تفسير الكتاب المقدّس

الأب ابراهيم سعد

إنجيل القدّيس مرقس الرّسول – الإصحاح العاشر (1-27)

في هذا الإصحاحِ، يُركِّز الإنجيليُّ مَرقسُ على مَسيرةِ يسوع الّتي ستَقودُهُ إلى الصَّليب، فيُخبِرُنا أنَّ يسوع قد انتَقَلَ مِن مَكانٍ إلى آخر، وأنَّ الجموعَ كانَتْ تُلاحقُه وتَحتَشِدُ حولَه، فَكانَ “يُعلِّمهم”(10: 1) كَمَن له سُلطانٌ. إنَّ هدَفَ الإنجِيليِّ مَرقسَ في هذا النَّصِّ هو تَسليطُ الضَّوءِ لا على الأعاجيبِ الّتي كانَ يَقومُ بها الربُّ يسوع، إنّما على التَّعليمِ الإلهيِّ الّذي كانَ يُعطيه لِلشَّعبِ، فأظهَرَ سُلطانَ الكَلمَةِ الإلهيَّةِ الّذي يَتمتّعُ به الربُّ يسوع، وقوَّةَ فِعلِ تِلكَ الكَلِمةِ في النُّفوسِ. واجَهَتْ مَسيرةُ يسوعَ التَّعليميّةِ عدّةَ عراقيلَ، أوَّلاً مِن الشَّيطانِ بِشَكلٍ مُباشَرٍ، كما أخبرَنا الإنجيليُّ مَرقس في بدايةِ إنجيلِه؛ وثانيًا مِن الفرِّيسيِّين الّذين كانوا يَطرَحونَ عليه الأسئلةَ مِن أجلِ الإيقاعِ به، عَلَّهُم يَجِدون سَببًا لِقَتلِه: فالربُّ يسوع، بالنِّسبةِ إلَيهِم، هو مُجدِّفٌ على الشَّريعة، لا ابنَ الله كما يَقول. كان الربُّ يسوع يُدرِكُ هَدَفَ الفرِّيسيِّين مِن طَرحِ الأسئلةِ عليه، لذا كانَ يَتعامَلُ مَعهم بِحذَرٍ، فكانَ يُعطِيهِم الجوابَ على أسئلتِهم مِن خِلالِ طَرحِه سؤالاً عَلَيهم يَجعلُهم في حِيرَةٍ مِن أمرِهم. إنَّ عبارةَ “ليُجرِّبوه” (10: 2)، تُشيرُ إلى الـمُجرِّبِ الّذي هو الشَّيطان. إنَّ كُلَّ فِكرٍ يُراوِدُ الإنسانَ، وكُلَّ عملٍ يَقومُ بِهِ هذا الأخيرُ، يَهدفُ إلى عرقلةِ مَسيرةِ الربِّ، هو فِكرٌ شيطانيّ وعَملٌ شيطانيّ. إنَّ هذا العَمَلَ الشَّيطانيَّ أو الفِكرَ الشَّيطانيَّ قد يُنَفِّذُه إنسانٌ واحدٌ أو مَجموعةٌ مِن الأشخاص.

طَرَحَ الفرِّيسيّونَ سُؤالاً على الربِّ يسوعَ يَتعلَّقُ بالطَّلاقِ، فأجابَهم بِطَرِحِ سؤالٍ عَلَيهم هو: “بِمَاذا أَوصَاكُمْ مُوسَى؟””(مر 10: 3)،  وبِذَلِكَ أرادَ الربُّ أنْ يَقولَ للفرِّيسيِّينَ إنّ موسى قد أعطاكُم الجوابَ على سؤالِكُم، فَلماذا إذًا تَطرَحون عَليَّ السُّؤال؟! صحيحٌ أنَّ َّ النَبيَّ موسى قد سمَحَ للشَّعبِ اليَهوديِّ بِكِتابِ طلاقٍ، ولكنَّ الربَّ، مِن خلالِ جَوابِه على سؤالِهم، أعطاهُم تَفسيرًا جديدًا لهذه الشَّريعة. إخوتي، إنَّ الربَّ يسوع لَيسَ المفسِّرَ الأوَّلَ لكَلِمةِ الله، وكأنَّ هناكَ مُفسِّرينَ آخرين، بَل هو المفسِّرُ الوحيدُ إذ لا أحدَ سِواه يَستطيعُ تَفسيرَ الشَّريعةِ بِشَكلِها الصَّحيح،ِ وتَفسيرُ الشَّريعةِ يُسمَّى في اليونانيّة Exagese. في إنجيلِه، أكَّدَ لنا الإنجيليُّ يوحنَّا أنّ الربَّ يسوع هو المفسِّرُ الوحيدُ للشَّريعةِ، عندما قالَ لنا إنَّ الربَّ يسوع كانَ في حِضنِ الآبِ. لَقَد أخبَرَ الربُّ يسوعُ الفِريسيِّين أنَّ موسى سَمحَ لهم بِكتابِ الطَّلاقِ بِسَببِ قَساوةِ قلوبِهم. 

في الكِتابِ المقدَّسِ، نُلاحِظُ وجودَ عِباراتٍ كَثيرةٍ تُشيرُ إلى قَساوةِ قُلوبِ المؤمِنِين بالله. كانَ اللهُ يتعامَلُ مع شَعبِه، انطلاقًا مِن قَساوةِ قُلوبِهم، فَهِيَ لَيسَت على حَسبِ مشيئتِه، وقد أدَّى ذَلِكَ إلى معاناةِ الله مع شَعبه، مُنذ القِدَم، وقد استَمرَّتْ هذه المعاناةُ مع الربِّ يسوع، في علاقِته مع الفرِّيسيِّين. إنّ الفرِّيسيِّين والكَتبة قد احتَكروا الله، فاعتَبَروه إلهَهمُ فقط، واعتَبروا ذواتِهم شَعبَ اللهِ المختارَ دُونَ سِواهُم مِنَ الشُّعوب. إنَّ هذا التَّفكيرَ اليَهوديَّ يَدفعُنا إلى طَرحِ الأسئلةِ التَّالية: مَن الّذي قالَ لهم إنَّهم الشَّعبُ الوحيدُ المختارُ مِن الله؟ ومَن الّذي قالَ لَهم إنَّ اللهَ هو إلهُهُم وَحدَهم دُون سِواهُم مِن الشُّعوب؟ إنَّ مُشكلةَ اليَهودِ الأساسيّةِ تَكمنُ في رؤيتِهِم لله! إنَّ الطَّلاقَ حالةٌ استثنائيّةٌ ولَيسَت حالةً دائمةً، إنّها حالةٌ طارئةٌ، تَحدُثُ عندما يكونُ القَلبُ قاسيًا. إنَّ قَساوةَ القلبِ تَفتَرضُ وجودَ ظالمٍ ووجودَ مَظلومٍ. إنَّ اللهَ لا يَرضى بِالظُّلم، لذا دافَعَ عن المظلومِ مِن خلالِ كِتابِ الطَّلاقِ، رافِعًا به الـمَظلوميّةَ عنه مِن دون أن يُعطيَ امتِيازًا للظَّالم.

“وَلكِنْ مِنْ بَدْءِ الخَلِيقَةِ، ذَكَرًا وَأُنثَى خَلَقَهُمَا اللهُ”.
7  “مِنْ أجْلِ هذا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلتَصِقُ بِامْرَأتِهِ،”
8  “وَيَكُونُ الاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا. إذًا لَيْسَا بَعْدُ اثْنَينِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ.
9  “فَالَّذِي جَمَعَهُ اللهُ لا يُفَرِّقْهُ إنْسانٌ”.
إنَّ الحالةَ الأساسيّةَ والطَّبيعيّةَ في الحياةِ هي ارتباطُ الذَّكَرِ والأُنثى. إنَّ الآيةَ 6 مِن هذا النَّصّ تُشكِّلُ جوابًا على زواجِ المِثليِّين، الّذي أصبحَ شائعًا في عالمِنا اليوم، إذ تُخبرُنا أنَّ اللهَ خَلقَ الإنسانَ ذَكرًا وأُنثى، وبالتَّالي، لا يُوجَدُ نوعٌ آخَرُ من الارتِباط. إنَّ الزَّواجَ الّذي يَتمُّ بَينَ شَخصَين مِن الجِنسِ نَفسِه هو مِن أعمالِ الشَّيطانِ، على الرُّغم مِن أنّ البَعض يَعتَبرُه حقًا مِن حقوقِ الإنسان. إخوتي، إنَّ حَقَّ الإنسانِ يَكمنُ في محافظتِه على صورةِ الله فيه، لا في تَغييرِها. إنَّ صورةَ الله تَكمُنُ في خَلقِ اللهِ الإنسانَ ذَكرًا  وأُنثى. أمَّا الحالةُ الخاطئةُ، أو الحالةُ الشَّاذةُ، فَعَلينا معالَجتُها مِن بابِ الرَّحمةِ، أو مِن بابِ التَّوبيخِ، أو مِن بابِ الإرشادِ والتَّصحيحِ، كما نَستطيعُ معالَجتَها مِن بابِ الحَسْمِ والحَزمِ، إذ لا يُمكِنُنا الخضوعُ لمفاهيمِ حُقوقِ الإنسانِ والإطاحةِ بِكُلِّ مَفاهيمِ الكِتابِ المقدَّس. مِن خلالِ قِراءتِنا لهذا النَّصِّ، نُدركُ أنَّ الربَّ يَسوع يَتكلَّمُ على مَفهومِ الزَّواجِ، أو مؤسَّسةِ الزَّواج. حِينَ يُكلِّمُنا الربُّ على تَركِ الرَّجُل لأهلِه، فهو لا يَقصدُ إهمالَه لهُم، بل يَقصدُ تَركَ الرَّجُلِ الإقامةَ مع والِدَيه بِهَدفِ الإقامةِ مع زَوجتِه.

في كُلّ ِاحتفالِ زَواجٍ، هناك عريسٌ وعروس. في هذا الإطارِ، يُخبرُنا بولسُ الرَّسول، في رسالتِه إلى أهلِ أفسُس، أنَّ الزَّواجَ الوحيدَ في المسيحيّةِ هو زواجُ المسيحِ بكَنيسَتِه، وهذا يَعني أنَّ الكَنيسةَ هي عَروسَةُ المسيحِ وأنَّ المسيحَ هو عَريسُها. عندما يَتزوَّجُ اثنانِ، يُصبِحان جسدًا واحدًا، لا بِفَضلِ الحُبِّ الّذي يَجمعُ بَينَهما، لأنّ الحُبَّ قد ينتهي في لحظةٍ، نَتيجةَ فِعلٍ يَقومُ به أحدُ الطَّرفَين فيُسيءُ مِن خلالِه إلى الآخَر. كما أنَّه لا يُصبحُ الرَّجُلُ والمرأةُ جَسدًا واحدًا بِسَببِ السُّكنى معًا، فالسَّكَنُ الـمُشترَك لا يُؤدِّي بالضَّرورةِ إلى وِحدةِ حالٍ بين الطَّرَفين. هناكَ اعتقادٌ خاطئٌ عِندَ المؤمِنِين في ما يَخصُّ سِرَّ الزَّواج، إذ يَعتبرُ الكثيرونَ أنَّ المسيحَ هو شاهدٌ على إكليلِ الرَّجُلِ والمرأةِ، أو أنَّه مُبارِكٌ له أو أنَّه مُقدِّسٌ له، وهذا يعني أنَّ المسيحَ يسوعَ قد تحوَّلَ إلى طَرفٍ ثالثٍ، وهذا يَتعارَضُ مع كلامِ بولسَ الرَّسولِ حولَ الزَّواج. 

إخوتي، إنَّ المسيحَ يسوع لَيسَ طَرفًا ثالثًا في الزَّواج، بَل هو طَرفٌ أوَّلُ فَهو العريسُ، والعَروسان أي الرَّجُلُ والمرأةُ يَتَّحِدانِ معًا ليُشَكِّلا سَويًّا عَروسًا واحدةً للمَسيح يسوع. إذًا، الوِحدةُ بَين الرَّجُلِ والمرأةِ ناتجةٌ عن ارتباطِهِما بالمسيحِ يسوع، عَريسِهما الأوحد. إستنادًا إلى تَفسيرِ بولسَ الرَّسولِ لِسِرِّ الزَّواج، فإنَّ المقصودَ بِعِبارة “ما جمَعَه الله لا يُفرِّقُه إنسان” (10: 9)، لَيسَ الأسبابُ الّتي جَمعَتْ الرَّجلَ بالمرأةِ وأدَّت إلى زواجِهِما، بل المقصودُ هو ما جَمعَ العَريسُ يسوعُ المسيحِ بالعَروسِ أي الإنسانِ الخاطئِ المتمثِّلِ بالرَّجُلِ والمرأةِ، فالربُّ أرادَ أن يَتَزوَّجَ البَشريّةَ ليَفتَديَها مِن خطيئَتِها، وَيَمنحَها الخلاصَ. لا يَستطيعُ أحدٌ أو شيءٌ أن يَفصِلَ اللهَ عن الإنسانِ الخاطئِ، ولا حتّى الخطيئةُ تَستَطيعُ ذلك. عندما يَختارُ الرَّجُلُ امرأةً ليَتزوَّجَها، يَختارُها بلا عَيبٍ قَدرَ الإمكانِ، غَيرَ أنّ الرّبَّ قد اختارَ البَشريّةَ الخاطئةَ لِيَتزوَّجَها ويَتَّحِدَ بها. وبِما أنَّ عُيوبَها كَثيرةٌ، قرَّرَ الربُّ غَسْلَ عَروسِه، أي البَشريّةِ الخاطئةِ، يَوميًّا بِكَلِمتِه المقدَّسةِ، أي بالإنجيلِ، فتَعودُ إلى حالتِها الأُولى الّتي كانَت عَلَيها قَبْلَ الخطيئةِ، أي عَروسًا لا عَيبَ فيها، فيَتَمكَّنُ مِن الاتِّحادِ بها. إخوتي، يَستطيعُ البَعضُ العَملَ على تَفريقِ رَجلٍ عن امرأتِه، فيَتَطلَّقان. إنَّ الكنيسةَ سَمَحَتْ بالطَّلاقِ، نَظرًا لِقَساوةِ قلوبِ المؤمِنِين. إنَّ الكَنيسةَ مَدعوَّةٌ إلى عَيشِ الرَّحمةِ على الرُّغمِ مِن الخَطيئةِ الّتي يَرتَكبُها الإنسانُ، لذا سَمَحَتْ بالطَّلاقِ رَحمةً بالطَّرفِ المظلومِ في الزَّواج. إنّ الاستثناءَ الّذي دَفعَ موسى إلى السَّماحِ للشَّعبِ اليَهوديِّ بإعطاءِ كِتابِ الطَّلاقِ، أي قساوةِ القلوبِ، هو نَفسُه الّذي دَفعَ الكَنيسةَ إلى السَّماحِ بكِتابِ الطَّلاقِ للمؤمِنِين. إنَّ الكَنيسةَ تَمنحُ هذا الاستثناءَ للمؤمِنِين، كُلَّما دَعَتِ الحاجةُ لِرَفع الظَّلمِ عن الـمَظلوم.

10 “ثُمَّ في البَيْتِ سَأَلَهُ تَلامِيذُهُ أَيضًا عَن ذلِكَ،
11 “فَقَالَ لَهُمْ: “مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَتَزَوَّجَ بِأُخْرَى يَزْني عَلَيها”.
12 “وَإنْ طَلَّقَتِ امْرَأَةٌ زَوجَهَا وَتَزَوَّجَتْ بِآخَرَ تَزْني”.
إنَّ الربَّ يسوع يَعتَبرُ الزَّواجَ قرارًا يتَّخذُهُ الرَّجُلُ والمرأةُ بالاتِّحادِ، فَيَكُونا معًا عَروسًا واحدةً له. وبالتَّالي، عِندما يُقرِّرُ أحدُ الطَّرفَين الطَّلاقَ مِن شريِكِه والزَّواجَ بِشَريكٍ آخر، يَكَسِرُ العلاقةَ الّتي كانَ قد تَعهدَّ بها سابقًا والقائمةَ على اتِّحادِ المسيحِ يسوع بِعروسِه أي الكَنيسَةِ، كما يَقومُ بِعمليِّة زِنىً، لا ضِدَّ شريكِه بل ضدَّ المسيحِ يسوع. إنّ الزِّنى، في الكِتاب المقدَّسِ، هو الانفصالُ عن اللهِ. هُنا، نَتَذكَّرُ وَصفَ إرميا النَّبيِّ الشَّعبَ اليَهوديَّ بـ”الزَّانية”، أوّلاً لأنَّ الشَّعبَ اختارَ الابتِعادَ عن النَّبعِ الحقيقيِّ أي الله، وثانيًا اتَّبعَ آبارًا مشقَّقةً لا نَفعَ مِنها، أي آلهةً وَثَنيَّة. إنَّ سِفرَ هُوشَع، وسِفرَ حزقيال (مِن الإصحاح 16 إلى الإصحاح 23)، هُما خَيرُ مِثالٍ على الزِّنى، بِحَسبِ مَفهومِ الكِتابِ المقدَّس. في سِفرِ حَزقيال، يُعبِّرُ اللهُ بِقَساوةٍ عَن غَضَبِه مِن خيانةِ عروِسِه له، أي الشَّعبِ اليَهوديّ، فَهو، أي اللهُ، قد اختارَ أن يكونَ زَوجًا لهذه العَروس. إنَّ الربَّ هو إلهٌ مُحبٌّ وغَيورٌ على عروسِه، لذا هو يَغضَبُ عندما تَنظُرُ هذه الأخيرةُ إلى أحدٍ غَيرِه، أي إلى آلهةٍ أُخرى. إنَّ غِيرَةَ اللهِ على شَعبِه تَنعكسُ أيضًا على علاقةِ الرَّجُلِ بامرأتِه.

حِينَ نَقرأُ نَصًّا إنجيليًّا، عَلَينا أنْ نَقرأَهُ بِتَمَعُّنٍ، لِنَتَمكَّنَ مِن اكتِشافِ كُلِّ أبعادِه. وإذا أقَمْنا مُقارنةً بَينَ النُّصوصِ الإنجيليّةِ الـمُتشابِهةِ عندَ الإنجيليِّيِن الإزائيِّين أي متَّى ومرقس ولوقا، سنُلاحظُ اختلافًا في التَّعابيرِ، وذلك بِسَببِ اختلافِ مَوهبةِ كُلِّ واحدٍ مِنهُم عن الآخر إضافةً إلى اختلافِ هَدَفِ كُلِّ واحدٍ مِنهُم في كتابَتِه إنجيلَه: فَكُلُّ واحدٍ مِنهُم وَجَّهَ إنجيلَه، أي كَلِمَةَ اللهِ، إلى بيئةٍ مختلِفَةٍ عن البِيئةِ التّي وَجَّهَ إليها الآخَرُ كِتابَه. إنَّ مِيزَةَ الإنجيليَّ مَرقُس تَكمنُ في استِعمالِه كَلِماتٍ مُختَصَرةٍ وجافَّةٍ، ما دَفعَ البَعضَ إلى الاعتِقادِ بأنَّ إنجيلَه هو إنجيلٌ بَسيطٌ وشَعبيّ، غَير أنَّه في الحقيقةِ إنجيلٌ في غايةِ الصُّعوبةِ بِسَبِبِ استعمالِ الإنجيليِّ أسلوبَ السَّهلِ الـمُمتَنِع. إليكُم مِثالًا تَوضيحيًّا لِما أقول: إنَّ نَصَّ تَجربةِ يسوعَ موجودٌ في الأناجيلِ الإزائيّةِ الثّلاثة؛ وفي مُقارَنةٍ بَينَ النُّصوصِ الثَّلاثةِ، نُلاحِظُ أنَّ الإنجيليَّيْن متّى ولوقا كَتَبا نُصوصًا طويلةً لِشَرحِ التَّجاربِ الثّلاثةِ الّتي مَرَّ بها يَسوعُ في البَريّةِ، في حِين أنَّ الإنجيليَّ مَرقس اكتَفى بِالكلامِ على الموضوعِ بِآيةٍ واحدةٍ (12: 1)، مِن دون أن يَذكُرَ تَفاصيلَ التَّجارِبِ الثَّلاث. إنَّ إنجيلَ مَرقس هو الإنجيلُ الأوَّلُ الّذي كُتِبَ مِن بَينِ الأناجيلِ، سنة 67، بَعدَ مَوتِ الرَّسولَين بُطرسَ وبولسَ. 

بَعد مَوتِ الرُّسل، شَعرَ المؤمِنون الّذين تَلَّقَوا البِشارةَ بِاليُتمِ، لذا كانَ مِنَ الضَّروريِّ كِتابةُ الإنجيلِ لِتَشديدِ المؤمِنِين على الثَّباتِ في إيمانِهِم بالربّ، الّذي ماتَ وقامَ وصَعِدَ إلى السَّماءِ وسيَعودُ مُجدَّدًا. مِن خِلال كِتابَتِهم للإنجيل، حَفِظَ الإنجيليِّونَ التَّقليدَ الرَّسوليَّ الّذي نَقلَه الرُّسلُ إلى المؤمِنِين، حَفِظُوه مِن أيِّ تَشويشٍ: فَكان مَرقسُ أوّلَ مَن كَتَبَ إنجيلَه، ثُمَّ تَبِعَه متّى ولوقا في كِتابَةِ إنجِيلَيْهِما، بعد اطِّلاعِهِما على إنجيلِ مَرقس واستنادِهما إلى خِبرَتِهما الـمُعاشةِ مع الربِّ يسوع. تَوسَّعَ الإنجيليَّان متّى ولوقا في رِوايةِ بعضِ الأحداثِ الّتي ذَكَرَها مَرقس، مِن أجلِ شَرحِ الحقيقةِ بِكُلِّ تَفاصيلِها، وإيصالِ كَلِمَةِ الله،كُلُّ واحدٍ مِنهُما إلى البيئةِ الّتي توجَّهَ إليها. إنَّ البِيئَةَ الّتي تَوجَّهَ إليها متَّى هي البِيئَةُ اليَهوديّةُ؛ أمّا لوقا فَتَوجَّهَ إلى البيئَةِ اليُونانيَّةِ ذاتِ الثَّقافةِ الهِلِّينيَّةِ المتعلِّمة. إذًا، إنَّ اختلافَ التَّعابيرِ بَين الإنجيلِيِّين لا يُعبِّرُ عن تَضارُبٍ في صِحَّةِ الأحداثِ المنقولةِ إلينا، بل يُعبِّرُ عن تَكامُلٍ في رِوايةِ الحَقيقةِ الّتي اختَبَرها هؤلاءِ الثّلاثة. إنَّ إنجيلَ يوحنّا يَختَلِفُ عن الأناجيلِ الإزائيّةِ لأنَّه كُتِبَ لاحقًا، وهو لا يَنتمي إلى الأناجيلِ الإزائيّةِ لأنَّه يتَّخِذُ مَنحىً لاهوتِيًّا، ولهذا السَّببِ سُميَّ يوحنَّا الرَّسولُ بِيُوحنَّا اللّاهوتيّ، لأنَّ طَريقةَ سَردِه للإنجيلِ مختلفةٌ عن طريقةِ سَردِ باقي الإنجيلِيِّين.

13 “وَقَدَّمُوا إِلَيْهِ أولادًا لِكَيْ يَلْمِسَهُمْ. وَأَمَّا التَّلامِيذُ فَانْتَهَرُوا الَّذِينَ قَدَّمُوهُم”.
14 “فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ ذلِكَ اغْتَاظَ وَقَالَ لَهُم: “دَعُوا الأولادَ يَأْتُونَ إلَيَّ وَلا تَمنَعُوهُمْ، لأَنَّ لِمِثْلِ هؤُلاءِ مَلَكُوتَ اللهِ”.
15 “اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ لا يَقْبَلُ مَلَكُوتَ اللهِ مِثْلَ وَلَدٍ فَلَنْ يَدْخُلَهُ”.
16 “فَاحْتَضَنَهُمْ وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَيْهِم وَبَارَكَهُم”.

في هذا النَّصِّ، نُدرِكُ أنَّ التّلاميذَ لم يَتمكَّنوا بِعدُ مِن فَهمِ الحَقيقةِ الّتي نَقَلَها إلَيهِم الربُّ يسوع، على الرُّغمِ مِن مُرافقَتِهِم المستمِرَّةِ له وسَماعِهِم كلامَه، فَهُم قد مَنعوا اقترابَ الأولادِ مِن يسوع كي لا يتسبَّبوا بإحداثِ ضجَّةٍ أو فوضًى، فيؤدِّي ذلك إلى انزِعاج الربِّ. غَضِبَ يسوعُ مِن تَصرُّفِ التَّلاميذِ، وقد استَعمَلَ الإنجيليُّ مَرقس عِبارةَ “اغتاظ”، للتَّعبيرِ عن غَضِب الربِّ. إنّ عِبارةَ “اغتاظَ” تُشيرُ إلى الغَضبِ الّذي شَعرَ به يسوع، وهو غَضَبٌ مقدَّسٌ، لا كَغضَبِ البَشرِ الّذي يؤدِّي حَتمًا إلى ارتكابِ الخطيئة. إنّ الغَضَبَ البَشريَّ يُشبِهُ إلى حدٍّ بَعيدٍ المرأةَ الحامِل: فَكَما أنَّ المرأةَ الحامِلَ لا بُدَّ لها من أن تُعطيَ الحياةَ لِموَلودِها عاجلاً أم آجِلاً، كذلكَ الغَضَبُ لا بُدَّ له من أن يؤدِّيَ إلى ولادةِ الخطيئةِ عاجلاً أم آجِلاً. في هذا النَّصِّ، يَدعونا الربُّ يسوع إلى التَّشبُّهِ بالأطفالِ، للحصولِ على مَلكوتِ الله. إنَّ الربَّ يسوعَ يَدعونا لا إلى التَّشبُّهِ بالأطفالِ مِن حيثُ تَصرُّفاتُهُم الصِّبيانيّةُ، بل إلى التَّشبُّهِ بِهم مِن حيثُ اتِّكالُهُم على والِدِيهم: فالطِّفلُ يَشعرُ بالأمانِ والطُّمانينةِ حِينَ يَكونُ جالسًا في حِضن والِدَيه، أو ممسِكًا بأيديهِما، غير آبهٍ بالفوضى أو الصُّعوباتِ الموجودةِ في مكانِ تَواجُدِه، كذلِكَ نَحنُ أيضًا مدعوُّونَ إلى التشَّبُهِ بِهِم باتِّكالِنا على أبينا السَّماويّ، أي الله. إذًا، إنَّ ارتباطَ الولَدِ بأُمِّه وأبِيه، يُشبِهُ إلى حدٍّ بَعيدٍ ارتِباطَنا بالله، فاللهُ يَملِكُ الصِّفاتِ الذُكوريّةَ والأُنثويّةَ معًا. في هذا الإطارِ، يُخبِرُنا الكِتابُ المقدَّسُ أنَّ اللهَ رَحومٌ؛ والرَّحمةُ هي صِفَةٌ أُنثويّةٌ إذ إنَّها مُشتَّقةٌ من كَلِمة “رَحِم”، وهذا يَعني أنَّ عِبارةَ “اللهُ رَحومٌ” تُشيرُ إلى أنَّ اللهَ يَحتَضِنُ الإنسانَ الخاطئَ،كما تَحتَضِنُ الأُمُّ طِفلَها. 

في رِسالتِه الأُولى إلى أهلِ كورنثوس، لَجأَ بولسُ الرَّسولُ إلى استِعمالِ هذه الصِّفةِ الأُنثويّةِ قائلاً: “لأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَكُمْ رَبَوَاتٌ مِنَ الْمُرْشِدِينَ فِي الْمَسِيحِ، لكِنْ لَيْسَ آبَاءٌ كَثِيرُونَ. لأَنِّي أَنَا وَلَدْتُكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ بِالإِنْجِيلِ.” (1 كور 4: 15). إنَّ الإنجيلَ هو “الكَلِمَةُ المزروعةُ”، قد اسُتِعملَتْ هذه العبارةُ في الكَنيسةِ الأُولى، في اللُّغةِ اليونانيّةِ، “Logos Spermaticos”، وهذا يعني أنّ الإنجيلَ هو الكلمةُ الإلهيّةُ الّتي لا بُدَّ لها من أن تُنتِجَ وَلَدًا مُتعلِّقًا باللهِ أبيه. إنَّ الإنسانَ الّذي يَتعلَّقُ باللهِ لا يَهتمُّ لأيِّ شيءٍ، سِوى تَحقيقِ مَشيئةِ اللهِ في حياتِه. حِينَ يَجلسُ الطِّفلُ إلى المائدةِ مع والِدَيه، يَجدُ الطَّعامَ مُتاحًا أمامَه؛ ولكنْ إذا أرادَ الذَهابَ إلى الـمَطبَخِ للحصولِ على الطَّعامِ، فإنَّه لَن يَجِدَ شيئًا لأنَّ الطَّعامَ كُلَّه موجودٌ على المائدةِ، وبالتَّالي لَن يَصِل إلى هَدَفِه. هذه هي خطيئةُ آدم، هذه هي خطيئةُ الإنسانِ الأساسيّةُ، فالإنسانُ يريدُ الحصولَ على أمورٍ مَنحَهُ إيّاها اللهُ، مِن خلالِ بَحثِهِ عنها في أماكِنَ بَعيدةٍ عن الله، فلا يَجدُها! إنَّ الخطيئةَ تَكمنُ في إصغاءِ الإنسانِ إلى إبليسِ الّذي يُوهِمُه بأنّ اللهَ لا يريدُ إعطاءَهُ ما يريدُهُ، فيُصدِّقُه! إنَّ اللهَ خَلَقَ الإنسانَ على صُورَتِه ومِثالِه، فَطلَبَ مِنه مُشارَكَتَه السِّيادةَ على الخليقةِ كُلِّها، مِن خلالِ تَسمِيَتِها. إذًا، حين يُقرِّر الولَدُ الحصولَ على أُمورٍ بِمَعزلٍ عن والِدَيه، لن يتمكَّنَ مِن الحصولِ عليها لأنّه ابَتَعدَ عن الكَنفِ الوالِديّ، أي عن الحمايةِ الوالِدِيّةِ له، وهذا يَعني أنَّه سيَدخُلُ في حالةٍ من الضَّياعِ لأنَّه وَضَعَ ذاتَه تحت سُلطةٍ أُخرى. إنَّ كُلَّ ابتعادٍ عن اللهِ هو عَملٌ شيطانيّ، إذ يُصبحُ الإنسانُ في خَطرٍ لأنَّه خَضَعَ لِسُلطةٍ أُخرى غيرِ الله. في القديمِ، كان مسؤولُ القَبيلةِ يَعيشُ في خَيمةٍ ويَسكُنُ حولَها كُلُّ أهلِ قَبيلتِه، لأنَّ مسؤولَ القَبيلةِ يَسهَرُ على حمايَتِهم مِن الأخطار. وبالتَّالي، كُلَّما ابتَعد أحدُ أفرادِ هذه القَبيلةِ عن خيمةِ المسؤولِ، مُتوجِّهًا صَوبَ الصَّحراء، عرَّضَ ذاتَه لِخَطرِ الموتِ والضَّياعِ والوقوعِ في قَبضةِ العدُوِّ. 

إنَّ عِبارةَ “الملكوت” تَعني الـمَملكةَ، ولا يُمكنُنا الحديثُ عن مملكةٍ من دونِ مَلكٍ فاعلٍ وحاضرٍ في مملَكِتِه على الدَّوام. هُنا، نَتذكَّرُ المزمورَ القائل: “الربُّ قد مَلَك” (93: 1)، لا “الربُّ هو مَلِكٌ”. إنّ عِبارةَ “الربُّ قد مَلَكَ” تُشير إلى أنَّ الربَّ هو مَلِكٌ يَسهَرُ على تَفعيلِ مُلوكيَّتِه في مملَكتِه، فالمَلِكُ لا يستطيعُ أن يَكونَ مَلِكًا مُستَقيلاً. إذًا، الـمُلوكيّةُ هي مَرتَبةٌ وَظائفيّةٌ، وكذلِكَ الكَهنوتُ والأُسقفيّة. على الكاهنِ أن يُفعِّلَ دَورَه الكَهنوتيَّ في رعيِّتِه من خلالِ خِدمةِ الأسرارِ الإلهيّةِ في سَبيلِ خِدمةِ المؤمِنِين. وبالتَّالي، حِينَ يَقولُ لنا الإنجيليُّ مَرقس: “لأَنَّ لِمِثْلِ هؤُلاءِ مَلَكُوتَ اللهِ.” (مر 10: 14)، فهذا يَعني أنَّ اللهَ وَكُلَّ ما يَملِك سَوفَ يُعطى للأطفالِ، بِمَعنى آخر الطِّفلُ سيَكُونُ وَريثَ الله. إذًا، حين يتَّكلُ المؤمِنُ على اللهِ في كُلِّ شيءٍ، سَوف يُصبحُ شَريكًا للهِ في الملكوت. هناك فرقٌ كبيرٌ بين أن نَكُونَ أبناءَ للهِ وأن نَكونَ مِن شَعبِه المختار. إخوتي، نَحن لَسنا مِن شَعبِ الله “المختار”، ولا “خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَتْ للنَّاس” كما يَقولُ اليَهودُ عن أنفُسِهم، لأنَّ الشَّعبَ لا يَحتاجُ مِن الـمَلِكِ إلّا الحمايةَ مِن الأخطارِ وإلى رعايتِه القَوانينَ الـمُعتَرفَ بها في المملكةِ، وبالتَّالي الشَّعبُ لا يَملِكُ الحقَّ في الحصولِ على مِيراثِ الـمَلِك. أمَّا ابنُ الـمَلِكِ، فهو يَملِكُ حريَّةَ التَّصرُّفِ في كلِّ أقسامِ القَصرِ، لأنَّه شَريكٌ لأبيه في الميراث. 

في سرِّ المعموديّةِ، لا نَنتَقِلُ مِن حالةِ العُبوديّةِ الّتي نَعيشُها بِسَببِ الخطيئةِ إلى حالةِ الحريّةِ، إنّما ننتَقلُ مِن حالةِ العبوديّةِ إلى حالةِ البُنُوَّةِ، أي أنّنا نُصبحُ أبناءَ لله. أن تَكونَ ابنًا للهِ، فهذا يعني أنَّك تُصبِحُ وريثًا للمَلكوتِ، وهذه المِيزةُ يَتمتَّعُ بها يسوعُ المسيح. كانَتِ البَشريّةُ تَحتَ حُكمِ الخَطيئةِ، أي تَحتَ حُكمِ الشَّيطانِ، إلى أنْ جاءَ الربُّ يَسوع إليها، بِمَحبَّتِه غَيرِ الـمَوصوفةِ وغَيرِ الـمُدرَكةِ من البَشرِ، فَخلَّصَها بِمَوتِه على الصَّليبِ وقِيامتِه مِن بينِ الأموات. مِن خلالِ عَملِه الخلاصيِّ، حوَّلَ الربُّ يسوعُ الإنسانَ مِن عَبدٍ شارِدٍ على الطُّرقات، مُعرَّضٍ لِكُلِّ أنواعِ الأخطارِ والعبوديّةِ، إلى ابنٍ للهِ يَعيشُ في القَصرِ الـمَلَكيّ. حين يَقبلُ الإنسانُ المعموديّةَ بِاسمِ الآبِ والابنِ والرُّوحِ القُدُس، يُصبِحُ ابنًا للهِ، لأنّه ارتَضى عطيّةَ الرُّوحِ القُدسِ المجانيّةَ الّتي يَمنَحُها اللهُ للبَشرِ مِن دونِ فَضلٍ مِنِهم، وبالتَّالي، أصبَح بإمكانِه أن يَصرُخَ للهِ الآبِ “أبَّا”، كما علَّمَنا الربُّ يسوع. إنَّ هذه الصَّرخةَ “أبَّا”، الّتي صَرَخَها يسوعُ لأبيه، لا يَستطيعُ أحدٌ أن يَصرُخَها إلى اللهِ الآبِ، إلّا إذا كانَ ابنًا له، على مِثالِ يسوع. إنَّ صلاةَ الأبانا تَبدأُ بِعبارة “أبًّا”، لتُذكِّرَنا أنَّنا أبناءُ للهِ الآبِ، بِفضلِ إيمانِنا بالربِّ يسوع. إنَّ صلاةَ الأبانا هي مِن أجملِ الصَّلواتِ في الكَنيسَةِ، فَهِيَ صلاةٌ أُخرَويّةٌ يَطلُبُ فيها المؤمِنُ مِن اللهِ الآبِ أنْ يأتيَ مَلكوتُه اليوم، أي قَبلَ الوقتِ الـمُحدَّدِ لِذَلِك. 

إنّ الكَنيسةَ، بِمُختَلفِ طقوسِها ولِيتُورجيَّاتِها، تتلو صلاةَ الأبانا في القُدَّاسِ الإلهيِّ قَبل البَدءِ بالمناولةِ الإلهيّةِ، إذ إنّه لا يُمكنُنا المشاركةُ في مائدةِ الآبِ قَبلَ إعلانِنا أنّنا أصبَحنا أبناءَ له، مِن خلالِ قُبولِنا كلمتَه الإلهيّةَ، وبالتّالي قُبولِنا به أبًا لنا. في المناولةِ الإلهيّةِ، يُشارِكُ المؤمِنُ الربَّ في وَلِيمتِه الإلهيّةِ، فيَأكلُ مِن فِصحِ الربِّ. في هذه الصّلاةِ، نَطلبُ من اللهِ: أن يأتيَ إلى أرضِنا، وأن تتحقَّقَ مَشيئتُه في الأرضِ كما هي مُحقَّقةٌ في السَّماء، وأن يُنجِّيَنا مِن الشِّريرِ أي من الوقوفِ أمامَه في اليومِ الأخيرِ كَمُتَّهمين، لذلك هي صَلاةٌ أُخرَويّة. هناك بَعضُ الاختلافاتِ في الكنائسِ الشَّرقيّةِ والغَربيّةِ حولَ طَلَبِنا الخُبزَ اليوميَّ في هذه الصّلاةِ، لذا مِن الأفضلِ لنا العودةُ إلى النَّصِّ اليونانيِّ الأصليِّ لِحَسمِ هذا الاختلافِ في التَّرجمةِ. في النَّصِّ الأصليِّ لِصلاةِ الأبانا، نجدُ العبارةَ التَّالية “epioustios”، مُرفقةً بعبارةِ الخُبزِ، وهي تُقسَم إلى قِسمَين:  “Ousia” تعني الجوهريّ، و”epi” تعني الّذي مِن فوق، وبالتَّالي استنادًا إلى النّصِّ الأصليِّ فإنّ هذه العبارةَ تعني أنّنا نَطلبُ مِن الربِّ أن يُعطيَنا اليَومَ الخُبزَ الّذي سنتناولُه في اليَومِ الأخيرِ، وهذا ما يَحدُثُ بَعد تَلاوتِنا صَلاةَ الأبانا إذ نَتناولُ جسدَ الربِّ ودَمَه، فالربُّ هو الفِصحُ الّذي ذُبِحَ مِن أجلِنا وليسَ عنَّا.

17 “وَفِيمَا هُوَ خارِجٌ إلى الطَّرِيقِ، رَكَضَ وَاحِدٌ وَجَثَا لَهُ وَسَأَلَهُ: “أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ، مَاذا أَعْمَلُ لأَرِثَ الحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ؟”
18 “فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: “لِمَاذا تَدْعُونِي صَالِحًا؟ لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إلَّا وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ”.
19 “أَنْتَ تَعْرِفُ الوَصَايا: لا تَزْنِ. لا تَقْتُلْ. لا تَسْرِقْ. لا تَشْهَدْ بِالزُّورِ. لا تَسْلُبْ. أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ”.
20 “فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُ: “يا مُعَلِّمُ، هذِهِ كُلُّهَا حَفِظْتُهَا مُنْذُ حَدَاثَتي”.
21 “فَنَظَرَ إلَيْهِ يَسُوعُ وَأَحَبَّهُ، وَقَالَ لَهُ: “يُعْوِزُكَ شَيءٌ وَاحِدٌ: اِذْهَبْ بِعْ كُلَّ ما لَكَ وَأَعْطِ الفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ في السَّماءِ، وَتَعَالَ اتْبَعْني حامِلًا الصَّلِيبَ”.
22 “فَاغْتَمَّ على القَوْلِ وَمَضَى حَزِينًا، لأَنَّهُ كانَ ذا أَموَال كَثِيرَةٍ”.
إنَّ البَرَكةَ الّتي مَنحَها الربُّ يسوعُ للأطفالِ، هي علامةٌ على تَكريسِ الأُبوّةِ والبُنوَّةِ بينَ اللهِ والإنسانِ، كما أنّها تَمنحُ الإنسانَ الأمانَ والسّلام. إنّ الربَّ يسوعَ قد تَمكَّنَ مِن مَعرفةِ هذا الشَّخصِ الّذي أتى إليه، لذا دَخَل مَعه في نِقاشٍ؛ وعندما سألَه الربُّ عن الوَصايا أجابَه الرَّجُلُ إنّه قد حَفِظَها منذُ صِغَرِه. هُنا، نسأل: هل المسألةُ مسألةُ حِفظٍ للوصايا؟ يَقولُ لنا الإنجيليُّ مَرقس:”فَنَظَرَ إلَيْهِ يَسُوعُ وَأَحَبَّهُ” (10: 21)، وهذا التَّفصيلُ يَتفرَّدُ به الإنجيليُّ مَرقُس عن الإنجيليَّين متّى ولوقا. إنّ الإنجيليَّ متّى (متى  19: 16- 26) يُخبرُنا أنَّ هذا الرَّجلَ جاءَ إلى يسوعَ ليُجرِّبَهُ، أمّا في هذا الإنجيلِ فلَيس الأمرُ كذلك. إنَّ عِبارةَ “فَنَظَرَ إلَيْهِ يَسُوعُ وَأَحَبَّهُ”(10: 21) تُشيرُ إلى أنَّ هذا الشَّخصَ صادقٌ في رَغبتِه في اتِّباعِ يسوع، ولكنَّ المالَ الّذي يَملِكُه شكَّلَ عائقًا أمامَه في تَحقيقِ رَغبَتِه، لذا يَقولُ لنا الإنجيليُّ مرقس: “فَاغْتَمَّ على القَوْلِ وَمَضَى حَزِينًا، لأَنَّهُ كانَ ذا أَموَال كَثِيرَةٍ” (مر 10: 22). إنّ إشكاليّةَ المالِ لا تَكمنُ في تواجُدِه مع الإنسانِ، إنّما في طريقةِ تَعامُلِ هذا الأخيرِ مَعه: فالمالُ قد يَفتَحُ لَكَ مجالاً لاتِّباعِ يسوع، كما أنّه قد يُساهِمُ في إبعادِكَ عن الربِّ، وكلُّ ذلك مُرتَبِطٌ بِطريقةِ تَعامُلِكَ معه. لذلك، قالَ الربُّ لهذا الرَّجلِ إنّه سيَكونُ له كَنزٌ في السَّماءِ إذا أحسَنَ استخدامَ المالِ ووضَعَه في خِدمةِ الفقراءِ، من أجلِ اتِّباعِه للمسيح. 

في إنجيلِ مرقس، نقرأُ هذه العِبارة:”وَتَعَالَ اتْبَعْنِي حَامِلًا الصَّلِيبَ” (مر 10:22)، في حين أنّنا نجدُ عِبارةً مختَلفةً مِن حَيثُ التَّعابيرُ في إنجيلِ متّى، “وَتَعَالَ اتْبَعْنِي” (متى 19: 21)، فالإنجيليُّ متَّى لم يُشِرْ إلى ضرورةِ حَملِ  المؤمِنِ للصَّليبِ من أجلِ اتِّباعِ يسوع. إنَّ مرقسَ الإنجيليَّ قد ذَكَرَ هذه العِبارة “وَتَعَالَ اتْبَعْنِي حَامِلًا الصَّلِيبَ” (مر 10:22)، لأنَّ المَوقفَ الّذي يتَّخذُه الإنسانُ في اتِّباعِ المسيحِ، يتضمَّنُ إحساسًا بـ”المـَصلوبيّة”، أي بِضَرورةِ التَّضحيةِ في سَبيلِ المسيح. إنَّ الموقِفَ الّذي يتَّخِذُه الإنسانُ مِن المسيح يَفتَرِضُ عليه القيامَ بِبَعضِ الإماتاتِ، خصوصًا في الأمورِ الّتي قد تُبعِدُه عن المسيحِ يسوع، كالمالِ مَثَلاً. إنَّ الإنسانَ الغنيَّ بالمالَ يَعيشُ صراعًا داخليًّا ما بين عبادتِه للهِ و عبادتِه للمال. إنّ أحدَ الحُكماءِ يَقول: إنّ المالَ الّذي تَضعُه تَحتَ قَدَمَيكَ يَرفَعُك، أمّا المالُ الّذي تَضَعُه فوقَ رأسِكَ فيَسحَقُكَ. حين تَضعُ المالَ تحتَ قَدَمَيك، تَجعلُه خادمًا لَك، أمّا حِين تَضَعُه فوقَ رأسِك، فتَجعلُه سيِّدًا عليك. والمالُ لا يستطيعُ إلّا أن يكونَ إمّا خادِمًا صالِحًا، وإمَّا سيِّدًا سيِّئًا. إنّ هذا الرَّجلَ الغنيَّ الّذي أخبَرَنا عنه الإنجيليُّ مَرقس، ما زالَ غيرَ قادِرٍ على حلِّ مُشكلِتِه مع المالِ، لذا ذَهبَ حزينًا إلى بيتِه.

23 “فَنَظَرَ يَسُوعُ حَوْلَهُ وَقَالَ لِتَلامِيذِهِ: “ما أَعْسَرَ دُخُولَ ذَوِي الأَمْوالِ إلى مَلَكُوتِ اللهِ!”
24 “فَتَحَيَّرَ التَّلامِيذُ مِنْ كَلامِهِ. فَأَجَابَ يَسُوعُ أيضًا وقَالَ لَهُمْ: “يا بَنِيَّ، ما أَعْسَرَ دُخُولَ الـمُتَّكِلِينَ على الأَموَالِ إلى مَلَكُوتِ اللهِ!”: في القِسمِ الأوَّلِ من هذا النَّصِّ، أخبَرنا الربُّ يسوع أنّ الأطفالَ يَدخلون إلى ملكوتِ الله. إنّ الأطفالَ لا يَملِكونَ مالاً خاصًّا بهم، لذا نَجدُهُم مُتَّكِلِين على والِدِيهم، لا على ذواتِهم، لتأمينِ احتياجاتِهم الأرضيّةِ كافّةً. إنَّ ذَوي المالِ لا يَحتاجون لآبائهم لتأمينِ احتياجاتِهم، وبالتّالي أصبحوا مُشابِهين لآدَمَ الّذي اعتقدَ بأنّه قادرٌ على تأمينِ احتياجاتِه بَعيدًا عن الله. مِن خلالِ هذا الكلامِ، أرادَ الربُّ أن يُوضِحَ للرُّسلِ أنّه مِن الصَّعبِ على الـمُتَّكِلين على أموالِهم الدُّخولُ إلى مَلكوتِ اللهِ، لأنّهم يَعتبرونَ أنّ المال هو مَصدَرُ مَعيشَتِهم. إنَّ المالَ يُساعِدُ الإنسانَ على تَدبيرِ أمورِه المعيشيّةِ ولكنَّه ليس مَصدَر خلاصِه.

25 “مُرُورُ جَمَل مِنْ ثَقبِ إِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إلى مَلَكُوتِ اللهِ”
26 “فَبُهِتُوا إلى الغَايَةِ قَائِلِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: “فَمَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْلُصَ؟”
27 “فَنَظَرَ إلَيْهِمْ يَسُوعُ وَقَالَ: “عِنْدَ النَّاسِ غَيْرُ مُسْتَطَاعٍ، وَلكِنْ لَيْسَ عِنْدَ اللهِ، لأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ عِنْدَ اللهِ”.

لقد حاولَ مُفسِّرو الكِتابِ الـمُقدَّسِ شَرحَ الآية 26 من هذا النَّصِّ: فاعتَبَرَ البَعضُ مِنهم أنَّ المقصودَ بعبارةِ “الجَمَل” هو الحَبلُ العريضُ، بالتّالي هو لا يستطيعُ الدُّخولَ في ثُقبِ الإبرَة؛ في حين اعتَبر البَعضُ الآخَرُ أنَّ المقصودَ بِعبارة “إبرة” البوّابةُ الصَّغيرةُ الموجودةُ في أورشليم، لذا لا يَستَطيعُ الجَمَلُ، ذلك الحَيوانُ الّذي يَعيش في الصَّحراء، الدُّخولَ إليها، بِسَببِ صِغَرِها. أمَّا اعتقادي، فهو أنَّ الربَّ يسوعَ قد قارَنَ في هذا النَّصِّ ابراهيمَ أبا المؤمِنِين الّذي كان يَمِلِكُ مالاً كثيرًا، وأراضيَ شاسعةً، ويَنتَمي إلى عشيرةٍ غنيّةٍ، ولكنَّه تَركَ كُلَّ شيءٍ عندما دَعاهُ اللهُ وسارَ في الصَّحراءَ مُتَّكلاً على اللهِ في تأمينِ الطَّعامِ له، فَصارَ اليومَ مِن ساكِني الـمَلَكوت. إنَّ ابراهيمَ هو الوحيدُ الّذي ذَكَرَهُ الكِتابُ المقدَّسُ وكان غنيًّا جدًّا ولكنَّه قرَّرَ الاستجابةَ لدعوةِ اللهِ له فتَرَكَ كُلَّ شيءٍ، ويَقولُ لنا الكِتابُ المـُقدَّسُ: “فَلِهَذَا أَيْضاً حُسِبَ لَهُ ذلِكَ بِرّاً” (روم 4: 22).آمنَ ابراهيمُ بكلمةِ اللهِ، وصدَّقَ أنّ ما وَعَدَهُ اللهُ به سَوف يتحَّقَّقُ، وإن لم يَكن قد تحقَّقَ بَعد، عندما قرَّرَ اتِّباعَه؛ وهُنا تَكمنُ عَظمةُ ابراهيم. لهذا السَّببِ، يَقولُ بُولسُ الرَّسولُ في المؤمِنِين إنَّهَم أبناءُ ابراهيم. إنَّ الشَّعبَ اليَهوديَّ يَعتَبِرُ ذاتَه مِن “أبناءِ ابراهيم”، غير أنّ بولسَ الرَّسولَ لا يَعتَبِرُهُ كذلك، لأنّ هذا الشَّعب لَم يَقبلِ الربَّ يسوع، فهو بالنِّسبةِ إلى بولسَ من أبناءِ هاجرَ لا مِن أبناءِ سارة. إنَّ كُلَّ إنسانٍ، وثنيًّا كان أم يَهوديًّا، يَعترفُ بالربِّ يسوع هو بالنِّسبةِ إلى بولسَ الرَّسولِ مِن أبناءِ ابراهيم؛ وكُلُّ مَن لا يَعتَرِفُ بالربِّ يسوعَ مخُلِّصًا وفاديًا لا ينتمي إلى أبناءِ ابراهيم، حتّى وإن كان مُنتَميًا إلى الشَّعبِ اليَهوديّ. 

“عِنْدَ النَّاسِ غَيْرُ مُسْتَطَاعٍ، وَلكِنْ لَيْسَ عِنْدَ اللهِ، لأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ عِنْدَ اللهِ”: ما هو غيرُ مُستطاعٍ عندَ اللِه هو دُخولُ الإنسانِ الغنيِّ إلى ملكوتِ اللهِ ما دامَ متعلِّقًا بمالِهِ. ولكنَّ اللهَ يستطيعُ أن يَلمسَ قلوبَ البَشرِ من خلالِ كلمَتِه، فيَتوبونَ إليه ويعترفونَ به مُخلِّصًا وربًّا، ويَدخلون إلى ملكوتِ الله. إذًا، إنّ الغنيَّ يستطيعُ الدُّخولَ إلى ملكوتِ اللهِ، مَتى قَبِلَ كَلِمةَ اللهِ واعترفَ بها كَكَلمةٍ مخلِّصةٍ ومُحيِيَةٍ له، وجَعَلَها فاعلةً في حياتِهِ الأرضيّة.

ملاحظة: دُوِّنت المحاضرة بأمانةٍ مِن قِبَلِنا.

Instagram
Copy link
URL has been copied successfully!
WhatsApp