“مَن أكلَ جسدي…له الحياة الأبديّة” (يو 54:6)
بقلم الأب ميشال عبود الكرمليّ
“ماذا أعمل لأنال الحياة الأبديّة؟” (مت 19:16)
سؤال طرحه على يسوع كلّ من الشاب الغني والفريسيّ، ويطرحه كلّ واحد منّا، خصوصاً عندما يرى أنّ هذه الحياة هي عبور، وأن أشياءَها لا تملأ أبداً فراغ القلبِ ولا تجيب على سر اللامتناهي الموجود في عمق أعماق الانسان. فيأتي جواب يسوع لنا واضحاً: “مَن أَكل جَسَدي وشرِبَ دَمي فلَه الحَياةُ الأَبدِيَّة وأَنا أُقيمُه في اليَومِ الأَخير. لأَنَّ جَسَدي طَعامٌ حَقّ وَدمي شَرابٌ حَقّ. مَن أَكَلَ جَسدي وشَرِبَ دَمي ثَبَتَ فِيَّ وثَبَتُّ فيه”(يو6: 54-56). الحياة الأبديّة هي معرفة الآب والابن، وأي معرفة أعمق من الاتحاد بيسوع بواسطة مناولة جسده ودمه.
الافخارستيّا هي قلب حياة الكنيسة وقمتها، بها يشرك المسيح كنيسته وكلَّ أعضائها في ذبيحة الحمد والشكر التي قرّبت لأبيه مرّة واحدة على الصليب. فالكنيسة تعلّمنا بأنه عندما انتقل المسيح من هذا العالم إلى أبيه، ترك لنا الافخارستيا عربون المجد لديه: فالاشتراك في الذبيحة المقدّسة يجعلنا شبيهين بقلبه ويسند قوانا في دروب هذه الحياة. ويشوّقنا إلى الحياة الأبدية، ويضمنا منذ الآن إلى كنيسة السماء. وهكذا فالافخارستيا هي استباق للمجد الآتي. وتعلّم الكنيسة أيضاً أن الربّ منذ الآن يأتي في الافخارستيّا، وأنه ههنا في ما بيننا. ولكن هذا الحضور محجوب عن الانظار. ولذا نحتفل بالافخارستيا منتظرين الرجاء السعيد، ومجيء مخلصنا يسوع المسيح، وطالبين “أن نمتلىء من مجدك، في ملكوتك، كلنا معاً وإلى الأبد، يوم تمسح كلُّ دمعة من عيوننا. ويوم نراك، أنت إلهنا، كما أنتَ، سوف نصير شبيهين بك إلى الأبد. ونسبحك بلا انقطاع، بالمسيح ربنا”.
هذا الرجاء العظيم، رجاء سماوات جديدة وأرض جديدة يقيم فيها البر، ليس لدينا عليه عربون أوثق وآية أوضح من الافخارستيا. ولا غرو، فكل مرّة نحتفل بهذا السرّ “يتم عمل فدائنا”.
فالكنيسة هي جسد المسيح السرّي، وهي كنيسة الأرض التي نقيم عليها، وكنيسة السماء حيث سبقونا الكثيرون من مَن عرفناهم ومن لم نعرفهم، وكلما تناولنا جسد المسيح نكون باتحاد مع موتانا، وأي اتّحاد أعظم من هذا! فلنطلب من الله أن يعطينا عيون الإيمان لنراه في القربان المقدّس ونعيش ملء لاهوته وحضوره، وننال عربون المجد الأبديّ الذي لا يزول.
