علامة الاستفهام الكبرى في حياة كلّ إنسان هي الموت
بقلم الخوري داوود كوكباني
علامة الاستفهام الكبرى في حياة كلّ إنسان هي الموت. فإذا كان الموت هو نهاية الحياة، فلماذا الحياة؟ حلم الإنسان هو أن يعيش، أن لا تنتهي الحياة، لماذا الموت إذًا؟ السؤال الوحيد الذي لا يُسأل:”هل سيموت فلان؟”. إذا كان الإنسان ينتظر الخاتمة السعيدة، فهل هي الموت؟
الموت واقع طبيعيّ: ليس الموت نصيب الإنسان فقط. خبرتنا في الوجود تدل على أن كل كائن حيّ مصيره الموت: الإنسان، وهو واحد من هذه الكائنات الحيّة المخلوقة، يموت طبيعيًا. وإذا كان الموت واقعًا طبيعيًا، فلماذا يرفض الإنسان الموت، ولماذا يخاف الإنسان من الموت؟
هذا الرفض للموت الذي يشعر به الإنسان، يعني أن الإنسان يشعر بأنه جُعل للحياة لا للموت. ولكن هل هذا الشعور وهم أو حلم لن يتحقق؟ إذا كان الموت حتميًا وغير ممكن الرجوع فهذا يعني أن كل عمل الإنسان وهم، هل هذا صحيح؟
معنى الوجود: يعرف الإنسان حتمية الموت، ولكنه يصر على أن يختار ويقرّر ويعمل ويسعى… لماذا؟ لأن في داخله ما يؤكد له أن لحياته معنى. الإنسان يسعى وكأنه لا وجود للموت. لا ينسى الإنسان إنه سيموت ولكنه يتصرف وكأنه لن يموت، بل قل كأنه لا وجود للموت. ويسوع الذي مات أكد أن للحياة معنى وأن للموت معنى في الحياة.
موت يسوع: إذا كان الموت هو تعبير عن ال “لا معنى”، فلماذا مات يسوع؟ أتكون حياة يسوع بغير معنى؟ يسوع هو الله الذي صار إنسانًا، هو الله الذي حمل على ذاته مصير الإنسان. هل سيهرب من الموت الذي هو مصير حتميّ للإنسان؟ طبعًا لا، وإلّا فلا يكون يسوع حمل على ذاته كل مصير الإنسان. وإذا كان موت يسوع يشبه موت كل إنسان، فبماذا يختلف موت يسوع عن موت كل إنسان؟
يسوع، كسائر الناس يعاني من الموت: “أبعد عني هذه الكأس”. ولكنه يختلف عن كل الناس: “ما من حبٍّ أعظم من أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبائه”. صحيح أن الإنسان حكم على يسوع بالموت، لكنّ يسوع يقول: “حياتي لا يأخذها أحد منّي، فأنا أبذلها وأنا أسترجعها، هذا أمر تلقيته من أبي” فيسوع هو ذاهب إلى الموت بملء حريته. صحيح أن موته كان “حتميًا” لأنه إنسان، ولكن موته كان اختياريًا لأنه محبّ. جعل يسوع من موته فعل تسليم مطلق لأبيه وفعل حب مطلق لأبيه وللإنسان. وكانت القيامة لتؤكد على أن الله أقام يسوع وسيقيم كل إنسان وأن يسوع قام لأنه يسترجع حياته بحسب الأمر الذي تلقاه من أبيه.
ونحن؟ أراد يسوع بموته وقيامته أن يظهر لنا أن الحياة الحقة ليست من هذا العالم. حياة هذا العالم تقود إلى الموت. فلا بدّ من الموت عن حياة هذا العالم للبلوغ إلى الحياة في العالم الجديد الذي لا موت فيه لأنّ فيه الحياة الحقيقية.
فعلينا أن “نختار موتنا” أن نقبل أن نموت عن هذا العالم بتسليم تام لمشيئة الآب، وحب كبير للحياة الجديدة. فأنت تستعدّ للموت الذي هو بداية الحياة الجديدة بميتات مختلفة. أنت تتحرّر من كل ما يربطك بالحياة الفانية كي تبلغ إلى الحياة التي لا نهاية لها. مطلوب من الإنسان أن يجعل موته فعل تسليم مطلق للآب، وفعل حب مطلق، فيكون الموت مدخلاً إلى الحياة التي لا تعرف الموت، إلى الحياة الحقة.
في نهاية كتاب العهد الجديد، في سفر الرؤيا، يدعو المسيحيون يسوع قائلين: “تعالَ أيّها الربّ يسوع”. الموت هو الباب الذي تفتحه ليسوع الآتي كي يستقبلك في ملكوته. بالموت تؤكد ليسوع أنك تدعوه ليأتي إليك، وبهذا الموت عينه هو يؤكد لك أنه يدعوك لأن تأتي وتجلس معه في حضن الآب. فهنيئًا لك حضن الآب عن يمين الابن يسوع!
