“سلامي أعطيكم، لا كما يعطيه العالم”(يو 14: 27)

عِظة للخوري كمال طعمة،

 مزار القدّيسة رفقا، حملايا، ضمن احتفالات ذكرى تقدّيس القدّيسة رفقا وعيد ميلادها، 2025

باسم الآب والابن والرّوح القدس، الإله الواحد، آمين

إخوتي، نحن مدعوّون إلى أن نعيش حياتنا بسلام، فنَكونُ من أبناء الملكوت السَّماويّ. في الأيّام القليلة الماضية، تُليَ على مسامِعنا إنجيلٌ يقول فيه الربُّ يسوع لنا: “سلامي أعطيكم، لا كما يعطيه العالم”(يو 14: 27). وهنا نسأل: هل هناك سلامٌ في العالَم الّذي نعيش فيه؟ إنّه من غير الممكن أن نَجدَ سلامًا في هذا العالَم! ولكنْ حينَ أكونُ مع المسيح، أي أنّني حين أحفَظُ وَصاياه وأعيشُ تعاليم الإنجيل، سأكون في حالة من السَّلام الدَّاخليّ والرُّوحيّ، وهذا السَّلامُ سيَقودني إلى الانتصار على تَجارب الحياة وصعوباتِها. إنّ المريضَ يستطيع أن يتقبَّل مَرَضَه بِسَلامٍ، مهما كان صَعبًا، إذا كان يسوع في حياته؛ وفي هذا الإطار، نُصلِّي إلى الله من أجل كلِّ المرضى.

إنّ عالمنا اليوم مليءٌ بالحروب والدَّمار، مليءٌ بالبشاعة والإجرام والأوجاع؛ ونحن لا نستطيع تَحمُّلَ كلِّ ذلك إنْ لم يكُن سَلامُ الربِّ في قلوبِنا. وللمحافظةِ على سلام الربِّ في حياتنا، علينا أن نتأمَّلَ يوميًّا في كَلِمة الله، وأن نُفكِّرَ في أمور حياتِنا انطِلاقًا من الإنجيل، فنَطرحَ السُّؤالَ على ذواتِنا: كيف يُمكِنُنا أن نَكونَ أُناسًا جُددًا على صُورة المسيح يسوع؟ لا يُمكننا ذلك إنْ كُنَّا نَعيش حياتَنا بطريقةٍ إعتباطيّة! لذلك، نحن مدعوُّون، مَهما كانت الوظيفة الّتي نَشغَلُها في حياتِنا، أكُنَّا آباءَ وأمَّهاتٍ أَمْ موظَّفِين أم أصحابَ شَركاتٍ، إلى بَذلِ ذواتِنا مِن أجل الّذين يَخضعون لنا، على مِثال ما فَعل يسوع المسيح، فَهو قد بَذَل ذاته لأجلِنا. أنا، كمسيحيّ، عليّ أن أكونَ مَسؤولاً عن ذاتي، فأُوجِّهَ أميالي وتصرُّفاتي وأفكاري، إلى ما مِن شأنه أن يُرضي الله.

إنَّ الربَّ يسوع يَقول لِتَلاميذه ومِن خلالِهم يقول لنا: “إنْ أحبَّني أحدٌ يَحفَظْ كلامي، ويُحبَّه أبي، وإليه نأتي، وعِندَه نَصنَعُ مَنزِلاً” (يو 14: 23). عند سماعِهِم هذا الكلام، سأل التَّلاميذُ الربَّ: كيف يُمكِنُنا أن نَسيرَ في طَريقِكَ؟ فأجابهم: “أنا الطَّريقُ والحقُّ والحياة” (يو 14: 6)، وبالتَّالي طَلَبَ الربُّ يسوع مِن تلاميذِه أن يَقتدوا به. إنّ الربَّ يسوع قد انتصَر على جميع البشر، لذا تَبعَه الكثيرون. لم يلجإِالربُّ يسوع يومًا إلى استعمالِ عَصًا أو سَيفًا أو سِلاحًا، ليَكَسِبَ محبَّة البشر؛ فَهو قد انتَصَر بالحُبّ، بِطاعتِه لأبيه، فكَرَّسَ ذاتَه لِخدمةِ الإنسانِ وإظهارِ رحمةِ الله له. إنّ الربَّ قد انتصر مِن خلال قِيامِه بأعمالٍ مِن شأنها أن تُفيدَ البشر في حياتهم. ولذا، يَطلبُ الربُّ منَّا أن نَكونَ رَحومِين ومُحبيِّن لإخوتنا الّذين نَعيش معهم وبالقُرب منهم. إنّ أبسطَ الأمورِ وأتفَهَها قد تَكونُ سَببًا لخِلافٍ بين البشر، وهنا نسأل: هل تَستَحقُّ هذه الحياةُ أن نعيشها في عداوةٍ مع الآخَرين؟ في الحقيقة، إنَّ الحياة لا تستحقُّ ذلك!

إنَّ القدِّيسة رَفقا، وهي لَيسَت غَريبةً عنكُم، أنتم أبناءَ هذه القَرية الحبيبة، قد جَعلَت مِن حياتها مِثالاً لنا: فَهي مِن شِدَّةِ حُبِّها للربِّ يسوع، صَلَّتْ إليه وطلَبَت مِنه أن يُلهمَها إلى الطَّريق الّذي عَليها أن تَسلُكَه في هذه الحياة لتُرضِيه، فأشار لها إلى الطَّريق، فسارَتْ به وخَدمَتْ مِن خلالِه الربَّ يسوع والمجتمع. إنَّ القدِّيسة رفقا قد أحبَّت يسوع وكانت طائعةً له، وقد عَبَّرتْ عن هذا الحُبّ من خلالِ حُبِّها لأخيها الإنسان وخِدمَتِه. في حياتها في الدَّير، نكتشِفُ تَضحيةَ القدِّيسة رفقا مِن أجل أخواتِها من خلال إلى تَحمُّلِها الذُنوب عنهنّ وطُرقٍ أُخرى كثيرةٍ. كما تَميَّزَت القدِّيسةُ رفقا بِطَلبها الألمَ والوَجعَ من الله، فشاركت من خلالهِما حبيبَها الربَّ يسوع في آلامه. إخوتي، مِن غير الضَّروريّ السَّعيُ وراء الألم، ولكنْ مِن المهمِّ جدًّا أن نَتقبَّل كلَّ الصُّعوبات الّتي تُواجِهُنا في الحياة، انطلاقًا من محبَّتِنا ليسوع، فنَثبُتَ في إيمانِنا بالربِّ يسوع، ونَتمكَّنَ مِن عَيش النَّصر مع إخوتِنا، الّذين هُم يسوع المسيح.  

ما الّذي ينقصُنا بَعد، كي نكون من أبناء الملكوت؟ إنَّ ملكوتَ الله في داخلنا.

وبالتّالي، كي نَعيش كلَّ ما سَبق وقُلناه، عَلينا العودةُ إلى ذَواتِنا مِن خلالِ تَكريس وَقتٍ للتأمُّل، والتَّفكيرِ في ما الّذي يُمكنُني القيامَ به من أجل يسوع، هو الّذي قام بكلِّ شيءٍ من أجلِنا: فهو قد مات على الصَّليب من أجل تأمين راحَتِنا وسعادتنا. ما الّذي أستطيع أن أفعلَه من أجل يسوع؟ نستطيعُ أن نَعيشَ المحبَّة تُجاهَ بعضِنا البعض واضِعِين جانبًا الحقدَ والضَّغينة والأنانيّة والكِبرياء وحُبّ السُّلطة. صدِّقوني، إخوتي، إنّ السَّلام سيَعُمُّ العالَم أجمَع، متى عِشنا بهذه الطريقة. ولكنْ، طالما أنَّ كلَّ هذه الرَّذائل لا تزال موجودة، فالشَّيطان لا يزال موجودًا وعاملاً فينا. للأسف، في الكثير من الأحيان، نشَعرُ بالضُّعف، وهذا يؤدِّي إلى وقوعِنا رهينةً بين يدَي الشَّيطان. 

في الختام، أدعوكم إخوتي، إلى التَّفكير جيِّدًا والتَّأمل بشكلٍ صحيح بكلمة الله، فتتمكَّنون مِن اتِّخاذِ مَسلَكٍ يُقرِّبُكم من يسوع ويوحِّدكم به. وفي هذه المناسَبةِ المبارَكة، أرفع صلواتي إلى الله، مِن أجل كلِّ مَن ساهم وشاركَ في تَحضيرِ هذا المهرجان الرُّوحيّ والتَّرفيهيّ طيلة خَمسٍ وعشرين سنة مِن دُون كَللٍ، فَهُم لَم يتوانَوا يومًا عن متابعةِ هذه المسيرة لأنّهم يُدرِكون أنَّ القدِّيسة رَفقا ستُساعِدُهم في كلِّ ما يقومون به. فلنَسْعَ إخوتي، كي نبقى مُتَّحِدِين بعضُنا مع بَعضٍ، مُؤمنِين بخلاصِنا الّذي يمنحنا إيّاه الربّ يسوع، بشفاعة القدِّيسة رفقا الّتي تُبارِكُنا جميعًا وتَحمينا. آمين.

ملاحظة: دُوِّنت العظة مِن قِبَلِنا بأمانة.

Instagram
Copy link
URL has been copied successfully!
WhatsApp