كلمات يسوع الأخيرة على الصّليب

الأب جورج أبي سعد، النائب العام في أبرشيّة جبيل المارونيّة

سبع كلمات تفوّه بها يسوع على الصليب، سبع لآلىء تحمل خلاصة الكثير مما عاشه وعلّمه خلال ثلاث وثلاثين سنة عاشها على أرضنا. كلمات المنازع الذي يعرف أنه ينهي شوطه على الأرض وقد حان وقت رحيله، فيعبّر بأقل ما يمكن من الكلمات عن أعمق ما في قلبه وفكره ووجدانه.

فلنتأمّل في هذه الكلمات ونحن في زمن الصليب الممجّد عسى أن تقودنا إلى الاقتداء بالربّ أكثر فنجدَّ السير في طريق الحياة عبر صليب المجد.

“يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون” (لو ٢٣: ٣٤)

أولى كلمات يسوع على الصليب حسب لوقا الانجيلي كانت صلاة: “يا أبت اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ما يفعلون” (لو ٢٣: ٣٤)، كما أن آخر كلماته ستكون أيضاً صلاة: “يا أبت، في يديك استودع روحي” (لو ٢٣: ٤٦). ما علّمه الرب في عظة الجبل يطبّقه الآن، إنه يطلب الغفران لمن سمّروه على الصليب. هو يغفر دون أن يطلب المذنبون الغفران، دون أن يشعروا بالندامة. هو يغفر لأنه المحبة المتجسدة ويدعونا لاتباعه والاقتداء به لنكون أبناء الآب الذي في السماوات.

الجواب على الشر والحقد ليس الحقد كردة فعل تُدخلنا في دوامة الشر، بل محبة وغفران تغلبان الشر بالخير.

يسوع يغفر ويصلي للآب ليغفر أيضاً. من الملفت أن تكون أولى صلواته هي من أجل صالبيه، يطلب لهم الغفران ويعلل الطلب بأنهم لا يعلمون ما يفعلون.

“اليوم تكون معي في الفردوس” (لو ٢٣: ٤٣)

الكلمة الثانية تظهر ثقة يسوع أنه اليوم سيكون مع الآب، هذا ما سيوضح أن صرخته فيما بعد “إلهي إلهي لماذا تركتني” ليست صرخة يأس بل تحمل معانيَ أخرى سنراها لاحقًا.

من المرجح أن اللّصين كانا يجدفان في البداية كما يفعل معظم من يتعرضون لهكذا عقوبة مذلة، لكن لا شك أن لص اليمين عندما سمع المصلوب في الوسط يغفر لصالبيه تبدل موقفه. فالغفران هو دائماً علامة إلهية لا بل هو تجلٍّ إلهي، تجلٍّ لقدرة الله. فمن الصعب أمام هكذا تجلٍّ أن يظل الإنسان لا مبالياً.

من ناحية أخرى يشكل لص اليمين علامة رجاء لكل منا. فهو مجرم يواجه عقوبة يعترف أنه يستحقها، لم يفعل أي شيء ليكفّر عن خطايا حياته سوى أنه التفت إلى يسوع بإيمان طالباً الرحمة. فسمع من فم الرب الكلمة التي يتوق أن يسمعها كل بار في نهاية حياته “اليوم ستكون معي”.

يعلمنا هذا اللص المعنى الحقيقي للتوبة، فهي ليست وقوفاً أمام مجموعة شرائع وليست مجرد عقدة ذنب لأننا لم نكن على قدر الصورة التي نكوّنها عن أنفسنا، أو التي يكونّها الآخرون عنا بل هي وقوف أمام وجه الرب، هي النظر إلى عينيه وقلبه المفتوح وجسده الممزق بسبب خطايانا، عندها فقط نفهم ثقل وفداحة الخطيئة ولكننا نفهم بالوقت عينه عظمة حب الله وسعة رحمته.

قال يسوع لأمه: “يا امرأة هذا ابنك وقال للتلميذ “هذه أمك” (يو ١٩: ٢٦-٢٧)

في العشاء الأخير سلّم يسوع ذاته “هذا هو جسدي”، “هذا هو دمي” والآن، حيث تحققت الإفخارستيا، أي حيث كسر جسده وأهرق دمه على مذبح الصليب، يضيف يسوع إلى عطية ذاته عطية الأم “هذه أمك”.

بالنسبة لمريم التي رأت الله في المسيح ابنها، يُطلَب منها الآن أن ترى المسيح في كل تلميذ “هذا ابنك”. وإذا كانت ولدت ابنها البكر بدون آلام المخاض الطبيعية، فهي ستشارك ابنها المصلوب بآلام مخاض ولادة الأبناء الروحيين. 

كلمة “امرأة” التي نادى بها يسوع أمه في عرس قانا الجليل أيضاً، تأخذنا إلى بداية الكتاب المقدس حيث حواء “المرأة” التي هي أم كل حي. مريم هي حواء الجديدة وهي رمز للكنيسة أمنا. فمريم والكنيسة كلتاهما يسلمان إلى عناية التلميذ الحبيب، إلى كل تلميذ حبيب عبر العصور، وعلى التلميذ الحقيقي أن يأخذ مريم والكنيسة إلى خاصته.

“إلهي إلهي لماذا تركتني” (متى ٢٧: ٤٦)

هي صلاة بداية المزمور ٢٢ الذي يصف الآلام في القسم الأول “إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟…فَغَرُوا عَلَيَّ أَفْوَاهَهُمْ كَأَسَدٍ مُفْتَرِسٍ.كَالْمَاءِ انْسَكَبْتُ. انْفَصَلَتْ كُلُّ عِظَامِي…، وَلَصِقَ لِسَانِي بِحَنَكِي… ثَقَبُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ. أُحْصِي كُلَّ عِظَامِي، وَهُمْ يَنْظُرُونَ وَيَتَفَرَّسُونَ فِيَّ. يَقْسِمُونَ ثِيَابِي بَيْنَهُمْ، وَعَلَى لِبَاسِي يَقْتَرِعُونَ”. لكنه ينتقل إلى التسبيح في القسم الثاني “سأبشّر إخوتي باسمك وفي وسط الجماعة أسبحك” (٢٢) “سيأكل الوضعاء ويشبعون” (٢٧). إذن فالصرخة ليست صرخة يأس بل رجاء.

لكن يسوع في هذه اللحظة يحمل كل اختبار البشرية المتألمة والخاطئة والبعيدة عن الله، إنها ظلمة الخطيئة التي تفصل الإنسان الخاطىء عن الله، لكن الخاطىء لا يشعر بها كظلمة أمّا يسوع القدوس والبار فثقل ظلمة الخطيئة يؤلمه ويرهقه.

يسوع يعيش أيضاً اختبار من يشعرون أنهم متروكون من الله في وقت الألم والمحنة، إنه اختبار كل “أيوب” على مر العصور، لكن مع المسيح نرى أن الثقة تنتصر على اليأس وأن آلام البار لا تذهب سدى بل تحمل وفرة خلاص “سيأكل الودعاء ويشبعون”.

يُتبع في الرسالة الشهريّة المقبلة                     

Instagram
Copy link
URL has been copied successfully!
WhatsApp