صرخة يسوع أمام الموت!

 بقلم الأب نايف سمعان البولسيّ

لقد عاش الرب يسوع المسيح حياته بيننا، بمثالية خيالية، وشفافية عميقة، وظهور غامض، ولأنه إله كامل وإنسان كامل، كان يسعى لكي يُخرجَنا من هاجس حياتنا المخيف، لكنّنا بشرٌ لم نفهم.

ما يخيفنا هو الموت! ولكن “من آمن بي وإن مات فسيحيا”، هذا هو مختصر علاقتنا بالرب يسوع من خلال إيماننا الذي نجسده، ولو جزئيًا، لا بالكلام ولا بالأعمال الصالحة التي بها نشهد أننا مسيحيون. “أرني إيمانك من أعمالك”، فكل شيء مستطاع لدى المؤمن…

لقد مات حبيبُ المسيح وصديقُه لعازر، ونحن كلنا أصدقاءٌ للمسيح يسوع وإخوةٌ له: “لا أسمّيكم بعدُ عبيدًا…. بل سميّتُكم أصدقاء، لأنّي أطلعتُكم على كلِّ ما سمعتُ من أبي” (يو 15: 15)، فحزن الرب يسوع عليه وبكى، “اُنظروا كم كان يحبّه”، وهذه صورةٌ للإنسانيّة المتمسّكة بالحياة والمتألمة، لكنه وقف أمامه صارخًا، ليَسمَعه العالمُ بأسره عَلَّه يؤمن به، وقائلاً: “يا لعازر هلمَّ خارجًا”!! لقد سمّاه الربّ باسمه ولم يناده أيها الـمَيت! هلمَّ خارجًا ليَدّلنا إلى أننا جميعًا نحظى بمكانة في قلبه تعالى، فنحن، كما في الحياة الأرضيّة أحبّاؤه كذلك في الممات، فهو ينادينا بأسمائنا إلى القيامة المجيدة، لنحظى معه بالسعادة الأبدية ونتمتَع بما “لم تَره عينٌ ولا سَمعت به أذنٌ ولا خطرَ على قلب بشر”، هذا ما أعده الله للذين يؤمنون به.

نحن أمام الموت نرتجف! لأننا لا نؤمن إلا كما نفهم، ولا نفهم إلا كما ندرك، ولا نُحسنُ الإدراكَ لأننا بعيدون عن الله، ولا نؤمن أننا أولادُ الله بالتبني، فلو كنّا كذلك لَوجب علينا القولَ: “لا تكن مشيئتي بل مشيئتك”. وبالواقع كم نحن بعيدون عن هذا الواقع الإيمانيّ!   

لقد جاء يسوع ليُتمَّ فينا كلَّ برٍّ، كما قال ليوحنّا المعمدانِ، “دعِ الآن، فهكذا ينبغي أن نتمَّ كلَّ برٍّ”. إن كلَّ ما عمِلَه يسوعُ هو من أجل الإنسان، فلا شيء يعود إليه إذ لا يحتاج لشيء، فتجسّدَ هو لنخلُصَ نحن، صار هو عبدًا لنتحرر نحن، اعتمد هو لنتطهّرَ نحن، مات هو لنحيا نحن الحياة الأبدية معه.

صرخة يسوع أمام الموت هي صورة لصرخة كلّ إنسان أمام الحياة وأمام الموتِ أيضًا، فأمام الموت صرخة الإنسان مؤلمة، مخيفة، ومرعبة، لأنه يجهل المصيرَ ولا يؤمن بما قِيلَ له، وصرخته أمام الحياة ليكون فيها صاحبَ الحقّ والسيادة والسلطان، فأراه يسعى جاهدًا ليَملِكَ الوجودَ كلّه عِلمًا بأنّه أضعفُ الخلائق وأقواها في آنٍ معًا.

هذا هو ربّنا الذي صرخ بدلاً منا: “يا أبتاه إن شئت فأبعد عني هذه الكأس، ولكن لا تكن مشيئتي بل مشيئتك”، فعلينا أن نُدرك هذه الحقيقة الإيمانيّة بأننا نعيش على رجاء القيامة، وهذا الرجاء يجعلنا أقوياءَ ويَنصُرُنا على ضُعفِنا واستسلامِنا لغير الله وإرادته، فنحصُلَ عندئذٍ على ما حصل عليه ذاك اللصُّ على خشبة الصّليب، عندما صرخ صرخة الندم هذه “يا رب اذكرني متى جئت في ملكوتك” فحصل له الخلاص مِن لدُنِ الربّ يسوع الذي هو وحده مخلِصُ العالم. آمين

Instagram
Copy link
URL has been copied successfully!
WhatsApp