فليسمعِ الموتى

بقلم الأب ملحم (الحوراني)، كاهن رعيّة المحيدثة – المتن

في كلّ مرّةٍ يودّعنا فيها راقدٌ على رجاء القيامة والحياة الأبديّة، نذهب إلى الكنيسة لوداعه في صلاة الجنّاز، فنسمع الإنجيلَ نفسه، من بشارة يوحنّا 5: 24- 30. وفي هذا الإنجيل جملتان محوريّتان تكادان تكونان متشابهتين، حتّى إنَّ السامع قد يظنّ بأنّها الجملة ذاتُها مكرّرةٌ مرتين. فإنْ كانت حقًّا الجملةَ ذاتَها، فتَكرارُها مرّتين خطأٌ؟ وإن كانتا جملتين مختلفتين، فما المقصود من كلّ منهما؟

  • “إنَّها تأتي ساعةٌ، وهي الآن حاضرة، حين يسمع الأمواتُ صوتَ ابنِ الله، والّذين يَسمعون يحيَون”(5: 25).
  • “إنَّها تأتي ساعةٌ يسمع فيها جميعُ مَن في القبور صوتَه، فيخرُج الّذين عمِلوا الصالحات إلى قيامةِ حياة، والّذين عمِلوا السيّئاتِ إلى قيامةِ دينونة” (5: 28- 29).

كلا الجملتين تتكلّمانَ عن ساعةِ سماع صوتَ ابن الله. ولكنْ هناك فرقٌ زمنيٌّ بين الساعتين. فمَتى تأتي الساعة المقصودةُ في الجملة الأولى؟ “هي الآن حاضرة”، أي تأتي في اللحظة الّتي يَبلُغ فيها قولُ الربّ هذا آذانَ السامعين. ومَن يسمعها؟ يسمعها “الأموات”. هنا يُطرح السّؤال: كيفَ يَسمعِ الأمواتُ الآن وهُم تحت التراب؟ مَن هُم الأموات الّذين يُمكنهم سماعُ صوت الرب الآن؟ مَن هُم الأموات بالنسبة إلى يسوعِنا؟ الجواب أنّ كل مَن لم يتخلَّ بعدُ عن الخطيئة الّتي أُجرتُها الموت (رو6: 23)، ولم يَقُم مع يسوع القائم، هو مِن الأموات الآن. فنَحنُ لا نرتّل في الفصح “المسيح قام من القبور”، بل ترتيلتُنا للمسيح القائم “من بين الأموات” (1 كور15: 20). إذًا، ليس “الأمواتُ” مَن في القبور، بل نحن المشيّعين الواقفين في صلاة الجنّاز، نحن الّذين لم نتبع يسوع بعدُ وقد سمّانا “موتى يدفنون موتاهم” (مت 8: 22)، نحن الذين اليوم يسمعون صوته ويُقَسُّون قلوبَهم (مز 95: 8).

هذا هو معنى “الساعة” في الجملة الأولى. أمّا في الحملة الثانية، فالساعة المقصودة فيها هي ساعة الدينونة في اليوم الأخير، حين يُنادي المسيحُ مَن كانوا دُفِنوا في القبور ليقوموا، إمّا إلى قيامةِ حياةٍ، أو إلى قيامةِ دينونةٍ، بحسب ما فعلوه خلال حياتهم الأرضيّة.

الساعة الأولى حاضرة إذًا، والساعة الثانية مؤجَّلة إلى وقت لا نعرفُه. وبين الأُولى والثانية، ندخُل الكنيسةَ لتشييعِ راقدٍ، فيُبادرنا صوتُ ابنِ الله في الإنجيل، مناديًا من له أذنان للسمع، فتُمسي تلك اللحظةُ فرصتنا للقيامة إذ ما سمعنا الكلمة. وسماعُنا الكلمةَ الـمُنقذةَ من الخطيئة ومِن الموت يَفترض تاليًا حفظَها في قلبنا، ثمَّ العملَ بموجبها، تمامًا كما يقصد الأطفال حينما يتعهدون أمام والديهم بأن “يسمعوا الكلمة!”.

فلنسمع، نحن الأموات الذين يتصرّفون في هذا العالم ولم نُدفَن بعدُ في قبرٍ، ونحفظ كلمةَ المسيح الحيّة والـمُحيية لئلّا نبقى كالشَّعب القديم “بسمع سمعًا ولا يفهم” (إش 6: 9)، بل نكون شعبًا جديدًا “يُبصر بعينيه، ويسمَع بأُذنيه، ويَفهم بقلبه، ويرجع فيُشفى” (إش 6: 10).

Instagram
Copy link
URL has been copied successfully!
WhatsApp