تفسير الكتاب المقدّس
الأب ابراهيم سعد
إنجيل القدّيس مرقس الرّسول – الإصحاح الثاني عشر (1-17)
1 “وَابْتَدَأَ يَقُولُ لَهُم بِأَمثَال: “إنسانٌ غَرَسَ كَرْمًا وَأَحَاطَهُ بِسِيَاجٍ، وَحَفَرَ حَوْضَ مَعصَرَةٍ، وَبَنَى بُرْجًا، وَسَلَّمَهُ إلَى كَرَّامِينَ وَسَافَرَ.
2 ثُمَّ أَرسَلَ إلَى الكَرَّامِينَ في الوَقتِ عَبْدًا لِيَأخُذَ مِنَ الكَرَّامِينَ مِن ثَمَرِ الكَرْمِ،
3 فَأَخَذُوهُ وَجَلَدُوهُ وَأَرسَلُوهُ فارِغًا.
4 ثُمَّ أَرسَلَ إلَيْهِم أَيضًا عَبْدًا آخَرَ، فَرَجَمُوهُ وَشَجُّوهُ وَأَرسَلُوهُ مُهَانًا.
5 ثُمَّ أَرسَلَ أَيضًا آخَرَ، فَقَتَلُوهُ. ثُمَّ آخَرِينَ كَثِيرِينَ، فَجَلَدُوا مِنْهُم بَعضًا وَقَتَلُوا بَعضًا.
6 فَإذْ كانَ لَهُ أَيضًا ابْنٌ واحِدٌ حَبِيبٌ إلَيْهِ، أَرسَلَهُ أَيضًا إلَيْهِم أَخيرًا، قائِلًا: إنَّهُم يَهابُونَ ابْنِي!
7 وَلكِنَّ أُولئِكَ الكَرَّامِينَ قَالُوا فِي ما بَيْنَهُم: هذا هُوَ الوَارِثُ! هَلُمُّوا نَقتُلهُ فَيَكُونَ لَنا الـمِيراثُ!
8 فَأخَذُوهُ وقَتَلُوهُ وأَخرَجُوهُ خَارِجَ الكَرْمِ.
9 فَمَاذا يَفعَلُ صاحِبُ الكَرْمِ؟ يَأتي وَيُهلِكُ الكَرَّامِينَ، وَيُعطِي الكَرْمَ إلَى آخَرِينَ.
10 أَمَا قَرَأْتُم هذا الـمَكتُوبَ: الحَجَرُ الَّذي رَفَضَهُ البَنَّاؤُونَ، هُوَ قَد صارَ رَأسَ الزَّاوِيَةِ؟
11 مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ كانَ هَذا، وَهُوَ عَجِيبٌ في أَعْيُنِنا!”
12 فَطَلَبُوا أنْ يُمسِكُوهُ، وَلكِنَّهُم خافُوا مِنَ الجَمْعِ، لأَنَّهُم عَرَفُوا أَنَّهُ قالَ الـمَثَلَ عَلَيْهِم. فَتَرَكُوهُ وَمَضَوا.”
صَباحَ الخَير، والحَمدُ اللهِ على سلامَتِكُم أجمَعِين،
إنَّ هذا الإصحاح من إنجيل مَرقس، يَبدأ بِمَثلِ الكَرَّامِين، الّذي فيه يَقولُ لنا الربُّ يسوع: “وَلكِنَّ أُولئِكَ الكَرَّامِينَ قَالُوا فِي ما بَيْنَهُم: هذا هُوَ الوَارِثُ!” (مر 12: 7). إنَّ هذا الكلام يؤكِّدُ لنا أنَّ اليَهود قد أَدرَكوا أنَّ يَسوع النَّاصريّ، ابنَ يوسف ومَريم، هو في الحقيقة وَريثُ الله، أي مَسيحُ الربِّ، لذا قَرَّروا قَتلَه. وبالتَّالي، لَيس صَحيحًا القَول إنَّ اليَهود قَتلوا الربَّ يسوع لأنَّهم لم يَعرفوا حقيقَتَه! إنَّ اليَهود قد اتَّخذوا القرارَ بِقَتلِ يَسوع، عِندَما أدرَكوا أنّه أتى ليُحقِّق مشروع الله، لا مَشاريعَهم الأرضيّة الخاصّة. إنَّ الربَّ يسوع قد سامحَ اليَهود على قَتلِهم إيّاه، عندما صلَّى على الصّليب إلى أبيه الرَّحوم والغفور، قائلاً له: “اغفِر لَهُم يا أبَتاه لأنَّهم لا يَدرونَ ماذا يَفعلون”(لو 23: 34)، على الرُّغم مِن عِلمِه بأنَّهم كانوا يَدرون ماذا يَفعلون.
يُقدِّمُ لنا العَهدُ القَديم، وتحديدًا سِفر إشعيا، نَصًّا مُشابِهًا لهذا الـمَثل الّذي تَحدَّث عنه الإنجيليّ مرقس. إنَّ إشعيا النَّبيّ وجَّه كلامَه إلى شَعبِ إسرائيل وشَعبِ يَهوذا، قائلاً لهم:
“لأُنشِدَنَّ عَن حَبِيبي نَشيدَ مُحِبِّي لِكَرْمِهِ: كانَ لِحَبِيبي كَرْمٌ عَلى أَكَمَةٍ خَصِبَةٍ، فَنَقَبَهُ وَنَقَّى حِجَارَتَهُ وَغَرَسَهُ كَرْمَ سَوْرَقَ، وَبَنَى بُرجًا في وَسَطِهِ، وَنَقَرَ فِيهِ أَيضًا مِعصَرَةً، فَانتَظَرَ أَنْ يَصنَعَ عِنَبًا فَصَنَعَ عِنَبًا رَدِيئًا. وَالآنَ يا سُكَّانَ أُورُشَلِيمَ وَرِجَالَ يَهُوذَا، احْكُمُوا بَيْنِي وَبَيْنَ كَرْمِي. ماذَا يُصنَعُ أَيضًا لِكَرْمِي وَأَنَا لَمْ أَصنَعْهُ لَهُ؟ لِماذا إذِ انتَظَرْتُ أَنْ يَصنَعَ عِنَبًا، صَنَعَ عِنَبًا رَدِيئًا؟ فَالآنَ أُعَرِّفُكُمْ ماذا أَصنَعُ بِكَرْمِي: أَنزِعُ سِيَاجَهُ فَيَصِيرُ لِلرَّعْيِ. أَهْدِمُ جُدرانَهُ فَيَصِيرُ لِلدَّوْسِ .وَأَجعَلُهُ خَرَابًا لا يُقضَبُ ولا يُنقَبُ، فَيَطلَعُ شَوكٌ وَحَسَكٌ. وَأُوصِي الغَيْمَ أنْ لا يُمطِرَ عَلَيهِ مَطَرًا”.” (إشعيا 5: 1- 6).
في مُقارَنةٍ بَين نَصِّ العهدِ القديم وَنَصِّ العهدِ الجديد، نلاحظُ أنَّ الإنجيليَّ مَرقس قد استَخدَم العِباراتِ نَفسِها الّتي استَخدمَها النَّبي إشعيا، إذ قالَ لنا: “إنسانٌ غَرَس كَرْمًا وَأَحَاطَهُ بِسِيَاجٍ، وَحَفَرَ حَوْضَ مَعْصَرَةٍ، وَبَنَى بُرْجًا” (مر 12: 1). يُذكِّرنا هذا النَّصُّ مِن سِفر إشعيا بِنَصِّ وجودِ يَسوع في الجِسمانيّة. إنّ الجِسمانيّة في العِبريّة هي “جِيت سِمانيّ”، أي الممتلئةُ ثِمارًا. وبالتَّالي، الجِسمانيّة كانت كَرْمًا لا يُعطي ثَمرًا؛ ولكنَّ الربَّ يسوع، بِدُخوله إليه، جَعله مُثمِرًا مِن خلال طاعَتِه لله أبيه الّتي قادته إلى الصّليب، وبالتَّالي إلى مَنحِ الخلاص للبشريّة جمعاء. إذًا، إنَّ الربَّ يسوع هو “إسرائيل” الحقيقيّ، لأنّه أطاع الله الآب حتّى مَوتِ الصّليب. حِينَ دَخلَ يسوع المسيح إلى الجِسمانيّة، بكى بكاءً مُرًّا وتَساقَطَ عَرَقَه كَعبيط الدَّم، فتَمكَّن مِن عَصرِ ذاتِه على الصّليب، وأعطانا مِن خلالِ دَمِه المسفوكِ الحياةَ الأبديّة.
إنّ هذا النَّصّ من إنجيل مَرقس يُظهِر لنا مِن جِهةٍ حَيثيَّات اليَهود للحُكمِ على الربِّ يسوع بالموتِ، ولكنَّه من جِهةٍ أُخرى يُظهِر لنا حُكمَ الربِّ يسوع على اليَهود انطلاقًا مِن مواقِفهم تُجاهه، إذ قال لنا: “فَمَاذا يَفعَلُ صاحِبُ الكَرمِ؟ يأتي وَيُهلِكُ الكَرَّامِينَ، وَيُعطي الكَرمَ إلَى آخَرِينَ” (مر 12: 9). إنَّ عِبارة “آخَرين” تُشير إلى كلِّ إنسانٍ قَبِلَ الربَّ يَسوع واعترفَ به مخلِّصًا له. بالنِّسبة إلى اليَهود، إنَّ عِبارة “غَير”، أي “غُوي” في العِبريّة، تُشير إلى كلِّ إنسانٍ غَير يَهوديّ، مَهما كان لَونُه أو جِنسيَّته أو انتماؤه الدِّينيّ. فاليَهود يَعتَبرون ذواتَهم الأفضل بين البَشر، لذلك يَنظُرونَ إلى الآخَرين على أنَّهم أدنى مَرتبةً مِنهُم، وذلك يَدفَعُهم إلى إلغاءِ الآخَر مِن تَفكيرِهم وعُقولِهم، إلى حدِّ عَدمِ التَّحلِّي بالجرأة لِمُناداةِ الآخَرين بِأسمائهم. إنَّ ما قصَدَه الإنجيليُّ مَرقس في هذه الآية الإنجيليّة هو أنَّ الربَّ يَسوع سيُسَلِّم الكَرْمَ إلى أشخاصٍ غير يَهود، أي إلى أشخاصٍ يُؤمِنون به.
“وَابْتَدَأَ يَقُولُ لَهُم بِأَمثَال: “إنسَانٌ غَرَسَ كَرْمًا وَأَحَاطَهُ بِسِيَاجٍ، وَحَفَرَ حَوْضَ مَعصَرَةٍ، وَبَنَى بُرْجًا، وَسَلَّمَهُ إلَى كَرَّامِينَ وَسَافَرَ”: مِن خلالِ هذه الآية، نُدرِكُ أنَّ الله قد جهَّزَ هذا الكَرمَ وسَلَّمه إلى اليَهود، طالبًا إليهم أن يُعطوا ثَمرًا جيِّدًا. وهنا، يُطرَحُ السُّؤال: كيف حضَّر الربُّ هذا الكَرمَ وسَلَّمه إلى اليَهود؟ إنَّ العهدَ القديم يُخبِرُنا أنَّ الله قد هيّأ شَعبَه لِمَجيء ابنِه، مِن خلال إرسالِه الأنبياء إلى هذا الشَّعب، ولكنَّ هذا الأخير لم يَقبَل بهم، لذا قامَ بِجلدِ بَعضهم وضَربِ آخَرين وقَتلِ البَعض الآخر، كما فَعلَ الكرَّامون في هذا الـمَثل مع العبيد الّذينَ أرسَلَهم صاحبُ هذا الكَرم إلَيهم. ويُتابِعُ الكِتابُ المقدَّس، فيُخبرُنا أنَّه في آخِر الأزمنة، أرسلَ الله ابنَهُ الوحيد، والّذي أشار إليه هذا النَّصُّ بالقَول: “ابْنٌ واحِدٌ حَبِيبٌ إلَيْهِ” (مر 12: 6)، فَعرفَه الشَّعب، ولكن بَدَل أن يَقبَل بِه ويُؤمِن به، قرَّر قَتلَه لأنَّه خافَ أن يَسلُبَه الـمِيراث كَونَه ابنَ صاحبِ الكَرْم، أي الوَريث، فَرَماهُ خارجَ الكَرْم، كما يُخبِرُنا هذا النَّصّ: “فَأخَذُوهُ وقَتَلُوهُ وأَخرَجُوهُ خَارِجَ الكَرْم” (مر 12: 8). هذا ما فَعَلَه الشَّعبُ اليَهوديّ بالربِّ يسوع، إذ صَلبَه خارجَ أُورَشليم. إنَّ مِثلَ تِلك الجريمة الّتي قامَ بها الشَّعبُ اليَهوديّ بِحقِّ الربِّ يسوع تَستَحقُّ عِقابًا قاسيًا مِنه، كما نَحن نَفعلُ في حياتِنا اليوميّة عندما نَتَعرَّض للأذيّة من الآخَرين. غير أنَّه بَدَل أن يَحكُم عليه بالموتِ، قرّر الربُّ مُسامَحة الشَّعب اليَهوديّ على فِعلَتِه تلك، قائلاً لأبيه على الصَّليب: “اغفِر لهم لأنّهم لا يَدرون ماذا يَفعَلون” (لو 23: 34).
إذًا، بَدلَ أن يُعاقِبَ الربُّ صالِبيه، مَنَحَهم الغفرانَ على جميعِ خَطاياهم! غَير أنّ رؤساءَ اليَهود لَم يَقبلوا بهذا الغفران، ولذلك قرَّروا أن يَكونَ دَمُ الربِّ يسوع عَلَيهم وعلى أبنائهم إلى الأبد! هُنا، أودُّ أن أقولَ لَكُم أمرًا وَهُو: إنَّ بعض المسيحيِّين قد اقتَنعوا بأنّ اليَهود ما زالوا يَنتَظرونَ مَجيءَ المسيح! في الحقيقة، هذه كِذَبةٌ كبيرةٌ اخترعَها اليَهود وصدَّقوها، وحاولوا إقناعَ الآخَرين بها. إخوتي، إنَّ الـمَسيحَ قد أتى حقًّا مُنذُ ألفَي سنة، وقد عَرَفَه اليَهود ولَكِنَّهُم رَفضوا الاعترافَ به. لذا، فإنَّ أقصى ما يُمكِنُ لليَهود القِيامُ به اليوم هو انتِقاءُ شَخصٍ ودَفعُه إلى انتِحالِ صِفَةِ المسيح! وما يؤكِّد أيضًا أنّ المسيح قد أتى حقًّا وأنّ اليَهود قد عَرَفوه، هو عَدمُ إضافتِهم أيَّ كِتابٍ مقدَّس إلى العَهد القديم مُنذ ألفَي سنةٍ، أي مِن تاريخِ مَجيءِ المسيحِ يسوع إلى أرضِنا، بَعد أن كانَ شائعًا إضافةُ كِتابٍ مقدَّسٍ كلَّ مئة أو مِئتَي سَنةٍ إلى الكُتبِ المقدَّسة السَّابقة. إنّ جَمعَ أسفارِ الكِتاب المقدَّس، العهد القديم، وتَرتِيبَها، استَغرق مُدَّةً طويلةً تُقارِبُ الألفَ سَنةٍ. وهنا نسأل: هَل مِنَ المعقولِ عدمُ استطاعةِ اليَهود إضافةَ، ولو كِتابٍ مقدَّس واحدٍ، إلى الكِتاب المقدَّس، بَعد مرورِ ألفَي سنة؟! إنَّ عدمَ إضافةِ أيِّ كِتابٍ إلى الكِتابِ المقدَّس يُشيرُ إلى أمرٍ واحدٍ، وهو أنَّ الله قد قالَ كلَّ شيءٍ بابِنه يسوع المسيح الّذي جاء في آخِر الأزمنة.
إنَّ رؤساءَ اليَهود قاموا بِتَأليفِ كِتابٍ يَتضمَّنُ شروحاتٍ عقائديّةً وسُلوكِيَّةً لِكُتبِ التَّوراة، وقد أطلقوا عليه في العبريّة اسمَ “التَّلمود”، ومَعناه التِّلميذ، وقد حوَّل هؤلاء هذا الكِتابَ إلى مَرجعيّةٍ دينيّةٍ لَهم، كَبَديلٍ عن الكُتبِ المقدَّسة. وقد تجرَّأ رؤساء اليهود على التَّشكيك في بَعضِ الكُتب المقدَّسة أمثالِ كُتبِ الأنبياء، خصوصًا كِتابِ النَّبي إرميا، فاعتَبَروا النبيّ إرميا الّذي نَقَل إليهم كَلِمَة الله، خائنًا أبديًّا للأُمَّة اليَهوديّة. إنَّ تَصرُّفَ رؤساءِ اليَهود تُجاه النَّبي إرميا، يُذكِّرنا بما قامَ به قيافا، عظيمُ أحبارِهم، الّذي طالبَ بِقَتلِ يسوع عندما قالَ في الـمَجمع: “خَيْرٌ لَكُمْ أَنْ يَمُوتَ رَجُلٌ وَاحِدٌ عَنِ الشَّعْبِ وَلَا تَهْلِكَ الْأُمَّةُ كُلُّهَا” (يو 11: 50). مِن هُنا، نَستَنتِجُ أنَّ هَدفَ رؤساءِ اليَهود هو المحافظةُ على الأُمَّة اليَهوديّة، لا المحافظة على كَلِمَة الله، ولهذا السَّبب قَرّروا قَتلَ يسوع لأنَّ وجودَه يؤدِّي إلى زوال الدِّين اليَهوديّ وبالتّالي إلى زوال السُّلطة النَّابعة عنه.
“هَلُمُّوا نَقْتُلْهُ فَيَكُونَ لَنَا الْمِيرَاثُ!”: بالنِّسبة إلى اليَهود، الـمِيراثُ هو مُلكُهم وَحدَهم دونَ سِواهم من البشر؛ ويَقوم هذا الميراث على الحُكم بِاسمِ الله. إنَّ حُكمَ الشَّعب اليَهوديّ بِاسم الله هو حُكمُ زُورٍ، والدَّليل هو لجوءُ الصَّهاينَةِ في الشَّرق إلى استخدامِ قوَّتهم العسكريّة لإنشاءِ دَولةٍ يَهوديّةٍ، هي دَولة إسرائيل. بالنِّسبة إلى المسيحيِّين، الدِّينُ اليَهوديّ قد زالَ مِنَ الوجودِ عند مَجيءَ المسيحِ يَسوع إلى أرضِنا، إلّا أنّ بعضًا من اليَهود لا زالَ مُتَمسِّكًا بهذا الدِّين الّذي تَحوَّل، مع مَجيء المسيح، إلى وَهمٍ. إنَّ العهد القديم هو مُلكٌ لِكُلِّ مَن آمَن واعتَرَف بأنَّ يَسوع المسيح هو الربُّ والمخلِّص، وهذا يعني أنّ التَّوراةَ هي مُلكٌ للمسيحيِّين لا لليَهود الّذين لَم يَقبلوا الربَّ يسوع مُخلِّصًا لهم! غَير أنّ بَعض المسيحيِّين قد قَبِلوا تَشريعَ سَرِقَة اليَهود للكِتاب المقدَّس، العهد القديم، بِسَبب أعمال هِتلر الإجراميّة والّتي أُطلِق عليها اسم “الإبادة اليهوديّة”، والّتي طالَت مجموعاتٍ مختلفةً من البشر، لا فقط اليَهود. إنَّ هذه الإبادة الّتي قام بها هِتلر، قد استغلَّها اليَهودُ فَحوَّلوها إلى “مَلحَمَةٍ خُرافيّة” أي إلى أداةٍ تَخويفِ للمَسيحيِّين تَقوم على اتِّهامِهم بِمُعاداة السَّاميّة، بِهَدفِ الحصولِ على ما يريدون، ألا وهو إقامةُ دولةٍ يَهوديّةٍ.
إذًا، بنَتيجةِ الإبادةِ الّتي قامَ بها هِتلر، اعترَفَ المسيحِّيون بأنَّ كِتابَ التَّوراة هو كِتابُ اليَهود بِشَكلٍ أساسيّ ولكنَّه في الوقت نفسه كِتابُ المسيحيِّين، ولكنَّ المسيحيِّين يُفضِّلونَ الاستنادَ إلى العهد الجديد في إيمانهم أكثر مِن استنادِهم إلى العهد القديم. إخوتي، نحن المسيحِيِّين لا نَملِك كِتابَين مُقدَّسَين، بل كِتابٌ واحدٌ مَقسومٌ إلى جُزئَين، هُما: العَهد القديم والعَهد الجديد. إنَّ كِتابَنا المقدَّس، يَبدأ بِقصَّة الخَلق في سِفر التَّكوين، “في البدء، خلق الله السَّماوات والأرض” (تك 1: 1)، وينتهي بالآية التَّالية في سِفر الرُّؤيا: “تعال أيّها الربُّ يسوع” (رؤيا 22: 20). إنَّ الكِتابَ المقدَّس يُخبِرُنا عن مَسيرةِ الله مع شَعبِه عَبرَ التَّاريخ والجُغرافيا إلى يوم مَجيء المسيح، الّذي كَشَفَ لنا، كما يقول لنا بولس الرَّسول (كو 1: 26)، سِرَّ الله المكتوم منذ الدُّهور، ألا وهو أنّ المسيح يسوع هو رجاؤنا. لذا، إخوتي، علينا التَّحرّر من ضَغطِ الأديان، أكانَت المسيحيِّة أو الإسلامية أو اليَهوديّة أو سِواها؛ لأنَّ كلَّ دِينٍ هو عبارةٌ عن مجموعةٍ من البشر مُتَدَّينةٍ قائمةٍ بِحَدِّ ذاتها.
إنَّ المسيحيَّة لَيسَت دِينًا، كما يَعتقِدُ الكَثيرون، إنَّما هي نَهجُ حياةٍ يَقود إلى الملكوت أعطاه يسوع للبشر، وطَلبَ مِن المؤمِنِين به اتِّباعه. إنّ اتِّباع المسيحيِّين لهذا النَّهج لَم يَمنَعْهُم من الوقوع في الخطيئة، ولكنَّه دَفعَهم إلى المسارعةِ، كلَّما وقعوا في الخطيئة، للإعلان عن تَوبَتِهم إلى الله، الّذي يَغفر لهم في كلِّ مرَّةٍ يَعودون إليه. وفي هذا الإطار، يُخبِرُنا بولس الرَّسول عن علاقة المسيح بِكَنِيسَتِه، مِن خلال صورةِ العريس والعروس الّتي قدَّمها لنا في رسالتِه إلى أهل أفسس. في هذه الرِّسالة، يُخبِرُنا بولس الرَّسول أنّ الربَّ يسوع هو العريس وقد اختار الكَنيسَة لِتَكون عروسةً له، على الرُّغم من إدراكه أنّها لا تَليق به، بِسَبب خطاياها. لذلك، قرَّر الربُّ أن يَغسِلها يوميًّا بِكَلِمَتِه المقدَّسة، فتُصبح عروسًا نقيّةً طاهرة، أي عروسًا بلا عيب، فيتمكَّن من الاتِّحاد بها. هذا هو مفهوم سرّ الزَّواج في الكنيسة، إنّه زواج المسيح والكنيسة. وبالتّالي، كُلُّ الاحتفالات الزَّواجيّة الّتي تُقام في الكنيسة، تَدخُل في هذا الإطار؛ فسِرُّ الزَّواج المسيحيّ لا يَقوم على اتِّحاد الرَّجل بالمرأة الّتي اختارَها لِتَكون عروسًا له، بل يَقوم على اتِّحاد الرَّجل والمرأة معًا بالمسيح يسوع، فيَكونا سويًّا عروسًا له.
إذًا، في سرّ الزَّواج، يُعلِن الرَّجلُ والمرأةُ قَبولَهما المسيح يسوع عريسًا لهما، وبالتَّالي هما يُعلِنان أنّهما يشكِّلان معًا كنيسةً مُصغَّرةً للمَسيح يسوع. إنَّ الاعتقادَ السَّائد في المجتَمَع بأنَّ الزَّواج في الكَنيسَة يُصبحُ سِرًّا عند تَبادُلِ العروسَين الرِّضى هو اعتقادٌ خاطئٌ ناجِمٌ عن التَّربية الّتي يَتلَّقاها العَروسان، ويَهدف إلى الحدِّ من تَفكُّكِ الأُسَر، الّذي عانى منه المجتمع اليَهوديّ أيّام موسى. لذلك، سَمَحَ النّبيّ موسى للشَّعب اليَهوديّ بالطَّلاق بسبب قَساوةِ قلوبهم وغَلاظة رِقابهم. إخوتي، إنَّ الطُّقوسَ المختلفة والمتَّنوعة الّـتي تلجأ إليها الكنائس لإضفاء طابع السِّر على احتفال الزَّواج، من خلال تقسيم الاحتفال وتقديسِه، هي غَريبةٌ وعجيبةٌ، لأنّها لَم تستَطِع مَنعَ نُشوبِ الخلافات بين الأزواج ووُصولِهم إلى مرحلةِ الطَّلاق. لذلك، شَعرَت الكَنِيسة بِمَسؤوليَّتِها لِحمايةِ أبنائها الـمَظلومِين في هذه العلاقاتِ الزّوجية، مِن خلال إبعادهم عن الأطراف الظَّالمة، فسَعَت إلى إيجادِ حلولٍ لهذهِ المشاكل الّتي طَرأتْ على الزَّواج، من خلال الاعتراف بِبُطلان الزَّواج وفَسخِه في الكنيسة الكاثوليكيّة، معتبرةً أنّ هذا الزَّواج كان ناقصًا عند انعقاده، ومن خلال الإعلان عن انفكاكِ الزَّواج أي الطَّلاق عند الكنيسة الأرثوذوكسيّة.
إنَّ هذه الحلول الّتي اعتَمدَتْها الكنيسة، قد أدَّت إلى طَرحِ أسئلةٍ حولَ لاهوتِ سرِّ الزَّواج. إخوتي، في سرِّ الزَّواج، يتَّحدُ الرَّجل والمرأة فيَصيران جسدًا واحدًا، وبالتَّالي عروسًا واحدًا للمسيح يسوع العريس. ولكنَّ هذا الاتِّحاد بين الرَّجل والمرأة لا يعني أبدًا أنّه يحقُّ للرَّجل أن يَتسلَّط على المرأة، بل يعني أنّه عليه أن يُحبَّها ويَبذِلَ ذاته من أجلها، كما أحبَّ المسيح كَنيستَه فمات على الصَّليب من أجلِها، فيَكون الرَّجل رأسَ المرأة على مِثال المسيح الّذي هو رأس الكنيسة. حِينَ تَجدُ المرأة أنَّ محبَّةَ زوجِها هي على مِثال مَحبَّة المسيح لِكَنيسته، سوف تُبادر إلى التَّعبير عن طاعتها له بشكلٍ طوعيّ. وفي هذا الإطار، يَقولُ بولسُ الرَّسول: “أيّتها النِّساء إخضَعن لأزواجكنَّ، كما يليق في الربّ” (كو3: 18). إنَّ هدفَ بولس الرَّسول من هذا الكلام ليس تشجيع الذُّكوريّة وكأنّ النِّساء هُم أدنى مَرتَبةً مِن الرِّجال، إنّما هَدَفه التَّأكيد على أمرٍ وهو أنّ المرأة لن تَجِد صعوبةً في تقديم الطَّاعة لِمن هُو مستَعِدٌّ للمَوتِ مِن أجلِها، تَعبيرًا عن حبِّه لها. إنَّ الحُبَّ هو المبادرة، والطَّاعة هي الجواب على هذه المبادَرة، ولذا نحن نُطيع الله لأنّه أحبّنا حتّى الموت، مَوتَ الصَّليب.
إخوتي، لقد أدرَكَ اليَهود محبَّة الله لهم، وعلى الرُّغم من ذلك رَفضوا تقديم الطَّاعة له، ولذا قاموا بِقَتلِه! إنَّ تَصرُّف اليَهود هذا يُساعدُنا على فَهمِ قَولِ الربِّ يسوع لنا إنّ كلَّ خطيئةٍ يَرتكِبُها الإنسان تُغفَر له إلّا خطيئةَ التَّجديفِ على الرُّوحِ القُدس. وهُنا، نسأل: ما هو التَّجديف على الرُّوح القدس؟ إنّه رفضُ الاعترافِ بالمسيح ربًّا ومُخلِّصًا، على الرُّغم من إدراكِ الإنسان هذه الحقيقة. إنَّ خطيئةَ التَّجديفِ على الرُّوح لا تُغفر للإنسان، لأنّه هو الّذي اختار ألّا يكون مع المسيح في مَلَكوته.
“فَمَاذَا يَفْعَلُ صَاحِبُ الْكَرْمِ؟”: بعد إدراكِنا الجَريمة الّتي ارتَكبَها اليَهود بِحَقِّ الربِّ، فإنَّ جوابَنا على هذا السُّؤال هو ضرورةُ معاقَبَتِهم وقتَلهم. إنَّ الإنسان، بطبيعته، يتَّجه نحو إصدار حُكمٍ صارمٍ تُجاهَ كلِّ مَن يرتَكِبُ جريمةً تجاه الآخَرين: فَكُلَّما ازدادَت فظاعةُ الجَريمة، ارتفَع الصَّوت بِشَكلٍ أقوى لِمُعاقبةِ المجرِمِين، ليَصيروا عِبرةً لـمِنَ يَتجَرَّأ في المستقبل على التَّشبُّه بِهم. إنّ العِقاب البَشريّ واضحٌ: إنَّ القَتل هو عِقابُ كلِّ قاتلٍ.
10 “أَمَا قَرَأتُم هَذا الـمَكتُوبَ: الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ، هُوَ قَد صارَ رَأسَ الزَّاوِيَةِ؟”: قَبلَ البدء بِشَرح هذه الآية، أودُّ الإشارة إلى أنّه ورَد في أناجيل أخرى أنّ الإنسان الّذي يَقع على حجر الزَّاوية يتهشَّم، وأنّ مَن يَقع عليه حجرُ الزَّاوية يُسحقُ. قديمًا، كانت البيوت مبنيّةً على شَكلٍ عَقدٍ، وكانت السُّقوف فيها متَّصلة في ما بينها بِحَجرٍ أساسيّ ومهمٍّ جدًّا هو حَجر الزَّاوية. ونظرًا لأهميّته في البناء، كان البنَّاؤون يبحثون عن هذا الحجر بكلِّ دِقّة ليتمكَّنوا من إنشاءٍ بناءٍ قويّ غير مُعرَّضٍ للسُّقوط، وغالبًا ما كان هذا الحجر على شكلِ صليبٍ ليتمكَّنَ مِن تأمينِ هذا الاتِّصال بَين كلِّ سُقوفِ البيت، فيَكونَ البيت بِفضلِه مَتينًا. حاول البَّناؤون التَّخلِّي عن هذا الحجر الأساسيّ في البيت ولكنَّهم فَشلوا في ذلك، لأنّ كلَّ بَيتٍ ليس مَبنيًّا على هذا الحجر كان يسقط سريعًا. إذًا، لقَد أدرَكَ اليَهود أنَّ الربَّ يسوع هو حجرُ الزَّاوية الّذي عليه يُبنى كلُّ إيمانٍ بالله، أي أنَّهم أدرَكوا أنّه المسيح المخلِّص، ولكنّهم رفَضوا الاعتِرافَ به، فانهارت الدِّيانة اليَهوديّة. وبالتَّالي، أصبحَ الشَّعبُ اليهوديّ شَعبًا مُتَدِّينًا ولَكِنَّه بلا دين. ولذلك حاولَ اليَهود الضَّغطَ على الآخَرينَ للاعتِرافِ بهم.
11 “مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ كانَ هَذا، وَهُوَ عَجِيبٌ فِي أَعيُنِنَا!”
12 “فَطَلَبُوا أَن يُمسِكُوهُ، وَلكِنَّهُمْ خَافوا مِنَ الجَمْعِ، لأَنَّهُم عَرَفُوا أَنَّهُ قالَ الـمَثَلَ عَلَيهِم. فَتَرَكُوهُ وَمَضَوا”.
إنّ اليَهود خافوا من اعتِقالِ الربِّ يسوع، لأنَّ الجموع كانَت تَتبَعُه في كلِّ مَكانٍ، وقد كانت مُندَهشةً من الأعمالِ الّتي قام بها على مرأىً مِن عُيونِهم. حينَ اكتشَفَ رؤساءُ اليَهود أنَّ ما يَقوم به يسوع لا يتناسَب ومَشاريعَهم الخاصّة، حرَّضوا الشَّعب ضِدَّه، لذا قامت هذه الجموع نفسها الّتي كانت تَتبَعُ يسوع وتُصفِّقُ له، بِالمطالبةِ بِصلبه صارخةً: “اصلِبه! اصلِبه!”(لو 23: 21).
13 “ثُمَّ أَرسَلُوا إلَيْهِ قَومًا مِنَ الفَرِّيسِيِّينَ وَالهِيرُودُسِيِّينَ لِكَي يَصطادُوهُ بِكِلمَةٍ”: إنّ الفَرِّيسيِّين والهيرودسيِّين هُم على عَداوةٍ فِي ما بَينَهم، ولكنَّهم اتَّفقوا معًا مِن أجل قَتل الربِّ يسوع.
14 “فَلَمَّا جَاؤُوا قالُوا لَهُ: “يا مُعَلِّمُ، نَعلَمُ أَنَّكَ صادِقٌ ولا تُبَالي بِأَحَدٍ، لأَنَّكَ لا تَنظُرُ إلَى وُجُوهِ النَّاسِ، بَل بِالحَقِّ تُعَلِّمُ طَرِيقَ اللهِ. أَيَجُوزُ أَن تُعطى جِزْيَةٌ لِقَيصَرَ أَم لا؟ نُعطي أَم لا نُعطِي؟”: إنَّ عِبارةَ “أَنَّكَ صادِقٌ ولا تُبَالي بِأَحَدٍ” تُشير إلى أنَّ الربَّ يسوع لا يُحابي وجوه النَّاس. في القديم، حين كان يَتمُّ إلقاءُ القَبضِ على مُجرِمٍ، كان يُساق إلى الحاكم، أي إلى قائد العشيرة أو الـمَلِك، ورأسُه مُوَجَّهٌ إلى الأرض، كي لا يتمكَّن الحاكِمُ مِن اكتِشافِ هَويَّتِه، فَيُؤثِّر ذلك سلبًا أم إيجابًا على حُكمِه على هذا الـمُجرِم. إخوتي، إنَّ الله لا يَحكُم على الإنسانِ استنادًا إلى شَكله الخارجيّ، إنَّما على أعمالِه.
في هذه الآيات الّتي قرأناها، نكتَشِفُ مَكرَ اليَهود الّذين كانوا يَبحَثونَ عن سَببٍ لِقَتِل يسوع، لذا طَرحوا عليه سؤالاً حول دَفع الجِزيَة، لا بِهَدَف الحصول على الجواب، إنَّما مِن أجل الإيقاع به: فإذا طلَبَ مِنهم عدمَ دَفعِ الجِزية اتَّهموه بِتَحريض الشَّعب ضِدّ القَيصر، وإذا طَلبَ مِنهم دَفعَ الجِزيَة اتَّهموه بأنَّه يَقف إلى جانب الحُكم الرُّومانيّ ضِدَّ الشَّعب اليهوديّ، ما يَعني بالنِّسبة إليهم خُروجَه عن الدِّينِ اليَهوديّ، أي أنّه لن يكون بعد الآن في نَظَرهم يَهوديًّا.
15 “فَعَلِمَ رِيَاءَهُم، وَقالَ لَهُم: “لِمَاذا تُجَرِّبُونَنِي؟ اِيتُوني بِدِينَارٍ لأَنظُرَهُ”.
16 “فَأَتَوا بِهِ. فَقالَ لَهُم: “لِمَنْ هذِهِ الصُّورَةُ وَالكِتابَةُ؟” فَقالُوا لَهُ: “لِقَيصَرَ”.
17 “فَأَجابَ يَسُوعُ وَقالَ لَهُم: “أَعطُوا ما لِقَيصَرَ لِقَيصَرَ وما للهِ للهِ”. فَتَعَجَّبُوا مِنهُ”.
إنَّ عبارة “أَعطُوا ما لِقَيصَرَ لِقَيصَرَ وما للهِ للهِ” لا تَعكِسُ التَّرجمةَ الدَّقيقة للعِبارةِ اليُونانيَّةِ الواردَةِ في النَّص الأصلِّي، لأنّه لو كانت هذه هي العبارة الصَّحيحة الّتي قالها الربُّ يسوع لليَهود، لما كان هُناكَ سَببٌ لِتَعجُبِّهم، الّذي أخبَرَنا به الإنجيليّ مرقس في هذا النَّص. وبالتَّالي، فإنَّ التَّرجمة الصَّحيحة للعبارة الموجودة في النَّص اليونانيّ، هي “إنَّكم تُعطون ما لِقَيصر لِقَيصَر، وما لله لله”. عندما طَرَح اليَهود هذا السُّؤل على الربِّ يسوع حول مَسألة دَفعِ الجِزيَة، طَلبَ مِنهم أن يُعطوه دِينارًا، فأعطوه إيّاه لأنّه كان متوَّفرًا في جيوبِهم. وبالتَّالي، استنادًا إلى العبارة الّتي قالها لهم يسوع: “إنّكم تُعطون ما لِقَيصر لِقَيصَر، وما لله لله”، يأتي جوابَه على الشَّكل التَّالي: لماذا تسألونني عن دَفع الجِزيَة، طالما أنّكم تُحسِنون تَدبيرَ أُمورِكم مِن جهةٍ مع القيصر ومِن جهةٍ أُخرى مع الله. كان اليَهود يَقومون بِواجِباتِهم الدِّينِيَّة داخل الهَيكل، الّتي تَقومُ على تَردادِ بَعضِ الصَّلوات؛ ولَكِنَّهم بَعد أن يَخرجوا منه، كانوا يَعيشُونَ حياتَهم على هَواهُم، أي بِطَريقةٍ لا تَتناسَبُ مع صَلواتِهم، إنّما مع ما يريده القَيصَرُ مِنهُم.
وبالتَّالي، مِن خلال هذه العبارة، أراد الربُّ يسوع أن يَقول لليَهود، إنّهم يَكذِبونَ على قَيصر وعلى الله في آنٍ معًا، لأنَّ هَمَّهم الوحيد هو المحافظةُ على الأُمَّة اليَهوديّةِ لا على طاعتهم للّه.
مع بِدايةِ هذا الإصحاح من إنجيل مَرقس، بدأنا نَتلَّمس بِدايةَ المواجهاتِ بَين اليَهود والربِّ يسوع، وفي الإصحاحات القادمة، سَنَكتَشِفُ مُواجَهاتٍ بَينَ الربِّ يسوع والصَّدوقيِّين حَول مَسألةِ قيامةِ الأموات. كما سَنُلاحظ في الإصحاحات القادمة، أنَّ اليهود سَوف يُرسِلون إلى يسوع يَهوديًّا لِيَسألَه عن أعظم الوصايا، بِهدَفِ إيجاد مَأخذٍ على الربِّ، كما أنّ اليهود في ما بَعد سَيَتَحدَّونَه في مسألةِ الانتماء إلى سلالةِ الـمَلِك داود. ولهذه الأسباب كلِّها، سيُحَذِّر الربُّ أتْباعه مِنَ الكَتَبة والفرِّيسيِّين. وفي الإصحاحِ الثّالث عشر، سَيَبدأ الإنجيليُّ مَرقس بِإخبارِنا عن خَرابِ الهَيكَل الّذي يَدُلُّ على انتهاء عَهد اليَهود، وبداية عَهد يسوع مع الهيكل الجديد الّذي سَيَبنِيه بِجسَدِه ودَمِه مِن خلالِ مَوتِه على الصَّليب. وفي الإصحاحاتِ الأخيرةِ من إنجيله، سَيُخبرنا الإنجيليّ مرقس عن صَلب الربِّ يسوع ومَوتِه على الصَّليب ثُمّ قِيامَتِه مِن بين الأموات.
ملاحظة: دُوِّنت مِن قِبلنا بأمانة.
