عِظة للخوري موريس معوض
خادم رعيّة مار تقلا – المروج، المتن
إيمان القدّيسة أكويلينا،
الذكرى 18 لانتقال الطفلة غاييل وليد سلامه مع جماعة “اُذكرني في ملكوتك”
اليومَ، نلتقي معًا لِنَحتَفِل بِثَلاثِ مُناسباتٍ: الأُولى، هي عِيدُ الطِّفلةِ الشَّهيدة أكويلينا الجُبيليّة، ابنةِ الاثنَتَي عشرةَ سنةً، الّتي احتَفَلَتِ الكَنيسَةُ بِعِيدِها يومَ السَّبتِ الماضي؛ الثّانية، هي لقاءُ جماعةِ “أُذكرني في مَلكوتِكَ” السَّنويّ؛ أمّا الثّالثة والأخيرة، فهي ذِكرى الطِّفلةِ الحبيبة غاييل وليد سلامة. إنطلاقًا من هذه المناسباتِ الثّلاث، أحبَبْتُ أن تكونَ القدِّيسةُ أكويلينا هي عنوانُ لِقائنِا اليوم.
لماذا أكويلينا؟ وُلِدَتِ القدِّيسةُ أكويلينا سنة 280 م. وفي عُمرِ الاثنَي عَشَر عامًا، تَمكَّنَت مِن إخافةِ الوالي بِجرأتها وإيمانِها بالربِّ يسوع. حاول هذا الوالي إقناعَ هذه القدِّيسةِ بِاتِّباع الأصنام وإنكارِ إيمانِها بالربِّ يسوع، ولكنَّه لَم يُفلحْ في مَهمَّته هذه. لذا، أمَرَ الوالي خُدَّامَه بِغَزرِ أعوادٍ من الحديدِ الحاميةِ في رأس هذه القدِّيسة، فسال دِماغُها، فاعتقَدَ هؤلاءِ بأنّها ماتت، وقاموا بِرَميِها خارجًا. ولكنَّ اللهَ أرسلَ إليها ملاكَه، فنَجَّاها من الموت؛ فقامت هذه القدِّيسةُ وانطلَقَتْ مُجدَّدًا نحو الوالي بِكُلِّ جرأةٍ، غيرَ خائفةٍ من اللِّقاءِ به. ولأنّ صوتَ الضَّميرِ يُوجِعُ الإنسان، أمرَ الوالي خُدَّامَه بأن يَقطَعوا رأسَها، ففَعلوا ونالتْ إكليلَ الشَّهادة، وهي ابنةُ اثنَتَي عشرةَ سَنة.
إنَّ القدِّيسةَ أكويلينا لَيسَتِ الطِّفلةَ الشَّهيدةَ الوحيدةَ في الكنيسة، ولكنَّ الكنيسةَ قد لا تكونُ على عِلمٍ بأسماء كلِّ الأطفالِ الشُهداء نتيجةَ إيمانِهم بالربِّ يسوع. إنّ البراءةَ والطُّفولةَ تُشكِّلان مدرسةً لنا في الإيمان، ولكنَّ المدرسةَ الكُبرى لنا هي مدرسةُ الشَّهادة. في الكنيسةِ، هناك نَوعانِ من الشَّهادة: الشَّهادةُ بالدَّم والشَّهادةُ البيضاء.
إنّ الشَّهادةَ بالدَّم هي عملٌ بُطوليّ اختبرَه بعضُ القدِّيسين، أمّا البَعضُ الآخر مِنهم فقد اختبروا الشَّهادةَ البيضاءَ الّتي تقومُ على الشَّهادةِ للإيمانِ بالربِّ يسوع من خلالِ أحداثِ حياتهِم اليوميّة، وعلى سبيلِ الِمثال لا الحصر القدِّيسُ شربل والقدِّيسُ نعمة الله الحردينيّ والقدِّيسةُ رفقا، والأخُ إسطفان والبطريرك إسطفان الدويهي وأيضًا البطريرك الياس الحويك. إنّ المُلْفِتَ في القدِّيسةِ أكويلينا هو أنّها مِن خلال شهادتِها أعطَت معنًى لِكُلِّ مَن فَقَد أحدَ أبنائِه بالموت، كما أعطَتْنا من خلالِ طفولتِها أن نُدركَ أنّ الطُّفولةَ هي مَدرسةٌ مليئةٌ من نِعم الربِّ وبركاتِه السَّماويّة لنا، نحن المؤمِنِين به. صحيحٌ أنّه ليس من السَّهلِ على الأمِّ والأبِ أن يتقبَّلا فقدانَ أحدِ أبنائِهما، فوَجعُ موتِ الأبناءِ يبقى مطبوعًا في قلوبِ والِديهم؛ ولكنَّ حديثَنا اليوم يَنطلقُ من كونٍنا أبناءَ الإيمان. بعدَ قليل، سوف نتلو “قانون الإيمان” الّذي فيه نُعدِّدُ الأمورَ الّتي نؤمنُ بها. وهنا، نَطرحُ السُّؤال: إذا كنّا لا نؤمنُ بما نتلوه في قانونِ الإيمان، فما الفائدةُ مِن تلاوته إذًا؟ بمعنى آخر، إذا كانت حياتُنا اليوميّة لا تُعبِّرُ عن إيماننا، فهذا يعني أنّنا نعيشُ ازدواجيّةً في حياتِنا ما بين تَفكيرِنا ونَمطِ حياتِنا.
في هذا اللِّقاء أيضًا، نَذكرُ مسيرةَ جماعةِ “أذكرني في ملكوتِكَ” الّتي لَم تَكُنْ سَهلةً أبدًا. “أذكرني في ملكوتِكَ” هي عبارةٌ قالها اللِّصُّ اليمين للربِّ يسوع على الصّليب، فتمَّكنَ من خلالها من الحصول على السَّماء في آخر لَحظةٍ من حياته. إخوتي، لا يستطيعُ أحدٌ منّا، نحن الحاضرين اليومَ هنا، التّأكيدَ على حصوله على السَّماء، لأنّ ذلك يتطلَّبُ منّا جِهادًا متواصِلاً يوميًّا، فكلُّ لحظةٍ من حياتنا يَجبُ أن تكونَ لتمجيد الربِّ كي نستحقَّ أن نقولَ للربّ: “أُذكرني في ملكوتِكَ”. كما نَذكرُ اليومَ في لقائِنا مع هذه الجماعةِ جميعَ أمواتِنا ونسألُ اللهَ أن يُفيضَ عليهم مراحمَه الإلهيّة؛ ونخصُّ بالذِّكر أولئك الّذين أمضوا حياتَهم على الأرض من دون أن يُدرِكوا وجودَ الربِّ يسوع إلى جانبهم، فكان الربُّ يسوع بالنِّسبة إليهم غيرَ موجودٍ أو مِن آخر أولويّاتِ حياتِهم الأرضيّة. كما نذكرُ أيضًا شُهداءَ الحروبِ الأبرياء الّذين ماتوا وهُم لا علاقةَ لهم بها، ونخصُّ بالذِّكر ثماني عشرةَ عائلةً في جنوب لبنان تمَّ مَحوُها من سجّلات النُّفوس إذ مات كلُّ أفرادِها. إنّه من الصَّعب جدًّا على الإنسان القبولُ باختفاء عائلاتٍ بأسرِها من الوجود! هل تخيَّلَ أحدُكم أن يَحدث معه ذلك؟!
إنّ مِثلَ هذه الأحداثِ لا تَدفعُنا، نحن أبناءَ الإيمان، إلى اليأس، بل إلى الاستعداد ليوم لقائِنا بالربّ، فنسعى كي يكونَ كلُّ نَفسٍ من حياتنا لتمجيد الربِّ، أَكُنّا صِغارًا أم كِبارًا، متزوِّجين أم مكرَّسين أم بَتوليِّين. إخوتي، إنّ الربَّ يسوع لَم يَضع على المؤمِنين به شروطًا لِيَمنحَهم السّماء، كأن يَكونوا مكرَّسين له في الكهنوت أو في حياةٍ رهبانيّة، بل هو يمنحها لَهم من دون أيِّ شروطٍ. هنا، أودُّ أن ألفِتَ نَظرَكم إلى بعض القدِّيسين الّذين احتَفَلنا بأعيادهم مُنذ فترةٍ وجيزةٍ من الزَّمن في الكَنيسة، كالقدِّيسة ريتا على سبيل المِثال، الّتي كانت متزِّوجةً، ثمَّ دَخلَتْ إلى الدَّير بعد أن أصبحت أرملةً، لِتُتابِعَ مَسيرتَها الأرضيّة وِفقَ الدَّعوةِ الّتي دعاها إليها الربّ. إذًا، القداسةُ ليست مرتبطةً بِثَوبٍ نَرتديه، إنّما هي نتيجةُ جِهادٍ مُتواصلٍ نَعيشُه في حياتنا اليوميّة، من خلال احتمالِنا للصُّلبان في حياتنا. إنَّ حَملَنا الصَّليبَ يترافقُ مع قُبولِنا احتمالَ الآلام الّتي تنتج عنه. إخوتي، إنّ احتمالَنا صُلبانَ حياتِنا في مسيرتنا الأرضيّة سيقودُنا دونَ شكَّ إلى “أُذكرني في مَلكوتِكَ”، أي إلى أن نكونَ مع الربِّ في السَّماء. فَهذه هي نِهايةُ الصّليب!
في الخِتام، أودُّ أن أُحيِّي جميعَ أعضاءَ جماعةِ “أُذكرني في ملكوتِك” في رعيّتنا، كما نُحيّي أيضًا جميعَ أعضائِها في رعايا لبنانَ وبُلدانِ الانتشارِ كافَّةً. ونسألُ اللهَ أن يُفيضَ نِعمَهُ وعَطاياهُ الوافرةَ علينا وعلى عائلاتنا ورعايانا، فنكونَ مستعدَّين للقائه لا بِخوفٍ، إنّما بِفَرحٍ. آمين.
ملاحظة: دُوِّنت العظة من قِبَلِنا بأمانة.
