نترجى قيامة الموتى والحياة في الدّهر الآتي (قانون الإيمان النيقاوي)

للأرشمندريت جورج النجار

  • قد لا تفارق فكرة الموت فكر الإنسان، فهو مذ يبدأ يفكر ويعي، يتساءل عن وجوده ومصيره، وكل الديانات حاولت أن تعطي بعض الأجوبة على هذه التساؤلات: لماذا الموت؟ ما الذي يموت فينا؟ ماذا بعد الموت؟ ما الحساب والدينونة؟…

    وهل أجدر من المسيح يجيب على هذه التساؤلات هو الذي قال: “أنا الطريق والحق والحياة، من آمن بي وإن مات فسيحيا، وأيضًا “أنا القيامة والحياة…”؟

    وعلى ضوء تعليم الإنجيل، آمنت الكنيسة وعلّمت في مجامعها، وكان آخرها وثيقة التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية الصادرة سنة 1992، وفيها الإجابة على العديد من المواضيع الإيمانيّة والعقائدية والأخلاقية والراعوية والليتورجية التي تهم المؤمن المسيحي الذي يريد أن يتعمق في إيمانه ويعيشه على أكمل وجه، وفي عيشه له خلاص وحياة أبدية:

    أوّلاً: أؤمن بقيامة الجسد:

    • ماذا تعني لفظة “الجسد”؟ وما هي أهميته؟

    لفظة “الجسد” تعني الإنسان من حيث وضعه الضعيف والمائت. “الجسد هو محور الخلاص” (ترتليانوس). فنحن نؤمن بالله خالق الجسد. ونؤمن بالكلمة الذي صار جسدًا لكي يفتدي الجسد، ونؤمن بقيامة الجسد التي هي اتمام الخليقة وفداء الجسد.

    • ما معنى “قيامة الجسد”؟

    هذا يعني أن حالة الإنسان النهائية لن تكون فقط النفس الروحية منفصلة عن الجسد، بل أن أجسادنا المائتة مدعوّة هي أيضًا إلى أن تستعيد الحياة يومًا ما.

    • ما هي العلاقة بين قيامة المسيح وقيامتنا؟

    كما أن المسيح قام حقًا من بين الأموات، وهو حيّ إلى الأبد كذلك سيحيينا جميعًا، في اليوم الآخر، في جسد لا يناله الفساد “فالذين عملوا الصالحات يقومون للحياة، والذين عملوا السيئات يقومون للدينونة”.

    • ماذا يحصل في الموت لجسدنا ونفسنا؟

    في الموت تنفصل النفس عن الجسد، ويقع الجسد في الفساد، بينما النفس، التي هي خالدة، تذهب إلى دينونة الله وتنتظر العودة إلى الاتحاد بالجسد عندما يتحول، في حين مجيء الرب الثاني. أمّا إدراك الكيفيّة التي تتم بها القيامة فهو يتخطى تصوّرنا وتفكيرنا.

    • ما معنى الموت مع المسيح؟

    ذلك يعني الموت في نعمة الله، بدون خطيئة مميتة. فالذي يؤمن بالمسيح ويقتدي بمثله يستطيع هكذا تحويل موته إلى فعل طاعة ومحبة للآب: “ما أصدق هذا القول: إن نحن متنا معه، فسنحيا معه” (2 تيموتاوس2: 11)

    ثانيًا: أؤمن بالحياة الأبديّة:

    • ما هي الحياة الأبديّة؟

    الحياة الأبديّة هي الحياة التي تبدأ فورًا بعد الموت، ولن يكون لها انتهاء، وتسبقها لكلّ إنسان دينونة خاصة من قبل المسيح، ديّان الأحياء والأموات، وتختم في الدينونة الأخيرة.

    • ما هي الدينونة الخاصة؟

    إنها دينونة الجزاء الفوري الذي يناله كل إنسان من الله، منذ موته، في نفسه الخالدة، على صلة بإيمانه وأعماله. وهذا الجزاء يكون إمّا بالدّخول مباشرة سعادة السماء، وإمّا، بالعكس الهلاك الأبديّ في جهنمّ.

    • ما المقصود بـ”السّماء”؟

    نعني بـ”السّماء” حالة السعادة السميّا والنهائية، فالذين يموتون في نعمة الله وليسوا بحاجة إلى أي تطهير لاحق، سيلتئمون حول يسوع ومريم والملائكة والقديسين، فيؤلفون هكذا كنيسة السماء حيث يعاينون الله “وجهًا إلى وجه” (كورنثوس الأولى 13: 12) ويعيشون في شركة محبة الثالوث الأقدس ويشفعون بنا.

    • ما هو المطهر؟

    المطهر هو حالة من يموتون في الصداقة الإلهيّة. ولكنهم، وإن كانوا على ثقة من خلاصهم الأبدي، ما زالوا يحتاجون إلى تطهير لدخول سعادة السماء.

    • كيف يمكننا المساهمة في تطهير النفوس في المطهر؟

    إن المؤمنِين الذين ما زالوا في رحلة على الأرض، يمكنهم بمقتضى شركة القديسين أن يساعدوا النفوس في المطهر بالصلاة لأجلهم، وخصوصًا بذبيحة الافخارستيّا والصدقات والغفرانات وأعمال التوبة.

    • بماذا تقوم جهنم؟

    تقوم جهنم في القضاء الأبدي على أولئك الذين باختيار حر ماتوا في حالة الخطيئة المميتة.

    والعذاب الرئيسي في جهنم هو في الانفصال الأبدي عن الله. ففي الله وحده تكون للإنسان الحياة والسعادة اللّتان لأجلهما خلق وإليهما يتوق، وقد عبّر المسيح عن هذه الحقيقة بقوله: “اذهبوا عني يا ملاعين، إلى النار الأبديّة”.

    • كيف التوفيق بين وجود جهنم وصلاح الله غير المتناهي؟

    إذا كان الله يريد أن يُقبل الجميع إلى التوبة إلّا أنه خلق الإنسان حرًا مسؤولاً وهو يحترم قرارته. فالإنسان نفسه إذن، بكامل وعيه هو من يستبعد نفسه باختياره، عن الشركة مع الله، إذا أصرّ حتى ساعة الموت، على البقاء في الخطيئة المميتة رافضًا محبة الله الرحيمة.

    • بماذا تقوم الدينونة الأخيرة؟

    ستقوم الدينونة الأخيرة في الحكم بالحياة السعيدة أو بالهلاك الأبديّ الذي سيصدره الربّ يسوع، حين عودته: ديّانًا للأحياء والأموات على الأبرار والخطأة المجموعين كلّهم معًا أمامه. وبعد هذه الدينونة الأخيرة نتشارك الأجساد القائمة من الموت في الجزاء الذي نالته النفس في الدينونة الخاصة.

    • ماذا يعني رجاء السماوات الجديدة والأرض الجديدة؟

     بعد الدينونة الأخيرة سيشارك الكون نفسه، المنقد من العبودية والفساد في مجد المسيح بالشروع في السماوات الجديدة والأرض الجديدة. وهكذا يصل ملكوت الله إلى ملئه أي التحقيق النهائي لقصد الله الخلاصي: أن يجمع تحت رأس واحد في المسيح كل شيء ما في السماوات وما على الأرض. وحينئذ يصير الله كلاً للكلّ في الحياة الأبدية. آمين.

Instagram
Copy link
URL has been copied successfully!
WhatsApp