عِظة للأب كابي حداد
خادم كنيسة مار مارون – أكرا، غانا
الذِّكرى الثانية لانطلاقة رسالة جماعة “أذكرني في ملكوتك”
إنجيل العذارى الحكيمات
باسم الآب والابن والرّوح القدس، الإله الواحد، آمين
إنَّ أَفضلَ طريقَةٍ يَستَخدِمُها الإنسانُ، لإيصالِ فِكرةٍ أو رِسالةٍ أو دَرسٍ ما إلى شَخصٍ مُعَيّنٍ، هي إعطاؤه أمثلةً مِن واقعِ الحياة التّي يَعيشُها. هذا ما كان يَفعَلُه المعلِّمُ الأوَّلُ، يسوعُ المسيح، حين كانَ يُكلِّمُ الجموعَ عن أمورٍ لا يعرفونها، أمورٍ غَيرِ مَحسوسةٍ تتعلَّقُ بِالـمَاورائيّاتِ كالموتِ والملكوت، ما جَعل كلامَه بالنِّسبةِ إليهم مَفهومًا وواضِحًا.
في هذا الإنجيل، أعطى الربُّ يسوعَ سامِعِيه مَثلاً مُعاشًا ومَحسوسًا مِن واقعِ حياتِهم، ألا وهو يَومُ العُرس. إنَّ أعراسَنا اليومَ تَختَلفُ عن الأعراسِ الّتي كانت تُقام قديمًا، خصوصًا مِن ناحيةِ التَّحضيرِ لها. في زمنِ الربِّ يسوع، كانت الأعراسُ تُقامُ مساءً بعد الانتهاء من الصّلاة، وكان على العريس القدومُ إلى بيتِ عروسِه لاصطحابِها إلى بَيتِه. وبما أنَّ الكهرباءَ لم تَكُن مُتَوفّرةً أيّامَ الربِّ يسوع، كانت العذارى يَقُمنَ بإنارةِ الطَّريقِ أمامَ العريسِ والوَفدِ الـمُرافِقِ له مِن خلال إضاءة مصابيحِهنَّ أمامَهم، فيتمكَّنُ هؤلاء من اصطحابِ العروسِ معهم. يُخبرنا هذا النَّص الإنجيليّ عن عَشِر عذارى: خمسٍ منهنَّ جاهلات وخَمسٍ حَكيمات؛ كما يُخبرنا أيضًا أنَّ العذارى العَشَر اصطَحبنَ معهنَّ مصابيحهنَّ عند مَجيئهنَّ إلى هذا العُرس، أي أنّهنَّ جميعًا كُنَّ يَملِكْنَ القُدرةَ على إضاءة الطَّريق، ولكنَّ الجاهلات مِنهنَّ لم يَتَحسَّبن لِتَّأخُرِ العريس، لذا لم يَأخذْنَ مَعهنَّ زيتًا إضافيًّا لإعادةِ مَلءِ مصابيحِهنَّ، في حين أنّ الحكيمات قد فَكِّرنَ في ذلك، فأحضَرْنَ معهنَّ زيتًا إضافيًّا.
في القديم، كان العريسُ يأتي إلى بيتِ العروسِ راكبًا على حِصانٍ، وكان يتمُّ التحسُّبُ لأيِّ طارئٍ قد يُصيبُ الحصانَ واستبدالُه بِحمار، إذ كانت الدَّوابُّ هي وسيلةَ التَّنقُّلِ المتاحةَ آنذاك؛ أمّا اليومَ، فالعروسُ لا تَقبلُ إلّا بالخروجِ من بيتِ أبيها ضمنَ مَوكبٍ من السَّياراتِ الفَخمة.
الآن، سوف ننتقلُ إلى تَحليلِ هذا الـمَثَل، فَنَكتَشِفُ ما إذا كان يَنطَبِق علينا، كمسيحيِّين. في هذا النَّص، العَريسُ هو الربُّ يسوع، والعُرسُ هو يومُ لِقاء المؤمِنِ بالربِّ يسوع وَجهًا لِوجه. إنّ القِنديلَ أو الـمِصباحَ هو الّذي يَحملُ النُّور، والنُّورُ هو الحقيقةُ الإلهيّةُ الّتي تتجلَّى في حياتِنا، أي حقيقةُ الربِّ، إنَّها الإيمانُ الّذي زَرَعَه الربُّ في حياتِنا بالنِّعمة. وَكم مِن الوسائلِ وَهَبنا إيّاها اللهُ لنُحافِظَ من خلالِها على هذا النُّورِ في حياتِنا!
إنّ الوَحيَ الإلهيَّ الّذي أعطانا إيّاه اللهُ من خلالِ أنبيائِه ومُرسَليه هو إحدى تِلك الوسائل، فأعطانا كَلِمَتَهُ المقدَّسةَ من خلالِ الكِتابِ المقدَّسِ بِعَهدَيهِ القديمِ والجديد. ثمّ أعطانا اللهُ ابنَه يسوعَ الّذي تَجسَّدَ من أجلِنا، ثمّ أعطانا الرُّوحَ القدُسَ الّذي يَقودُنا ويُنيرُ طَريقَنا نحوَ الله. ثمّ أعطانا اللهُ الكَنيسَةَ، تلك العائلةَ الكامِلَةَ الّتي فيها نعيشُ سرَّ بُنُوَّتِنا الحقيقيّةِ لله، وحقيقةَ أُخوَّتِنا للبشريّةِ جمعاء. ثمَّ أعطانا اللهُ الأسرارَ، كالمعموديّةِ والتَّثبيتِ والافخارستيَّا، لِتَكونَ لنا وسيلةً للقداسةِ ولامتلائِنا من النِّعمة. وأعطانا اللهُ أيضًا مريمَ العذراء أُمًّا لنا جميعًا كي تُعلِّمَنا وتُرافِقَنا وتَشفعَ بنا عند الله. كما أعطانا اللهُ أيضًا القدِّيسِين ليَكونوا مِثالاً لنا في القداسة، ومِن بينهم الطوباويُّون الثّمانيةُ الّذين تمَّ إعلانُ قداستِهم في روما منذ فترةٍ وَجيزةٍ، وقد تَمَّ رَفعُهُم على مذابح الكَنيسة، لأنَّهم عاشوا حياتَهُم الأرضيّةَ وِفقَ مَشيئةِ الله، على مِثال القدِّيسِين الّذين سَبقوهم أمثالَ مارون وشربل ورَفقا واسطفان.
إخوتي، علينا أن نسهرَ على قِنادِيلِنا كي تَبقى مُضاءةً، من خلالِ قِيامِنا بالأعمالِ الصالحةِ الّتي تُشكِّلُ نُورَه. كما علينا أن نسهرَ كي يكونَ الزَّيتُ الّذي به نَملأ قِنادِيلَنا نَقيًّا وصالحًا، فيَكونَ نُورُ هذا القنديلِ أكثرَ إشعاعًا، وبالتَّالي قادرًا على إضاءةِ الطَّريقِ أمامَنا، لأنّه بِعكس ذلك، لن يَكونَ نورُ هذا القِنديلِ قادرًا على إضاءةِ الطَّريقِ لنا.
إذًا، إخوتي، فلنسَهرْ كي تبقى مصابيحُنا مُضاءةً فَتَتمكَّنَ مِن إنارةِ الطَّريقِ أمامَنا وأمامَ كُلِّ من يُحيطُ بنا. ولنَتَذكَّرْ دائمًا أنّنا لا نَعرفُ متى يأتي العريس، لذا علينا أن نبقى مستعدِّينَ للقائِه بمصابيحَ ممتلئةٍ زيتًا. إنَّ القِنديلَ الـمُشتَعلَ هو علامةٌ على حُبِّنا للربِّ وإيمانِنا الـمُطلَقِ به، فالإيمانُ يَموتُ إن لَم نُغذِّهِ مِن زَيتِ الأعمالِ الصَّالحة.
في ختامِ هذا النَّص، يَدعونا الربُّ إلى الاختيارِ بين أن نكونَ عَذارى حكيماتٍ أو جاهلات، وهذا يعني أنّه إذا لَم نَكُن حارِّين ولا بارِدين فإنّ الربَّ سَوف يَتَقيَّؤُنا من فَمِه، كما يقولُ لنا سِفرُ الرُّؤيا. لذا، فلنَخَترْ إخوتي أن نَكونَ مِن العذارى الحَكيماتِ، المستعدَّاتِ للقاءِ العريسِ عندَ وصولِه إلى العرس، فلا نَسمعُه يقولُ لنا ما قالَه الربُّ يسوعُ للجاهلات: إنِّي لا أعرفكُّن؛ بل أدخلنَ إلى فَرَحِ سيِّدِكُنَّ. للربِّ المجدُ إلى الأبد. آمين.
ملاحظة: دُوِّنت العظة بأمانةٍ من قِبَلِنا.
