أموت لأحيا
الأب بولس جبور
يموت الإنسان متى اختلّ الجسم وتعطّلت وظائفه، ومتى مات الدماغ، فلا رجوع إلى الحياة. نحن لا نتحكم بالموت، إنما تحكمه قوانين الطبيعة. قوانين لا تعرف الاستثناء، ستطالنا يوماً كما طالت من قبلنا كل من سبقونا، فخضعوا لها. الموت واقع لا مفر منه، مريع حتى حدود العداوة، فهو آخر عدوٍ يُبطَل (1كورنثوس 15: 26). إلا أن حياة القائم دمّرته. فقد وعدتنا قيامة يسوع بأنّ رحمته ستنقذنا من الموت في اليوم الأخير. الكون يميت، أمّا الله فيتلقانا برحمته ويعطينا الحياة الأبدية. الحياة الأبدية حياة جديدة في المسيح يعطيها لأحبّائه منذ الآن، ذلك أنه الحياة، وأنه أتى لتكون لنا الحياة أوفر. هي حياة تلازم بين المخلّص والمؤمنين به، فيحيا المؤمنون بالسيد الظافر على الموت. ليست الحروب والكوارث الطبيعية والحوادث الطارئة ما يميت في هذا الكون، إنما ما يميت، هو عبوديات نخترعها ونأنس لها ونستطيبها فنستظلها وتُشعرنا أنها الحب والدفء والراحة والحياة. فنموت قبل أن نموت. نحن نتخبّط بين ظلام يأتينا من الخطيئة، ونور مستقر فينا من لدن أبي الأنوار. أحبّنا الله فارتضانا، ومن يحبّه يكره الخطيئة؛ وكونك تحبّه وترتضيه ربّـًا لا يلغي عقلك وفكرك وفرادتك وجسمك. حبّك لله يتجسّد هيمنة له عليك، ويظهر هذا عندما يختصر الله فيك وفي حياتك كل شيء، فتوجه كل حركتك إليه، بعيداً عن ما لديك ولدى العالم من حسّيات. هدفنا إبادة الشر فينا، والسبيل إلى ذلك هو قتل كل رغبة باطلة سيئة تبعدنا عن ينبوع الحياة. الكمال غريب عن هذا الكون، وقد أوضح آباؤنا القديسون، أنه سعي حثيث مستمر وجهاد يومي. سنعثر ونقع كثيراً ما دمنا فوق التراب. غير أن إدراك بعضا من هذا، من شأنه أن يغيّر حياة الإخوة الخمسة ليختبروا حلاوة وجه الله ويرتموا في حضن الآب. هناك يستريح من ظنّنا عندما دفنّاهم أنهم تحت التراب وفيه يرقدون. رجاؤنا الكبير أن يكون من سبقنا من الأحباء قد أكملوا السعي وجاهدوا الجهاد الحسن، وعزاؤنا الأكبر أن إلهنا لا يحابي الوجوه، ويشرق شمسه على الأشرار والأخيار وأنهم جميعهم عنده يحيون. الحياة لا تعني الاستمرار على الأرض، إنما هي وجود في المسيح، يبدأ هنا ويمتد إلى ما بعد القبر. هناك، عالم جديد وعلاقات جديدة. عالم آخر وأفق جديد للعلاقات البشرية قائم على اتحاد الأشخاص خارج أطر الزواج والانجاب. هناك، وحده الحب يبقى، الحبّ الموجّه بالكلية المطلقة نحو الله الآب. سأموت الآن بإرادتي. سأسمّر عيني على المسيح وصليبه. سأجعل غايتي العيش معه وفيه، علّني أنتفض قائماً قبل أن يغمرني التراب، حتى إذا ما صرت تحته، نهضت لأستمر في اختبار حياةٍ في الله بدأتها وأنا قائم ههنا. ولك أيها الحبيب الراقد أقول: انتظر زماناً يسيراً حتى يكمل الكل فنرنم جميعاً ترنيمة جديدة للجالس على العرش. |
