“كونوا قدّيسينَ لأني أنا قدّوسٌ، يقول الربّ”(أح 11: 45)

بقلم الأب هـاني شـــلالا، المُرسَل اللبنانيّ

إن قداسةَ الله هي من أَصعبِ الحقائق التي يمكنُ تحديدَها لأنها تتعلّقُ بجوهر الله وسموِّه وتعاليه. إنها حقيقةٌ تفوق قدرةَ الإنسان على التصوّر والتخيّل والتحليل. فالقداسة تعني الانتماء إلى عالم الألوهة البعيدِ جدًا عن إدراك البشر. ومُجرّدُ الاقتراب منها كان يُثير، وما زال، الرُّعبَ والخوفَ في قلب الإنسان الخاطئ، وهذا ما عبّرَ عنه آشعيا النبي عندما رأى الله جالسًا على العرشِ وأذيالُه تملأ الهيكل، والسرافينَ قائمين حوله يُرنِّمون: “قدوسٌ، قدوسٌ، قدوسٌ، ربُّ القوات، الأرضُ كلّها مملوءةٌ من مجده”، فقال: “ويلٌ لي، قد هلكتُ لأني رجلٌ نجسُ الشفتيْن، وأنا مقيمٌ بين شعبٍ نجسِ الشفاه، وقد رأت عيناي الملكَ ربّ القوّات”. ولكن عندما طهّرَ الملاكُ فمَهُ بجمرةٍ أَخذها من المذبح، وأُزيل اثمُه وكُفِّرت خطيئتُه، اطمأنّ لأنه لا يمكن للإنسان الخاطئ، بحسب العهد القديم، أن يرى الله ويبقى على قيد الحياة (راجع أش6: 1-8). فالأنقياء الأطهار هم وحدهم المؤهلون لرؤيةِ الله، والتمتّعِ بالحياة الحقّة: “طوبى لأنقياء القلوب، فإنهم يُعاينون الله، يقول الربّ”(متى5:8).

 وقد أصبحت هذه القداسة مرئية في شخص يسوع الذي قدّسه الآب وأرسله إلى العالم، حسبما كشفه يسوع نفسُه لتلاميذه، جوابًا على طلب فيلبُّس الذي سأله قائلاً: “يا ربّ، أرِنا الآبَ وحسبُنا”، فأجابه يسوع: “إنّي معكم منذ وقت طويل، أفلا تعرفني، يا فيلبُّس؟ من رآني رأى الآب”(يو14: 8-9). فالقداسة أصبحت مع يسوع، رحمةً متجسّدة ورأفة متأنّسة. وهذا ما يؤكده بطرس الرسول في دعوته المسيحيين إلى إظهار قداسة الله في مسلكهم: “فكما أن الذي دعاكم هو قدوسٌ، كذلك كونوا أنتم قدّيسين في سيرتكم كلِّها”(1بط1: 15). فالرسول بطرس يقول: كونوا قدّيسين في سيرتِكم كلِّها! أي كونوا أنقياء في أفكاركم وأقوالكم وأعمالكم، كونوا أطهارًا في نواياكم ونظراتكم وكلماتكم، لتعكسوا قداسة الله، أي محبته وحنانه ورحمته، “لأنه يُطلع شمسَهُ على الأشرار والأخيار، ويُمطر غيثه على الأبرار والفجّار” (متى5: 45). ومَن هم القدّيسون أنقياء القلوب إلا الأنبياء والقدّيسون والشهداء الذين نُكرّمهم في هذا الشهر المبارك تمّوز، وعلى مدى الأيام، طالبين شفاعتهم لكلّ الأنفس التي ترقد على رجاء التمتّع بالنّور والحياة.

 لقد اعتبر الفريسيّون (ومعنى اسمهم المنفصلون) أنّهم هم الأبرار القدّيسون، لأنهم انفصلوا عن الناس الخطأة الضّالين، مثلما انفصل الله وتعالى عن العالم. ولكنّ خطيئتهم تأصّلت، عندما انفصلوا عن النّاس من دون أن ينفصلوا عن شرّهم الذاتي الساكن فيهم والمحيط بهم، فكان فسادهم أفظع من خطيئتهم، وضلالهم أخطر من انحرافهم. وعندما أتى يسوع، أظهر لهم أن القداسة الحقيقيّة تقوم، ليس على الانفصال عن النّاس والابتعاد عنهم، بل على الانفصال عن الشرّ والابتعاد عن آفاته في سبيل التقرّب من الناس لبلسمة جراحهم. فالقداسة تقوم فعليًا على الاقتراب من الله والاتحاد به والامتلاء من محبته، خاصةً في سنة الرحمة الإلهيّة هذه، في سبيل توزيع نعمه ومراحمه على النّاس أجمعين.

Instagram
Copy link
URL has been copied successfully!
WhatsApp