تفسير الكتاب المقدّس

الأب ابراهيم سعد

إنجيل القدّيس مرقس الرّسول – الإصحاح التاسع (1-32)

1 “وَقَالَ لَهُمُ: “الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ ههُنَا قَوْمًا لا يَذُوقُونَ الْمَوْتَ حَتَّى يَرَوْا مَلَكُوتَ اللهِ قَدْ أَتَى بِقُوَّةٍ”(مر 9: 1): إنَّ الآيةَ الأُولى مِن هذا الإصحاحِ تُشكِّلُ تَكمِلةً لِحَديثِ الربِّ يسوعَ مع تلاميذِه في الإصحاحِ الثَّامن، حَولَ مَصيرِ المؤمِنِ الّذي يَخجلُ مِن إعلانِ إيمانِه بالربِّ يسوعَ أمامَ الآخَرين.

إستنادًا إلى هذهِ الآية، اعتقدَتْ الكَنيسةُ الأُولى أنَّ المجيءَ الثَّاني للربِّ سَيَكونُ قَبلَ وَفاةِ الّذينَ عاصَروه في حياتِه الأرضيّة، غير أنَّ الربَّ يسوع لم يَقصد ذلك. لذا، اجتَهَدَ مُفسِّرو الكِتابِ المقدَّسِ على معرفةِ ما الّذي قَصَدهُ الربُّ في هذه العبارة: فاعتَبَر قِسمًا مِنهم أنَّ الربَّ أرادَ الإشارةَ مِن خلالِ هذه العِبارةِ إلى التّلاميذِ وإلى كلِّ مَن يَتبعه، أي إلى أولئكَ الّذِينَ عاشوا حياةً مَلَكُوتيَّةً على هذه الأرض؛ فيما اعتَبَر قِسمٌ آخَر من مُفسِّري الكِتابِ المقدَّسِ أنَّ الربَّ أرادَ الإشارةَ بِكلامِه هذا إلى الموتِ الأخيرِ لا إلى الموتِ الجسديّ، إذ لن يَذوقَ المؤمِنون به الموتَ الأخيرَ بعدَ مَوتِهم الأرضيّ لأنَّهم سيَكونونَ معه في الـمَلَكوت. بالنِّسبة إليّ، أجِدُ أنَّ التَّفسيرَ الأَوَّل هو الأقربُ إلى الحقيقةِ، إذ يَبدو مِنَ المنطقيِّ أنْ يُعايِنَ الّذين تَمكنَّوا مِن رؤيتِه بِعيون الجسدِ، حَدثَ قِيامَتِه مِن بَينِ الأمواتِ، وهذا أمرٌ أساسيٌّ للإيمانِ به. إذًا، المقصودُ هُنا بكلامِ الربِّ هو رؤيةُ المؤمِنِين به افتِتاحَه مَلكوتَ الله بِحَدثِ القيامة.

2 “وَبَعْدَ سِتَّةِ أَيَّامٍ أَخَذَ يَسُوعُ بُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا، وَصَعِدَ بِهِمْ إلى جَبَلٍ عَالٍ مُنْفَرِدِينَ وَحْدَهُمْ. وَتَغَيَّرَتْ هَيْئَتُهُ قُدَّامَهُمْ.”:  إنَّ عِبارةَ “بَعدَ سِتَّةِ أيّامٍ”، تُشيرُ إلى وجودِ يومٍ سابِعٍ، وبالتَّالي فإنَّ هذا الحَدثَ تَمَّ في اليَومِ السَّابِع. إنَّ بُطرسَ ويَعقوبَ ويوحنَّا يُشكِّلون أَعمِدةَ الكَنيسةِ في أُورَشَليم، حَسبَ سِفرِ أعمالِ الرُّسل. إنَّ الربَّ يسوع لم يَكتفِ بِاصطحابِ تِلميذَين معه فقط إلى الجبلِ، بل أخَذَ معه ثَلاثة، لَتَكونَ شهادتُهم أمامَ الآخَرين شهادةً دامغةً لا لُبسَ فيها. إنَّ عِبارةَ “وَتَغَيَّرَتْ هَيْئَتُهُ قُدَّامَهُمْ” تَعني أنَّ الربَّ قد أزاحَ سِترَ الإنسانيّةِ عن وَجهِه، لِيَتَمكَّنَ تلاميذُه مِن اكتشافِ قوَّتِه الإلهيّة.

3 “وَصَارَتْ ثِيَابُهُ تَلْمَعُ بَيْضَاءَ جِدًّا كَالثَّلْجِ، لا يَقْدِرُ قَصَّارٌ عَلى الأَرضِ أن يُبَيِّضَ مِثْلَ ذلِكَ”: مِن خلالِ هذهِ العِبارةِ، أرادَ الإنجيليُّ مَرقس أن يُركِّزَ على النُّورِ الّذي كان يُشعُّ مِنَ الربّ.

4 “وَظَهَرَ لَهُمْ إِيلِيَّا مَعَ مُوسَى، وَكَانَا يَتَكَلَّمَانِ مَعَ يَسُوعَ”: هنا، نَطرحُ السُّؤالَ: كَيفَ عَرفَ التَّلاميذ أنَّ الواقِفَين إلى جانبِ يَسوع هُما موسى وإيليّا، خصوصًا أنّهم لا يَعرفونَهما شَكلِيًّا لأنّهم لم يُعاصِروهما؟ بالطَّبعِ، إنَّ الربَّ يسوع هو الّذي كَشَفَ لهم عن هويّتِهما. إنّ النبيَّ موسى هو صُورةٌ عن النَّبيّ الحقيقيّ، فَهو الّذي قال للشَّعبِ اليهوديّ: “يُقِيمُ لَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِكَ مِنْ إِخْوَتِكَ مِثْلِي. لَهُ تَسْمَعُونَ” (تث 18: 15)، وهو حاملُ وَصايا الله للشَّعبِ وقائدُهم مِن العُبوديَّةِ نحو الخلاص. أمّا بالنِّسبة إلى النَبيّ إيليّا، فكان اليَهودُ يَنتَظرونَ مَجيئَه قَبل مَجيءِ الـمَسِيَّا، أي الـمُخلِّصِ المنتَظر، مُختارِ الله.

مِن خلالِ هذا المشهدِ الإنجيليِّ، يَشهدُ العهدُ القديمُ للربِّ يسوع أنَّه المسيحُ المنتَظرُ، مِن خلالِ حضورِ النَّبيِّ موسى الّذي أعطى الشَّريعةَ الإلهيّةَ للشَّعب وحُضورِ النَبيِّ إيليّا الّذي هو أحدُ أهمِّ الأنبياء عند الشَّعب، وبالتّالي لم يَعُد هناكَ مِن سَببٍ عند اليَهود لِرَفضِ المسيح. إنّ حَدَثَ التَّجلِّي، الّذي دوَّنَه الإنجيليُّ مَرقس في هذا الإصحاحِ، ليسَ أُعجوبةً قامَ بها الربُّ يسوعُ أمامَ تلاميذِه، بل هو حَدثٌ تَحضيريٌّ لِمَوتِ الربِّ وقِيامَتِه. إنّ ظهورَ هذَين النَبِيَّين مِن العهدِ القديمِ إلى جانبِ يسوع على الجبلِ يَهدفُ إلى الإعلانِ عن انتهاءِ مفاعيلِ العهدِ القديمِ وإلى تَسليمِهما المسيرةَ بِشكلٍ كاملٍ للربِّ يسوع، مُختارِ الله، أي مَسيحِه. إنَّ كلامَ موسى وإيليّا مع الربِّ يُشيرُ إلى إعلانِهما الطّاعةَ الكامِلةَ له.  

5 “فَجَعَلَ بُطْرُسُ يَقولُ لِيَسُوعَ: “يا سَيِّدِي، جَيِّدٌ أَنْ نَكُونَ ههُنَا. فَلْنَصْنَعْ ثَلاَثَ مَظَالَّ: لَكَ وَاحِدَةً، وَلِمُوسَى وَاحِدَةً، وَلإِيلِيَّا وَاحِدَةً”. إنّ اقتراحَ بُطرسَ صناعةَ الخِيَمِ تَعكسُ مدى تَمسُّكِه ورفاقِه بِتَفكيرِهم البَشريِّ الأرضيّ.

6 “لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ إِذْ كَانُوا مُرْتَعِبِينَ.”(مر 9: 6). في هذهِ الآية، يُحاولُ الإنجيليُّ مَرقس إعطاءَ تَبريراتٍ وتَفسيراتٍ لِتَصرُّفاتِ بُطرس، الّتي تَعكسُ تَفكيرَه الأرضيّ.

“وَكَانَتْ سَحَابَةٌ تُظَلِّلُهُمْ. فَجَاءَ صَوْتٌ مِنَ السَّحابَةِ قائِلًا: “هذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ. لَهُ اسْمَعُوا”.”: إنَّ عِبارةَ “سَحَابةٌ” تُذكِّرنا بالعهدِ القديمِ، فَهي تَرمزُ إلى حضورِ الله مَع شَعبِه، حين كان هذا الأخيرُ في الصَّحراء. إنَّ تَظليلَ السَّحابةِ للموجودين على الجَبلِ دَليلٌ على رُبوبيّةِ يسوعَ وأُلوهِيَّتِه. إنَّ الصَّوتَ الّذي سُمِع مِنَ السَّحابةِ يُذكِّرنا بالصَّوتِ الّذي سُمعَ من السّماءِ أثناءَ معموديّةِ يسوعِ على نَهر الأُردنّ، قائلاً: “هذا هو ابْنِي الحبيبُ الّذي بِه سُررِت” (متى 3: 17).

إنَّ إعلانَ اللهِ الآبِ مَسرَّتَه بِالابنِ يسوعَ المسيح في حَدَثِ المعموديّةِ يَدلُّ على أنَّ الربَّ يسوعَ يُحقِّقُ مَشيئةَ أبيهِ السَّماويّ. أمَّا في حَدَثِ التَّجلِّي، فنُلاحظُ أنَّه تَمَّ إستبدالُ عِبارةِ “الّذي بِه سُرِرت” الّتي قِيلَت عن يسوعَ في المعموديّةِ، بِعبارةِ “له اسمَعوا”. إنَّ عِبارةَ “له اسمَعوا” تُذكِّرنا بسِفرِ تَثنِيَةِ الاشتِراع، الّذي فيه نَقرأُ قَولَ اللهِ لِشَعبهِ: “اِسمَعْ يا إسرائيل” (تث 6: 4)، قَبلَ البَدءِ بِإعلانِه الوَصايا لِلشَّعبِ. ومِن خِلال تَكرارِ هذه العِبارةِ هُنا، نُدرِكُ أنّ اللهَ أرادَ أن يُعلِنَ للتّلاميذِ أنَّ الربَّ يسوعَ هو مُعطي الوَصيّةِ الجديدة، ولذا على الشَّعبِ السَّماعُ له وطاعَتُه. إنَّ كَلِمةَ “الحَبيب”، تُشيرُ إلى أنَّ هذا الابنَ، أي يسوعَ، هو الَّذي اختارَه اللهُ لإعلانِ البِشارةِ للنَّاس، فهذا الابنُ هو مَصدرُ سرورِ اللهِ الآبِ مِن خلال طاعتِه الكامِلةِ له. 

8 “فَنَظَرُوا حَوْلَهُمْ بَغْتَةً وَلَمْ يَرَوْا أَحَدًا غَيْرَ يَسُوعَ وَحْدَهُ مَعَهُمْ.”: بَعدَ أنْ شَهدَ اللهُ لابنِهِ يسوعَ أمامَ الرُّسلِ طالبًا مِنهُم أن يَسمعوا له، لم يَعُد هُناكَ مِن مُبرِّرٍ لِوجودِ أيِّ نَبيٍّ إلى جانبِ يسوع، لذا كان لا بُدَّ لموسى وإيليّا من أن يَختفيا، كي لا يَقعَ التّلاميذُ في حَيرةٍ حول مَن عَلَيهم أن يَسمَعوا. إنّ مَشهدَ التّجلِّي هو نِعمَةٌ أُعطِيَت للتَّلاميذِ، والنِّعمةُ لا تَدوم.

إنّ النِّعمةَ هي وَمضاتٌ إلهيّةٌ، أو رِسائلُ خاصَّةٌ يُرسِلُها اللهُ إلى الإنسانِ، وبالتَّالي على هذا الأخيرِ أن يَقرأَها جَيّدًا ويَستفيدَ مِنها. إخوتي، يَعتَقِدُ الكَثيرون مِنَّا أنَّ النِّعمةَ تأتي إلَينا فقط على شَكلِ شُعاعٍ مِن نورٍ لِتُضيءَ حياتَنا، غير أنّ ذلكَ غيرُ صحيحٍ؛ فالنِّعمةُ قد تأتي على شَكلِ ضِيقةٍ أو مَرضٍ أو حتّى مَوتٍ. إنّ الموتَ قد يَتحوَّلُ إلى نِعمةٍ بالنِّسبة إلى المؤمِن، إذا أدرَكَ هذا الأخيرُ كَيفيّةَ قراءةِ هذا الحَدَثِ في حياتِه، وهذا الأمرُ يتطلَّبُ طلبَ الإنسانِ نِعمةً مِن القدِّيسِين لِمُساعدتِه على التَّمييز. إخوتي، إنَّ اللهَ لا يَهدفُ إلى مَوتِ أحبّائنا، بل إنّ نِعمتَه تأتي إلى المؤمِن مِن خلالِ هذا الحدثِ الّذي يرى فيه الكَثيرونَ مُصيبةً، فيَراه نِعمةً له أو فرصةً له. في المسيحيّة، لا صُدَفَ، إنّما نِعَمٌ من الله أو فُرصٌ يمنحُنا إيّاها الربُّ، فيُعبِّرُ اللهُ لنا مِن خلالِها عن محبِّته وعن اختيارِه لنا. إنَّ مشكلةَ المؤمِنِ تَكمنُ في أنّه ينتَظرُ مِن اللهِ أن يُرسِلَ إليه نِعمًا بِطريقةٍ مُحدَّدةٍ، فيُرسِلُها إليه بِشَكلٍ مُغايرٍ لِتَوقُّعاتِه، فلا ينتَبِهُ لها وتَضيعُ مِنه مِن دون أن يَستَفيدَ مِنها. إخوتي، قَد تَحِلُّ مُصيبةٌ بالإنسانِ، فتَهدِمُ كُلَّ شيءٍ حَولَه، ولكنَّها لا تَلبثُ أن تَتحوَّل إلى ثِمارٍ لا يَسوغُ النُّطقُ بها، تُعاشُ ولا تُحكى. إليكُم مِثالاً توضيحيًّا لِمّا أقول: في الحَربِ الدَّائرةِ في وَطنِنا، قُصفَ العديدُ مِن المناطِق، وإذْ بِصاروخٍ يَسقُط في منَطقةٍ مُعيَّنةٍ ويَقتلُ كُلَّ الموجودينَ في تِلكَ المنطقةِ، وكان عددُهم ثلاثةَ أشخاصٍ، إضافةً إلى ظهورِ نبعِ ماء.

إنّ ما حَدَثَ هو في الحقيقةِ مُصيبةٌ، غيرَ أنَّ الكَثيرينَ يتجاهلون رؤيةَ يَنبوعِ الماء الّذي أحدَثَه وقوعُ هذا الصَّاروخِ في هذه الـمِنطقة. إخوتي، هذا لا يعني أنّ الصّاروخَ هو أمرٌ حسنٌ، بل يَبقى مُصيبةً؛ ولكنَّ هذه الـمُصيبة، أَنتَجَت نِعمةً على الجميعِ السَّعيُ للاستفادةِ مِنها. إنّ اللهَ لا يُحبُّ الـمَرَضَ بل يُحبُّ المريضَ، وهو لا يُحبُّ الفَقرَ بل يُحبُّ الفَقيرَ، ولا يُحبُّ الموتَ ولكنَّه يُحبُّ الإنسانَ المنتَقِلَ مِن هذه الأرضِ إليه؛ فالـمَرَضُ والفَقرُ والموتُ تَبقى مَصائبَ تواجِهُ الإنسانَ في حياتِه. إنّ مَصائبِكَ غيرُ قادرةٍ على مَنعِ الله مِن التَّدخلِ في حياتِكَ، لذا عليكَ أن تسعى إلى رؤيةِ “إصبَعِ الله” في حياتِكَ. إذا كُنتَ مؤمِنًا بالله، فهذا يعني أنَّك قادرٌ على اكتشافِ تَدخُّلاتِ اللهِ في حياتِكَ؛ وإنْ لم تَستِطعْ أن تَكتَشِفَها وَحدَك، فأنتَ مَدعوٌ إلى السَّماحِ للهِ بأنْ يَكشِفَها لكَ. أمّا إذا كُنتَ مُستَسلِمًا للغَمِّ واليأسِ، فهذا يعني أنَّك تَنظرُ بِسَوداويّةٍ إلى الأمور مِن حولِكَ، وبالتّالي لن تَتمكَّنَ مِن اكتشافِ تَدخُّلاتِ اللهِ في حياتِكَ، ممّا يعني أنّكَ ستُضَيِّعُ العديدَ مِن الفُرَص أو النِّعَم الّتي يُرسِلُها إليكَ الله.

هنا، أتذكَّرُ قِصَّةً مِن الأدبِ اليَهوديّ، وأرغبُ في مشارَكِتكم إيّاها. في الأدبِ اليَهوديّ، نقرأُ قِصَّةَ رَجُلٍ مُلتزِمٍ إيمانيًّا، سأل اللهَ يومًا أن يُعطيَه عَلامةً تُؤكِّدُ وجودَه ومحبَّتَه له، فوافَق الله مُعطيًا إيّاه موعدًا لذلك. فتَهلَّلَ الرَّجلُ لأنّه سيَلتَقي بالربِّ وسيَحصُلُ على مُبتَغاه. وفي اليوم الـمُحدَّدِ لهذا اللِّقاء، وعند اقترابِ موعدِ هذا اللِّقاء، تَرَك هذا الرَّجلُ عَمَلَه مُسرِعًا مُتَوجِّهًا إلى مكانِ اللِّقاء. وبَينما هو في الطَّريقِ، أوقَفَه فَقيرٌ سائلاً إيّاهُ المساعدة، فَرَفَضَ مساعدتَه لأنَّه في عَجلةٍ مِن أمرِه، وتابَع سَيرَه.

وحين وَصَلَ إلى بَيتِه، سَمِع صَوتَ تَهليلٍ، فسألَ عن السَّببِ فكانَ الجوابُ أنَّ ابنَتَه أنجَبَتْ مولودًا، فلَم يأبَه لِذلك، وتابَع سَيرَه نحو المكانِ المحدَّدِ للقاء الربّ. وعندما وَصَلَ إلى المكانِ، جَلس مُنتَظِرًا مَجيءَ الربِّ إليه لإعطائِه دليلاً على مَحبَّتِه له، ساعاتٍ طويلة، ولكنَّ الربَّ لم يأتِ، فَحزِنَ الرَّجلُ جدًّا وعادَ إلى منزِله. في اليومِ التَّالي، حَضرَ إليهِ الرَّبُّ وسألَه عن سَببِ حُزنِه، فقالَ له المؤمنُ إنّه تَفاجأَ مِن عدمِ حضورِه في الأمسِ إلى المكانِ الـمُحدَّدِ للِّقاء به، ولِذَلكَ هو حزينٌ. فقالَ له الربُّ إنّه لم يتخلَّفْ عن مَوعِدِه، بل حَضرَ إليه مِن خلالِ الفَقيرِ والمولودِ الجديدِ في عائلتِه ولكنَّه لم يأبَه لذلك. إخوتي، إنْ كُنتُم تَرغبونَ في لقاءِ الله، لا تتوَّقَفوا عن العَملِ كما فَعلَ هذا الرَّجلُ، بل على العكسِ من ذلك، تابِعوا عَمَلَكم لأنَّ الربَّ قادرٌ على اللِّقاء بكم في كُلِّ أحداثِ حَياتِكم. عِيشوا حياتَكم اليَوميّةَ ولا تَطلبوا الألمَ لتَتَمكَّنوا مِن لقاءِ الربِّ ومِن عَيشِ القداسة، كما فَعل بعضُ القدِّيسين، فهؤلاء قد تَقدَّسوا مِن خلالِ لقائِهم بالمسيح، ومِن خلال عَيشِهِم كلمتَه في حياتِهم في كُلِّ الظّروف. إذًا، ليس المطلوبُ مِنَّا كمؤمِنين، أن نَسعى وراءَ الألمِ كي نَصِلَ إلى القداسة، لأنّنا نَستطيعُ الوصولَ إليها مِن خلالِ عَيشِنا كَلِمةَ الله في حَياتِنا ومِن خلالِ سَعيِنا إلى رؤيةِ “إصبَع الله” في حياتِنا.

إذًا، إخوتي، نحن نَستطيعُ أن نَسمعَ صوتَ اللهِ يَقولُ لنا: “أنتَ ابني الحبيب”، في كُلِّ أحداثِ حياتِنا، الـمُظلِمةِ مِنها كما الـمُفرِحة. وحينَ نَسمعُ هذه الكَلِمةَ مِن الربِّ، علينا أن نُدرِكَ أنّ الله يريدُ إعطاءنا نِعمةً مُعيَّنةً، وهو غيرُ قادرٍ على تأجيلِها بانتِظارِ أن تَتحسَّنَ ظروفُ حياتِنا، لِنَتمكَّنَ مِن اكتشافِ حضورِه في حَياتِنا. إنَّ نِعَم الله للإنسانِ هي نَفحاتٌ مِن الله يَتنفَّسُ مِن خلالها الإنسان. وإذا أرَدْنا مَعرفةَ نِعَمِ اللهِ في حياتِنا، فَعَلينا أن نَبدأ بِعَدِّ النِّعمِ مُنذ لحظةِ استيقاظِنا: فاستيقاظُنا في صباحِ كلِّ يومٍ هو أوّلُ رسالةٍ إلينا مِن الله، وإغماضُ عيوننِا في اللَّيلِ هو آخرُ رِسالةٍ من اللهِ إلينا. أريد أن أعرِضَ عليكم تَمرينًا وأدعوكم إلى تَجربَتِه: دوِّنوا على ورقةٍ بيضاءَ من جِهةٍ الأمورَ الإيجابيّةَ ومِن جهةٍ أُخرى الأمورَ السَّلبيّةَ الّـتي تَستوقِفُكم في يومٍ واحدٍ من حياتِكم، ثمّ حاولوا أن تُحصُوها في المساء؛ ستُلاحِظون أنَّ عددَ الأمورِ السَّلبيّةِ الّتي دوَّنتُموها يَفوقُ عددَ الأمورِ الإيجابيّة. إخوتي، نحن مدعوّون إلى التَّركيزِ على الأمورِ الإيجابيّةِ الّتي تَحصُل معنا، إنّها نِعمٌ من اللهِ تُعطى الله. يُحكى أنّ شابًا كان يَبحثُ عن ظهوراتٍ وأعاجيبَ لِيُؤمِنَ بِوجودِ الله، فاستوقَفه رجلٌ عجوزٌ قائلاً له: أُنظر إلى الوردةِ المزروعةِ في الحديقةِ، إنّها شاهدةٌ على وجودِ الله. فأجابَه الشَّابُ: أنتَ تُعطي قيمةً وأهميّةً للأمورِ أكثرَ ممّا تَستحقّ. فأجابَه العجوز: هل تَستطيعُ أن تَصنَع وَردةً مِثلَها! إذًا، إخوتي، إنّ نَظرتَنا إلى العالَمِ مِن حَولِنا هي الّتي تُساعدُنا على اكتِشافِ حضورِ الله في العالَم، وفي حياتِنا.

9 “وَفِيمَا هُمْ نَازِلُونَ مِنَ الْجَبَلِ، أَوْصَاهُمْ أَنْ لاَ يُحَدِّثُوا أَحَدًا بِمَا أَبْصَرُوا، إِلاَّ مَتَى قَامَ ابْنُ الإِنْسَانِ مِنَ الأَمْوَاتِ”: إنّ الشَّعبَ اليهوديّ يبحثُ عن زعيمٍ أرضيٍّ يُخلِّصُه من نِيرِ الرُّومان، يبحثُ عن قائدٍ قادرٍ على إقامةِ ثورةٍ عسكريّةٍ وسياسيّةٍ فيُحرِّرُهم من الحُكمِ الرّومانيّ، ولا يأبهُ لِمخلِّصٍ ينتَشِلُهم مِن خطاياهم. لذلك، طلبَ الربُّ يسوعُ ألّا يُخبروا أحدًا بما قالَه لهم، إلّا بَعد قيامتِه من بين الأموات، كي لا يُسيءَ الشَّعبُ فَهم رسالتِه الخلاصيّة. إنّ الشَّعب يبحثُ عن مَلِكٍ قويٍّ، قادرٍ على قيادَتهِم نحوَ الانتصارِ على الرُّومان، وها هو الربُّ يسوع مَلِكٌ مُنتَصِرٌ على الموتِ والخطيئة، بموتِه على الصّليبِ وقيامتِه من بين الأموات، في سبيلِ إعطاءِ الخلاصِ الحقيقيِّ لِلبَشر.

10 “فَحَفِظُوا الْكَلِمَةَ لأَنْفُسِهِمْ يَتَسَاءَلُونَ: “مَا هُوَ الْقِيَامُ مِنَ الأَمْوَاتِ؟”” إنّ التّلاميذَ لَم يتمكّنوا مِن فَهمِ ما أخبَرهُم به يسوع، قَبلَ موتِه وقيامتِه مِن بين الأموات. وها هو الإنجيليُّ مرقس يُعلِن للمَرَّةِ الثّانيةِ في إنجيلِه عن السِّرِّ المسيحانيّ القائمِ على موتِ المسيح يسوعَ وقيامتِه من بين الأموات.

11 “فَسَأَلُوهُ قَائِليِنَ: “لِمَاذَا يَقُولُ الْكَتَبَةُ: إِنَّ إِيلِيَّا يَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ أَوَّلًا؟””

12 “فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: “إِنَّ إِيلِيَّا يَأْتِي أَوَّلًا وَيَرُدُّ كُلَّ شَيْءٍ. وَكَيْفَ هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِ ابْنِ الإِنْسَانِ أَنْ يَتَأَلَّمَ كَثِيرًا وَيُرْذَلَ”.

13 “لكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ إِيلِيَّا أَيْضًا قَدْ أَتَى، وَعَمِلُوا بِهِ كُلَّ مَا أَرَادُوا، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنْهُ”.

إنّ يوحنَّا المعمدان هو الّذي أتى بروحِ إيليّا، وقد قتَلوه كما يَحلو لَهم. إنَّ الموضوعَ ليسَ مَوضوعَ تَقمُّصٍ، بل موضوعُ تجلّي يوحنّا المعمدان بروحِ النّبوءةِ الّتي ميّزَتْ إيلّيا النبيّ. إنّ يوحنَّا المعمدان قد أكملَ رسالةَ إيليّا النبيّ، فالنبيُّ إيليّا لم يتمكَّنْ من إكمالِ رسالتِه لأنّ الربَّ قد رقّاه بِإصعادِه إلى السّماءِ على مَـتنِ مَركَبَةٍ ناريّة. حين يَصِلُ الموظَّفُ إلى سنِّ التَّقاعدِ، غالبًا ما تقوم الشَّركاتُ بإقامةِ احتفالٍ تَكريميٍّ له وتُسلِّمُه دِرعًا شاكِرةً إيّاه على تَعبه وجَهدِه، الّذي قدَّمه للشَّركة. وبعدَ انتهاءِ هذا الاحتفالِ، يَذهبُ هذا الإنسانُ إلى بَيتِه ولا يعود إلى العَمل، لأنّ الشَّركةَ أنهَتْ خدماتِه وعيَّنَتْ شَخصًا آخَرَ في وَظيفَتِه. هذا هو مفهومُ التَّرقيةِ في العملِ في مفهومِنا البشريّ. وهذا ما قام به الربُّ عندما أصَعدَ إيليّا النبيَّ إلى السّماءِ مُختارًا إليشاعَ نبيًّا بَدلاً منه، لِمتابعةِ المسيرة. إنَّ التَّكريمَ يَعني الاستقالةَ مِن الوَظيفة. أنا أُفضِّلُ أن يتمَّ تَكريمُ النَّاسِ بَعد وفاتِهم لا أثناءَ حياتِهم الأرضيّة، لأنّه حين نُكرِّمُهم وهُم لا يزالون على قَيدِ الحياة، نَقومُ بِإماتتِهم قَبلَ أوانِهم، إذ يَشعُرون حينها أنَّ دَورَهم قد انتهى.

14 “وَلَمَّا جَاءَ إِلَى التَّلاَمِيذِ رَأَى جَمْعًا كَثِيرًا حَوْلَهُمْ وَكَتَبَةً يُحَاوِرُونَهُمْ”: في هذه العبارةِ، نلاحظُ مواجهةً بين اليَهودِ والتّلاميذ. وقد تميَّزَ الإنجيليُّ مَرقس بِذكرِ العديدِ من الصِّراعاتِ العنيفةِ بين يسوعَ واليَهود.

15 “وَلِلْوَقْتِ كُلُّ الْجَمْعِ لَمَّا رَأَوْهُ تَحَيَّرُوا، وَرَكَضُوا وَسَلَّمُوا عَلَيْهِ.”: إنّ حضورَ الربِّ في مكانٍ ما، يَخلقُ حيرَةً واضطرابًا عند المؤمِن، لأنّ على هذا الأخيرِ اتِّخاذُ مَوقفٍ واضحٍ مِن الربِّ يسوع.

16 “فَسَأَلَ الْكَتَبَةَ: “بِمَاذَا تُحَاوِرُونَهُمْ؟”

17 “فَأَجَابَ وَاحِدٌ مِنَ الْجَمْعِ وَقَالَ: “يَا مُعَلِّمُ، قَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكَ ابْنِي بِهِ رُوحٌ أَخْرَسُ،

18 “وَحَيْثُمَا أَدْرَكَهُ يُمَزِّقْهُ فَيُزْبِدُ وَيَصِرُّ بِأَسْنَانِهِ وَيَيْبَسُ. فَقُلْتُ لِتَلاَمِيذِكَ أَنْ يُخْرِجُوهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا”. لقد سألَ الربُّ اليَهودَ عن موضوعِ حَدِيثِهم مع التّلاميذ، فَلم يُجبْهُ أحدٌ مِنِهم، غير أنّ واحدًا من الشَّعبِ الحاضرِ قد أجابَ على سؤالِ يسوعَ مُخبِرًا إيّاه عن حالةِ ابنِه. إنَّ عبارةَ “رُوحٌ أَخْرَسُ،” تُشيرُ إلى أنّ هذا الإنسانَ هو إنسانٌ وثَنيٌّ، لا مِنَ الكَتَبةِ اليَهود. إذًا، لقد سألَ الربُّ يسوعُ الكَتَبةَ فأجابه إنسانٌ وَثنيٌّ على سؤالِه. إنّ الأخَرسَ هو إنسانٌ مريضٌ لا يستطيعُ النُّطقَ، وبالتّالي هو في الوقتِ نَفسِه أصمُّ، وهذا ما يدلُّ في الإنجيلِ على أنّه إنسانٌ وَثنيّ، فَهو لم يَسمَعْ بِكَلمةِ الله، لذا لا يستطيعُ النُّطقَ بها.

إخوتي، إنّ كُلَّ أخرسٍ في الإنجيلِ هو إنسانٌ وَثنيٌّ، وكلَّ أعمى هو إنسانٌ يَهوديّ. إنَّ الإنجيليَّ متّى يُخبرُنا عن تِسعِ أعاجيبَ قامَ بها الربُّ يسوع: أربعٍ مِنها هي شفاءُ خُرسٍ صُمٍّ، أي وَثنيِّين، وفي ذلك إشارةٌ إلى أنَّ الربَّ يسوع قَد مَنحَ خلاصَه للشَّعبِ الوثنيّ؛ وأربَعٍ مِنها هي شفاءُ عُميان، أي يَهود، وفي ذلك إشارةٌ إلى أنَّ الربَّ يسوع مَنَحَ خلاصَه أيضًا لليَهود؛ والأُعجوبةُ الأخيرةُ هي شفاءُ إنسانٍ أعمى وأخرَسَ وأصَمَّ في الوقتِ نفسِه، للتّأكيدِ على شموليّةِ خلاصِ الربِّ يسوع. وفي الإصحاحَينِ الثّامِنِ والتَّاسعِ مِن إنجيلِه، يُخبرُنا الإنجيليُّ متّى عن تِسعِ أعاجيبَ أُخرى: أربعٍ منها لليَهودِ وأربَعٍ للوثنيِّين وأعجوبةٍ مشتركةٍ بينَ اليَهودِ والوثنيِّين وهي أعجوبةُ شفاءِ نازِفةِ الدَّمِ الوَثنيّةِ وشِفاءِ ابنةِ يائيروسَ اليهوديّة. وفي إنجيل متّى، نلاحظُ أيضًا أنّ الربَّ في الشَّعانين قد رَكِبَ على الجَحشِ والحمارِ في الوقتِ نفسِه، وهذا الأمرُ يتميَّزُ به الإنجيليُّ متّى عنِ سائرِ الإنجيليِّين الّذين يختارون حيوانًا واحدًا ليَركَبَ عليه يسوع. إنَّ لكُلِّ حيوانٍ مِن هَذَين الحَيوانَين رمزيّةً مُعيَّنة، فواحدٌ يُشير إلى الوثنيِّين والآخرُ إلى اليَهود، وبذلك يؤكِّدُ لنا الإنجيليُّ متَّى أنّ خلاصَ الربِّ يسوعَ يَشمُلُ البَشريّةَ بأسرِها: يَهودًا ووَثنيِّين.

إذًا، إنَّ صِراعَ يسوعَ مَع الكَتَبةِ والفِرِّيسيِّين هو صِراعٌ كلاميٌّ في بَعضِ الأحيان، وفي أحيانٍ أُخرى صِراعٌ فِعليّ، أي مِن خلالِ قيامِ يسوعَ بَعملٍ ما يكونُ جوابًا على نِقاشِ الكَتَبةِ والفرِّيسيِّين معه. 

ملاحظة: دُوِّنت المحاضرة بأمانةٍ مِن قِبَلنا.

Instagram
Copy link
URL has been copied successfully!
WhatsApp