلال، يحتفل الإنسان بِعيدِ بَلَدِه، مُعلِنًا للأجيال الجديدة، قصَّة استقلال البَلَد الّذي ينتمي إليه، وكأنّه كانَ حيًّا في ذلك الحين. يُعلِن الإنسان انتماءَه لهذا البَلَد أو ذاك، مُستَخدمًا صِيغة الجمع. إنَّ المؤمِن بالربّ يسوع، يُعلِن في الذبيحة الإلهيّة، عن انتمائه، إلى شَعب الله، مُتذَكِّرًا قصّة الله مع هذا الشَّعب على مَرِّ العصور. وهذا ما يُسمّى باللِّيتورجيّا.

إنَّ كلمة “ليتورجيّا”، هي كلمة يونانيّة الأصل، تتألَّف مِن كَلِمَتين، هما “لِيتُوس” وتعني الشَّعب، و”إرْغُون” وتعني عَمَلُ، وبالتّالي فإنَّ كلمة “ليتورجيّا”، تعني عَمَلُ الشَّعب. 

إذًا، تقوم اللّيتورجيا على ممارسة شعبٍ معيَّنٍ عاداتٍ وتقاليدَ وأعرافٍ خاصّة به، متجانسة مع تاريخه. وبالتّالي، فإنّ الإنسان الّذي يرغب بالانضمام إلى مجتَمعٍ معيَّن، عليه أن يمارس عادات ذاك المجتمع وتقاليده. ومِثالٌ على ذلك، هو المرأة المتزوِّجة، إذ تُعلِن عن انتمائها إلى مجتمع زوجِها، من خلال ممارسَتها لعادات ذلك المجتمع الجديد، ومن خلال مشاركَتها في حفلاته وأعيادِه، إذ أصبحت فَردًا من هذا المجتمع على الرُّغم من انتسابِها الحديث إليه. من خلال مجاهَرَته بإيمانه، يُعلِن الإنسان للآخَرين عن تاريخ الله في مسيرة الشَّعب الّذي ينتمي إليه. 

ولذا حين يُعلِن المؤمِن دُستور إيمانه بالربّ في الذبيحة الإلهيّة، يُصبح رسميًّا رسولاً للمسيح، على مِثال الرُّسل الاثني عشر، وبالتّالي يُصبح مسؤولاً عن نَقلِ البشارة الإنجيليّة للآخَرين المحيطين به. إنَّ الذبيحة الإلهيّة، لا تجعل من المشارِكين فيها قدِّيسين على الرُّغم من خطاياهم، بل هي تُعبِّر عن قبول المؤمِن بالله الّذي يؤمِن به هذا الشَّعب، إلهًا ومخلِّصًا له، وبالتّالي يُعلِن المؤمِن في الذبيحة الإلهيّة أنَّ تاريخ هذا الشَّعب هو جزءٌ من تاريخه الخاصّ. 

ولذا لا يستطيع المؤمِن بعد ذلك، أن يكون مُحايدًا أمام حَدَثِ خلاص الربّ له، إذ يتوجَّب عليه اتِّخاذ القرار ما بين أن يكون صالبًا للربّ، كما كان رؤساء اليهود؛ أو هاربًا مِن المشاركة في هذا الحدث، كما فَعل الرّسل؛ أو مُتابعًا له، كما كانت مريم ويوحنّا الرَّسول عند أقدام الصّليب. إنَّ كلّ الأسرار الكنسيّة تتضمّن مجموعة من الصّلوات الّتي على المؤمِن المشاركة بها، قَبْلَ حصوله على الأسرار؛ فَسِرُّ المعموديّة على سبيل المِثال لا يقتصر على رشِّ المياه على المعمَّد، بل هناك مجموعةُ صلواتٍ يشارك فيها الحاضِرون، يُعلِنون فيها انتماءهم إلى شعب الله، من خلال استذكار كلّ تاريخ الله مع شعبه على مَرِّ العصور، قَبْلَ دخولِ المعمَّدِ إلى تاريخ هذا الشَّعب بسرّ المعموديّة.

إنَّ الربّ يسوع يدعونا لِتَكون صلاتنا فاعلة في حياتنا، لذا علَّمنا صلاة الأبانا، ودعانا إلى تلاوتها كلّما أردنا التّواصل مع الله الآب، فالصّلاة بالنسبة إلى الله هي علاقة، لا تمتمة كلماتٍ. إنَّ كلمة الله تَحصرُ الإنسان لا الله: إنَّ الله ليس محصورًا في مجموعة شرائعَ دينيّة كالوصايا دون أن يتمكَّن مِن تغيير أيّ حَرفٍ فيها. 

إنَّ الله قادِرٌ بكلمته المحيية تغيير الأنظمة والشرائع لِـمَا فيه خلاصُ البشر. إنَّ الإنسان لا يستطيع إدراك الله وتكوين فكرةٍ ثابتة وواضحة عنه، فالله يُقدِّم ذاته في كلّ يوم للإنسان، بطريقة جديدة، من خلال اختباراتٍ جديدة في كلّ يوم. إنَّ الكتاب المقدَّس هو أكبر دليلٍ على ذلك، فالشَّعب لم يستطِع إدراك فِكر الله وتحديده، فاللّه الّذي وَعَدَ شعبه السّاكن في أورشليم، بحماية تلك المدينة، تراجع عن وَعدِه هذا، حين رأى ابتعاد الشَّعب عنه والإصغاء له، فَسَمَحَ لأُمَّةٍ غريبة بالسَّيطرة على أورشليم وسَبي شَعبها؛ وحين كان الشَّعب قد فَقَد الأمل بالعودة إلى أورشليم بعد السّبي إلى بابل، أعادهم الربُّ إلى أورشليم. 

على الإنسان أن يقترب من الله بذهنيّة الخاطئ الّذي يرجو من الربّ أن يغفر له خطاياه، لا بذهنيّة الإنسان المتأكِّد من حصولِه على غفران الله اليوم كما حصل معه في الأمس، فَعَقلُ الإنسانِ عاجزٌ عن إدراكِ فِكر الله. على الإنسان أن يتقدَّم من الربّ بتواضعٍ وانسحاقِ قلبٍ طالبًا الرَّحمة من الربّ، لا التقَدُّم منه مطمئِّنَ القلب إلى رحمة الله وغفرانه المؤكَّد له، لأنّ صلاة المؤمِن لله عندها ستكون مجرَّد تمتمة كلمات، ولا تُعبِّر عن علاقة حقيقيّة مع الربّ. 

حين يتقدَّم الإنسان من الله وملؤه الثِّقة بأنّ الله سيغفر له خطاياه، يكون في هذه الحالة قد أدرَك الله وألغى وجوده من حياته. على المؤمِن الحضور إلى الكنيسة للمشاركة في الذبيحة الإلهيّة بذهنيّة الخاطئ الّذي يترجَّى الحصول على المغفرة من الربّ، لا بذهنيّة الـمُبَرَّر، والمؤمِن بالله.

إنَّ هيكليّة الذبيحة الإلهيّة مَبنيّة على حصول الإنسان، الحاضر في هذه الذبيحة، على عطيّةٍ من الله لا يستحِّقها، ألا وهي “الخلاص”. وبالتّالي، إنْ حَضَر الإنسان بذهنيّة أنَّه مؤمِنٌ بالربّ وأنّه نال الخلاص، لا يعود لحضوره الذبيحة الإلهيّة من فائدة، لأنّه يكون قد أصبحَ، بنَظَرِ ذاتِه، مستحِقًّا لخلاص الربّ. 

أمّا إنْ حَضَر المؤمِن إلى الذبيحة الإلهيّة، بذهنيّة أنّه خاطِئٌ، فإنَّه عندها سَيَنالُ الإنسان غُفران الله، ويُدرِك أنّه غير مستحقٍّ للنِّعمة الّتي مَنَحه إيّاها الربّ، ألا وهي الخلاص. إنَّ القدَّاس هو سرّ الافخارستّيا، أي “سِرُّ الشُّكر”، فالمؤمِن يدخل إلى الكنيسة وَثنيًّا بسبب اقترافه للخطايا، ويخرج منها مؤمِنًا، فيُدرِك عظمةَ نِعمةِ الربّ له، الّتي نالها مِن دون استحقاقٍ منه، ويبادِرُ إلى شُكرِ الربِّ عليها. 

إنَّ المؤمِن الّذي يدخل إلى الكنيسة انطلاقًا مِن كَونه مؤمِنًا بالربّ، سَيَجِدُ في الذبيحة الإلهيّة مجرَّد إتمام لواجباته الدِّينيّة، ولن يُدرِك أهميّة النِّعمة الإلهيّة الّتي حصل عليها من الربّ عن غير استحقاقٍ منه. لذا، في كلّ ذبيحة إلهيّة، يسمع المؤمِنون مِن جديد قصَّة الله الّذي خلَّص شعبه، ومَنحَه الخلاص. 

إنَّ الذبيحة الإلهيّة، تُقسَم إلى قِسمين: يتألّف القِسم الأوّل من مجموعة قراءات من الكتاب المقدَّس بِعَهدَيه، هي الرِّسالة والإنجيل وبعض المزامير. في هذا القِسم، يتمّ كِرازة البشارة بالمسيح على الحاضِرين الّذين هُم وَثنيِّون، إذ انقادوا للخطيئة مرّاتٍ عديدة، وبعد سماعِهم لكلمة الله، يُعلِنون إيمانهم بالربِّ يسوع، من خلال تلاوتهم قانون الإيمان، بعد العِظة. 

إنَّ سِرَّ المعموديّة يُمنح للإنسان مرّة واحدة، غير أنّه مُعرَّضٌ في كلّ حينٍ للوقوع في الخطيئة، ويحتاجُ إلى الاعتماد من جديد، ولكنْ هذه الـمَرَّة مِن خلال كلمة الله الّتي يسمعها في الذبيحة الإلهيّة، فيتجدَّد ذِهنه بواسطتها، داعيةً إيّاه إلى تغيير مسيرته، ليتمكَّن من الوصول إلى الربِّ. 

حين يَقبَلُ الإنسان معموديّة الذِّهنِ، يُصبحُ من جديد ابنًا لله، فيُعلِن المؤمِن فَرَحه بحصوله على نِعمة التبنِّي هذه الّتي نالها من الربّ، في القسم الثّاني من القدَّاس، ويتبادلُ السّلام مع إخوته في الربّ، ثمّ يتلو صلاة الأبانا، قَبْلَ مشاركته في المائدة السماويّة ألا وهي المناولة المقدَّسة. إنّ مائدة الربِّ قد أُعِدَّت لأبناء الله، لا لعبيده أو لِأُجرائه، لذا يتقرَّب المؤمِن مِن سِرِّ المناولة المقدَّسة، بعد إعلانه قبول تَبنيّ الله له. إنَّ الإنسان يدخل إلى الكنيسة كَوَثنيّ ويخرجُ منها وريثًا لملكوت الله بقبوله تبنِّي الله له. ينالُ المؤمِنُ نِعمةَ التَبَنِّي لا عن استحقاقٍ منه، بل بِفَضلِ حُبِّ الله للإنسان.

إنَّ محبّة الإنسان لإخوته البشر تُعبِّر عن قبوله بنعمة التبنّي الّتي مَنَحَه إيَّاها الربّ. وبالتّالي، فإنّ تَكَبُّر الإنسان على الآخَرين وازدراءه لهم وإدانته لهم، تُعبِّر عن رَفضِه لأبوّة الله له. قَبْلَ الذبيحة الإلهيّة، يكون الإنسان في نَظَر الله إنسانًا لَقيطًا يحتاج إلى مَن يهتّم به ويتبنّاه، فيبادِرُ الربُّ إلى ذلك، إذ يجعل مِن البشر أبناءً له، ويُعلِن تَبَنِّيه لهم. 

قبل مُشارَكته في الذبيحة الإلهيّة، يكون الإنسان وَثنيًّا، عَبدًا لآلهةٍ غريبة، كأهوائه ورغباته الأرضيّة، فيرتكب الخطايا والقبائح، ويُسيءُ إلى إخوته البشر، إذ يسمح للحقد بالسيطرة عليه. ولكن حين يُشارِك الإنسان في الذبيحة الإلهيّة، يسمع كلمة الله من جديد، ويقرِّر تركَ آلهته القديمة، والعودة إلى الله الّذي يجدِّد تَبَنِّيه للإنسان، فيُعلِن هذا الأخير قبوله بتلك النِّعمة في القدَّاس، ويشارك الله مائدَتَه السماويّة. إنَّ القدِّيس باسيليوس الكبير، الّذي كتب القدَّاس الإلهيّ، يقول إنّه يشارِك في الذبيحة الإلهيّة أربع مرّاتٍ في الأسبوع، بسبب ضُعفه وخطاياه، ولكنّه في أعماقه يشتهي المشاركة في الذبيحة الإلهيّة، بشكلٍ يوميّ.

أخضَع رؤساء الكهنة استِفانوس الرَّسول إلى المحاكمة، تمامًا كما فَعَلوا مع الربّ يسوع حين حكُموا عليه بالموت صلبًا. لقد واجه استِفانوس رؤساء اليهود، وخاطبهم قائلاً: “أيّها الرِّجال الإخوة والآباء”، وما هذه العبارة إلّا دليلٌ على أنّ هذا الرَّسول قد ساوى نفسه بالّذين يُحاكِمونه، أي رؤساء اليهود، وعلى عدم خوفِه منهم ومن حُكمِهم عليه بالموت. لقد واجه استِفانوس الرَّسول الرؤساء مُذَكِّرًا إيّاهم بتاريخ الله الخلاصيّ معهم: فبدأ أوّلًا بتَذكِيرهم بإبراهيم الّذي كان يعتبره اليهود “أبا المؤمِنِين”، 

على الرُّغم من أنّه أتى من بلاد ما بين النَّهرَين، وتحديدًا من مدينة “أُور” الكِلدانيّة، وهي مدينة وَثنيّة لا يهوديّة. أراد كاتب هذا النَّص أنْ يؤكِّد لليهود أنّ الربَّ يُكلِّم الوثنيِّين كما يُكلِّم اليهود، ويدعوهم جميعًا إلى اتِّباعِه. إنَّ الكتاب المقدَّس قد عَرَض لنا قصَّة “أبي المؤمِنِين”، ابراهيم في سِفر التَّكوين، ابتداءً من الإصحاح الثاني عشر منه. 

إنّ ابراهيم لم ينتقل من “حاران” بعد موت والِده مباشرة، بل انتقل منها بعد وفاة والِدِه بسِتِّين سنةٍ. في هذا النَّص، نلاحظ بوضوحٍ الفرق بين الـتَّأريخ والتَّاريخ: إذ إنّ الكاتب لم يَهدِف إلى سَردِ مسيرة الآباء بكلّ تفاصيلها، إنّما اكتفى بِذِكر أبرز الأحداث التَّاريخيّة، في سبيل إيصال البشارة الخلاصيّة لليهود.

لقد لخَّص كاتب هذا النَّص سيرة الآباء مستخدمًا بعض العبارات الّتي تُشير في الوقت نفسه، إلى آباء العهد القديم وإلى الربّ يسوع في الوقت نفسه: فحين تكلَّم عن يوسف الّذي باعه إخوته في مِصر، أراد الإشارة في الوقت نفسه إلى الربِّ يسوع الّذي بِيعَ بثلاثين من الفِضَّة. 

وحين قال كاتب النَّص في موسى إنَّه “كان جميلاً جدًّا”، أراد تَذكير رؤساء اليهود بأنَّ الله كان راضيًا عن موسى. عندما ظهر الربُّ لموسى في العُلَّيقة، عرَّف الربّ عن نفسه قائلاً له: “أنا إله آبائك: إله ابراهيم، وإله إسحَق وإله يَعقوب”، ولم يَقُل له إنّي إله آبائك: إله ابراهيم واسحَق ويعقوب”، لأنّ كلّ واحدٍ من الآباء قد اختبر الله بطريقة مختلفة عن الآخَر، ولكنّهم تمكَّنوا من الشَّهادة للإله نفسه، فاعترفوا به إلهًا لهم. وكما تعرَّض موسى للرَّفض من قِبَل شَعبه؛ كذلك تعرَّض الربُّ يسوع إلى الرَّفض والموت على يَدِ أهل بيتِه. 

وبعد هذا السَّردِ الطويل لسيرة آباء العهد القديم، انتقل الكاتب للحديث مع رؤساء اليهود عن الربِّ يسوع (آية 37)، وشرح لهم أنَّ النبيّ الّذي قصَده موسى في كلامه لهم، هو الربّ يسوع، الّذي كان مُرضِيًا لله، إذ قال فيه الله: “هذا هو ابني الحبيب، فَلَهُ اسمَعوا”. إنَّ الله قد أعطى الشَّعبَ اليهوديّ نبيًّا آخر على مِثال النبيّ موسى، هو الربَّ يسوع جاعلاً منه فاديًا ومخلِّصًا، ولكنّ الشَّعب ترك الإله الحقيقيّ ليعبدوا الأصنام، تمامًا كما حَدَث مع الشَّعب في البريّة مع هارُون. 

بعد أن أعلَن استِفانوس الرَّسول عمل الله الخلاصيّ عبر التّاريخ لرؤساء الشَّعب، وشرح لهم حقيقة إيمانه بالربّ يسوع، أسلَم الرُّوح، وقد كان ممتلئًا من الرُوح القدس. لقد استخدم كاتب هذا النَّص العبارة نفسها: “رأى مجد الله”، في كلامِه أوّلًا عن دعوة الله لأبينا ابراهيم من بلاد ما بين النَّهرين (آية 2)، وثانيًا في كلامِه عن موت استِفانوس الرَّسول (آية 55). 

لقد رأى استِفانوس مجد الله، وهذا ما لا يستطيع أحدٌ من الأحياء رؤيته، إلّا في اليوم الأخير، أي بعد انتقاله من هذا العالم. لقد رأى استِفانوس مجد الله، حين كان على الأرض، قُبَيل موته، وهذا يدلّ على أنَّ كلّ شهيدٍ مسيحيّ سيُعاين مجد الله قَبْلَ سائر القدِّيسين، إذ سينتقل سريعًا في اليوم الأخير إلى الملكوت. 

لقد كانت ميتة استِفانوس الرَّسول مُشابِهةً لميتَةِ الربِّ يسوع، فكلاهُما مات خارجَ المدينة، لأنَّه لا يحقُّ لليهود قَتل المؤمِنِين بل الغُرباء عن الإيمان فقط. إنَّ شاول هو نفسه بولس الرَّسول الّذي ارتدَّ إلى الإيمان بالربّ على طريق دِمَشق. لقد شبَّه كاتب هذا النَّص موت استِفانوس الرَّسول بموت الربّ يسوع، إذ استخدم العبارات نفسها الموجودة في نصوص صلب يسوع في الأناجيل: فذَكَر لنا أنَّ استِفانوس سأل الله أنّ لا يُقِمْ لراجميه هذه الخطيئة، وفي ذلك إشارة لِما فَعلَه الربّ على الصّليب قبل موته، إذ غَفر لصالِبيه خطيئتهم، قائلاً لله: “اغفر لهم يا أبتاه، لأنّهم لا يدرون ماذا يَفعلون”.

إنَّ ستِفانوس الرَّسول قد أقام الذبيحة الإلهيّة إذ أعلَن إيمانه بالربّ يسوع وبمسيرته مع الشَّعب على مرِّ التّاريخ، ثمّ قرَّب ذاته قربانًا مقبولاً للربّ. عند موت الكاهن، تَستُر الكنيسة وَجهَه بالنّافور أي بالسِّتر الّذي كان يَضَعه على القرابين أثناء احتفاله بالذبيحة الإلهيّة، وذلك للإشارة إلى أنَّ الكاهن قد أصبح بموته، القربان الـمُقدَّم لله. يلخِّص هذا الإصحاح كلّ تاريخنا المسيحيّ، إذ بقبولِنا المسيح، قد قَبِلنا بكلّ عَمل الله الخلاصيّ مع شعبه، وبالتّالي أصبح الشَّهيد استِفانوس هو قدِّيس الكنيسة، وتحتفل بِعِيده يوم انتقالِه إلى السّماء. 

لقد ظَهر الربّ لموسى في العلَّيقة، وعرَّف عن ذاته للنبيّ قائلًا له: “أَهْيه أَشِر أهيه”، أي “أَكُون الّذي أَكُون”، ولا زال اليهود إلى اليوم، يخافون لَفظ هذه العبارة ويستبدلونها بعبارة “أدوناي”. لا يستطيع الإنسان أن يُدرِك الله أو أن يعرِفه، فاللّه يكشف عن ذاته للإنسان في الوقت الّذي يريده هو. 

إنَّ الإله الوَثني هو إلهُ المكان، أمّا إلهُنا فهو إلهُ حَدَثٍ لا إلهَ مكانٍ: فالله لا يُعرِّف عن ذاته، إلّا من خلال أعماله الّتي قادت الشَّعب إلى مَعرِفته. لذا نقرأ في الكتاب المقدَّس أنّ الله يُعرِّف عن ذاته عند ظهوره لأحد الأنبياء بالقول:” أنا إله آبائك، الّذي أخرجهم مِن أرض العبوديّة، وخلَّصهم”. إذًا، إنَّ إِلَهنا ليس حِكرًا على مدينةٍ أو قرية، فهو يَظهر للبشر في كلّ مكانٍ وفي كلّ أوانٍ، ولا يمكن حَصره في مكانٍ معيَّن، وبالتّالي لا فائدة إيمانيّة من زيارة المؤمِنِين للأماكن المقدَّسة، لأنَّ الربّ قادرٌ أن يُكلِّمَ الإنسان لا في المكان المقدَّس وَحَسْب، 

إنّما في كلّ مكانٍ وفي كلّ زمانٍ، وبالتّالي فإنّ كلّ أماكِن تواجُد المؤمِنِين هي أماكِنُ مقدَّسة، لأنَّ الربّ يُظهر مَجده فيها جميعها دون استثناء. إذًا، إنَّ رحلات الحجّ الدِّينيّة لا تكتسِب أهميّتها بفضل المكان بحدِّ ذاته، إنّما بِفضل الحَدَث الّذي أنجَزه الله مع شَعبه في هذا المكان تحديدًا. على زيارتنا للأماكن المقدَّسة أن تدفعَ بنا إلى لقاء الربّ، لا أن تدفع بنا إلى الانبهار بجمال المكان الطبيعيّ. 

وبالتّالي، حين نزور على سبيل المِثال القدِّيس شربل في عنايا، على زيارَتنا هذه، أن تدَفعنا إلى لقاء القدِّيس الّذي يُرشِدنا إلى طريق الربّ، فنَتبَعه لنتمكَّن من لِقاء الربّ. 

إنَّ إله المكان يفقد هويّته وأهميّته، حين يُغادِرُه المؤمِن، لأنَّ أهميّته تكمن في وجوده في هذا المكان حصرًا، من دون إمكانيّة انتقاله إلى مكانٍ آخر، كما هي حال الآلهة الوثنيّة في أثينا مَثلاً. على المؤمِن أن يلتقي بإله الحَدَث، الّذي يُطلِق كلمَته في هذا العالم، ولا تعود إليه إلّا بعد إتمامِها المهمَّة الّتي مِن أجلِها أُرسِلَت.

إنّ محاكمة استِفانوس الرَّسول وموته على مرأى مِن شاول، قد أدّت إلى تغيير ذهنيّة هذا الأخير، فالتقى بالربّ لا في مكان مَهد المسيح ولا عند قَبرِه، بل على طريق دِمَشق، أي خارج اليهوديّة، وبالتّالي يستطيع الإنسان أن يلتقي بالربّ في كلّ الأماكِن لا في أماكِن العبادة فقط. إنَّ بولس الرَّسول الّذي تغيَّرت حياته، بعد لقائه بالربّ على طريق دِمشق، لم يبدأ على الفور التبشيرة بالإنجيل، بل خَضَع لتَلمَذَة على يد حنانيّا، فاستطاع بعد أربع عشرة سنة من التَّلمذة أن ينطلق في إعلان كلمة الله في المسكونة كلِّها. 

لا يستطيع الإنسان أن يُعلِن البشارة الإنجيليّة إلَّا إذا قَبِل بمعموديّة الذِّهن، من خلال كلمة الله. إنَّ بولس الرَّسول هو تلميذ المعلِّم غملائيل، الّذي كان بِدَورِه تلميذًا للمعلِّم هلّال، مؤسِّس المدرسة اليهوديّة، الّتي نظَّمت الكتب المقدَّسة- العهد القديم، كما هو متعارَفٌ عليه اليوم. 

لقد تمكَّن القدِّيس بولس من إدراك مَقصَد الله من الكِتاب المقدَّس، فوَجد أنَّ كلّ نبوءات العهد القديم قد تحقَّقت في الربّ يسوع، فأعلن إيمانه به، وهذا ما رَفضه رؤساء اليهود، فاضطهدوا بولس الرَّسول وَقتلوه. لقد أدرَك رؤساء اليهود، حقيقة الربِّ يسوع، فقَتَلوه، وقرَّروا قَتل كلَّ مَن يُعلِن تلك الحقيقة للشَّعب، فكان الموت قَتلاً مصيرهم. 

ونحن اليوم في حياتنا اليوميّة، نشابه رؤساء اليهود، إذ نُدرِك أنَّ الربّ يسوع هو الله، ولكنّنا نرفُض الإصغاء لكلمته حين لا تنطبق مع أهوائنا الأرضيّة. نسأل الله أن يجعلنا على مِثال الرُّسل، ساعِين إلى تحقيق مشيئته في حياتنا، شاهِدين حقيقيّين له، على الرُّغم من كلّ الاضطهادات الّتي سنتعرَض لها خلال إعلاننا بشارته. آمين.

ملاحظة: دُوِّن الشرح بأمانةٍ مِن قِبَلِنا.

1   –   2   –   3   –   4   –   5   –   6   –   7   –   8  

Instagram
Copy link
URL has been copied successfully!
WhatsApp