إقبلني اليوم شريكًا في عشائك السريّ يا ابنَ الله…

بقلم الأب ملحم (الحوراني)، كاهن رعيّة المحيدثة – المتن

لماذا نستخدم كلمة “اليوم” في صلواتنا (إقبلني اليوم…، اليوم رأسُ خلاصِنا…، اليوم العذراء…، اليوم يولَد من البتول…، اليوم عُلّق على خشبة…)؟

لقد خَلقَ اللهُ الكونَ في ستة أيام. في اليوم السادس، خَلق الإنسانَ من ترابٍ ونَفخ فيه نسمةَ حياةٍ. وفي اليوم السابع استراح اللهُ بعد أن سَلّم الإنسانَ أيامًا سبعةً، تُشكّل الزمنَ بالنسبة إليه، ليعمل خلالها في تراب الأرض، حتى يَكسَب السماءَ.

أساء الإنسانُ استعمال الأيام لـمّا التهى عن مقصد الله من عملية خلقه، فبات يستغلّ الزمن فيعمل في التراب لا ليكسب السماء بل ليكسب ترابًا إضافيًا. خيّب الإنسانُ رجاءَ خالقِه فيه حين أساء استعمالَ أيامه التي ابتعد فيها عمّن غرس فيه نسمة الحياة فغرق في تراب الأرض.

رأى اللهُ ما آلت إليه خليقتُه مِن انحدارٍ، فقرّر القيام بالمستحيل: قرّر أن تُلامِسَ الأُلوهةُ البشرَ. “فلمّا حان كمالُ الأزمان، أرسلَ اللهُ ابنَه مولودًا من امرأةٍ، مولودًا تحت الناموس، ليفتدي الذين تحت الناموس، لننال التبنّي”. تجسَّدَ المسيحُ، وعايشَنا وآكلَنا في الزمن الذي خلقَه لنا. وأهمّ ما صنَعَه لنا أنه رَفَع عَنّا معاصيَنا بأنْ مات مصلوبًا لأجلنا، واستراح في اليوم السابع كما فعل في العهد القديم عند الخَلق. ولكنه أكمل الزمن إلى غايته فقام في اليوم الثامن.

لقد أَخرجَنا الربُّ من إيقاع الزمن، وحرّرَنا من وطأته ليُطْلِقنا إلى الأبدية، إلى اليوم الأخير، إلى اليوم الثامن. صار الأحدُ (وهو أساسًا اليوم الأول) هو اليوم الثامن. وصرنا، إذا أقمنا قداس الأحد، فنحن نَلتمسُ فيه تذوُّقَ اليوم الثامن والـمُكوثَ فيه. وصار كلُّ خيرٍ نصنعه مِنَ اليوم الثامن؛ فإذا أكثرتَ من صُنْعِ الخير، فأنتَ تَقترب من اليوم الثامن؛ وإذا كنتَ دائمًا خيّرًا، فأنت عائشٌ منذ الآن في ذلك اليوم الذي لا يَعروه مساء.

يرقد بالرب أناسٌ مِن بيننا كانوا يقفون معنا في الكنيسة وكانوا يرتّلون معنا في كل قداس: “إقبلني اليوم شريكًا لعشائك السريّ يا ابنَ الله…”. هؤلاء، في وقوفهم معنا كلَّ يومٍ في قدّاس الأرض، كانوا يَمتَشقون، مثلَنا، إلى ذلك اليوم الذي فيه يُعاينون المسيحَ ويُجالِسونه في عشائه الأخير. كانوا ينتمون، مذ كانوا في زماننا هنا، إلى يومٍ مِن خارج الزمن. وها هم، عند رقادهم، يَلِجون عتبةَ ذلك اليوم الذي لا يَليه ليلٌ والذي طالما اشتاقوا أن يَبلُغوه، وها هو المسيحُ يَسمعُ مِن همساتِ قلوبهم “إقبلني اليوم شريكًا في عشائك السريّ يا ابن الله…”، فيُجْلِسُهم أَحبّةً عن يمينه في ملكوت أبيه، في عُرس الحَمَلِ الذبيحِ مِن قَبلِ كونِ العالم، في الفرح الأبديّ، حيث لا وجع ولا حُزن ولا تَنهُّد بل حياةٌ لا تَفنى.

Instagram
Copy link
URL has been copied successfully!
WhatsApp