تفسير الكتاب المقدّس
الأب ابراهيم سعد
إنجيل القدّيس يوحنّا الرّسول – الإصحاح السّابع، المقدّمة
مَساءَ الخَيرُ، نَتمنَّى أن تَكونَ هذه العَودةُ مُباركةً لِلجَميع ومَليئةً بالزَّخمِ الرُّوحيّ! في الماضي، حاوَلنا اكتِشافَ أسرارِ إنجيلِ يوحنّا مِن خلال شَرحِنا الإصحاحاتِ السِّتةِ الأُولى مِنه. ولكن، بِما أنَّه قد مرَّ زمنٌ طويلٌ على ذلك، فإنَّه لا بُدَّ لنا اليوم مِنَ القِيام بِمُقدِّمةٍ صَغيرةٍ لهذا الإنجيل، قَبْل البَدءِ بِشَرِح الإصحاحِ السَّابعِ مِنه.
إنَّ صِفَة “اللّاهوتيّ” في الكَنيسَة لا تُعطى لأيٍّ كان، وهذا ما يُظهِرُه لنا تاريخُ الكَنيسَة بِشَكلٍ عامٍ، وتحديدًا تاريخُ الكَنيسَةِ الشَّرقيّة، إذ إنَّ هذه الصِّفة قد أُعطِيَت فقَط لِثَلاثةِ قِدِّيسِين، وهُم: الإنجيليُّ يوحنَّا اللّاهوتيّ، والقدِّيسُ غريغوريوس اللَّاهوتيّ، والقدِّيس سِمعان اللَّاهوتيّ الحديث؛ وقد سُمِّي هذا الأخير بِهَذا الاسم لأنَّه عاشَ في مَرحَلةٍ مُتأخِّرَةٍ عن القدِّيسَين الأوَّلَين. إنَّ إنجيلَ يوحنَّا مختَلِفٌ عن الأناجيل الإزائيّة، أي عن أناجيل متّى ومَرقس ولوقا. إنّ الأناجيل الإزائيّة مُتَشابِهَةٌ مِن حَيثُ النُّصوص، ولكن هذا لا يعني أبدًا أنّها مَنسوخةٌ عن بَعضِها البعض: فَكُلُّ إنجيليٍّ قد دوَّن إنجيلَه بأسلوبِهِ الخاصّ انطِلاقًا مِن خِبرَتِه الخاصّة، مُستَنِدًا إلى الهَدَف الّذي يُريدُ إيصالَه للجَماعةِ الّتي وَجَّهَ إليها كَتابَه؛ وهذا ما يُبرِّرُ وجودَ بَعض الاختِلافات بَين الأناجيل الثّلاثة الإزائيّة.
إنَّ إنجيلَ يوحنَّا قد أثارَ جَدَلاً واسعًا بَينَ المؤمنِين، لأنَّ الإنجيليَّ يوحنَّا كانَ في طليعةِ الإنجيليِّين الّذينَ رَبَطوا بَين الربِّ يسوع المسيح وكَلِمَةِ الله، وذلك مِن بدايةِ إنجيلِه، إذ قالَ لنا: “في البَدءِ كانَ الكَلِمَةُ، وَالكَلِمَةُ كانَ عِندَ اللهِ، وَكانَ الكَلِمَةُ اللهَ.”(يو 1: 1). اعتقد بَعضُ مُفَسِّري الكِتابِ المقدَّس أنَّ عِبارةَ “في البَدءِ كانَ الكَلِمَة” هي ذاتُ خَلفِيّاتٍ يونانيّةٍ، غير أنَّها في الحقيقةِ عِبارةٌ ذاتُ خَلفِيّاتٍ كِتابِيَّةٍ، بِدَليلِ وُجودِ تَشابُهٍ كبيرٍ بَين سِفرِ التَّكوينِ وإنجيلِ يوحنَّا. في بِدايةِ سِفرِ التَّكوين، نَقرأ عِبارةَ “في البَدءِ خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالأَرْضَ” (تك 1:1)، وفي بِدايةِ إنجيل يوحنَّا، نقرأ عِبارةَ “في البَدءِ كانَ الكَلِمَة”(يو 1: 1): إنَّ هذا التَّشابه يدلُّ على أنّ الإنجيليَّ يوحنَّا أرادَ الرَّبطَ بَين عَمليّةِ الخَلق وكَلِمَةِ الله، وهذا ما يؤكِّدُه لنا سِفرُ التَّكوين إذ نَقرأ فيه: “وَقَالَ اللهُ: “لِيَكُنْ …، فَكَان…” (تك 1: 3). إذًا، إنَّ سِفرَ التَّكوينِ لا يُشبِهُ فقط إنجيلَ يوحنَّا، إنَّما أيضًا سِفرَ الرُّؤيا الّذي كَتَبه أيضًا الإنجيليّ يوحنَّا: فَسِفرُ التَّكوينِ يَتكلَّمُ على الخَلقِ الأوَّلِ والخليقةِ الأُولى؛ أمَّا سِفرُ الرُّؤيا فيتكلَّم على الخَلقِ الجديد والخَليقةِ الجديدة. إنَّ عبارةَ “في البَدءِ كانَ الكَلِمَةُ، وَالكَلِمَةُ كانَ عِندَ اللهِ، وَكانَ الكَلِمَةُ اللهَ”(يو 1: 1)، تُشكِّل اعتِرافًا واضِحًا بأُلوهِيَّة الكَلِمة، أي بأُلوهِيَّة يسوع المسيح.
إنَّ هذا الإنجيل يَكشِفُ لنا بَعضَ مِيزات الإنجيليّ يوحنّا، ومِنها: محبَّتُه للرَّقم سَبعة. يَنتَهي الإصحاحُ الأوَّل مِن إنجيلِ يوحنَّا بالسَّردِ، ويبدأ الإصحاحُ الثّاني منه بِقِصَّةَ عِرسِ قانا الجليل. يبدأ نَصُّ عِرس قانا بِعِبارةِ “وفي اليوم الثّالث”، وهذه العبارة تأتي بعد مُرورِ أربعةِ أيّامٍ أشارَ إليها الإنجيليُّ يوحنَّا في الإصحاح الأوَّل مِن خلال تكرارِهِ عبارة “في الغدَ” أربع مرّات. إذًا، في الإصحاحَين الأوَّلَين، كَلَّمَنا الإنجيليُّ يوحنَّا على سَبعةِ أيّام؛ والرَّقمُ سَبعة هُنا يُشير إلى خَتمِ رِسالةِ المسيح، لِذَلكَ قامَ الربُّ يسوع في هذا العُرسِ بِتَحويلِ الماءِ إلى خَمر. إنَّ نَصَّ عُرسِ قانا الجليل يَتَضمَّنُ عِدَّةَ شَخصيّاتٍ، وَهِيَ: الربُّ يسوع وأُمُّه مريم، والمدعوُّون إلى العُرس، والخَدَم ورَئيسُ المائدة. إنَّ بَعضَ الحاضِرين في هذا العُرسِ قد أعلَنوا إيمانَهم بالربِّ يسوع. إنَّ العُنصرَ الأساسيَّ في هذا النَّصّ هو الماء والخَمر. إنّ الماءَ والخمر يُذكِّرانِنا بالماءِ والدَّم اللّذين خَرَجا مِن جَنبِ يسوع على الصّليب. كانت مَريمَ، أُمُّ يسوع، حاضرةً في هذا العُرس،كما كانت حاضِرَةً عِندَ أقدامِ الصّليب؛ وكما ناداها الربُّ في عُرس قانا الجليل “يا امرأة”، كذلك ناداها أيضًا على الصّليب بالعِبارة نَفسِها.
إنَّ عِبارةَ “يا امرأة” لا تُشير إلى تَحقيرِ الربِّ يسوع لأمِّه مريم، كما اعتقد بعَض المؤمنون، – إذ بَحسبِ رأيهم كان عليه مُناداتِها بعبارةِ “يا أميّ”؛ إنّما هي عبارةٌ لاهوتيّةٌ تُشير إلى تِلك الّتي تُنجِب نَسلاً. وَهُنا، لا بُدَّ لنا أن نَتذكَّر ما قالَه الله لِحوَّاء عن النَّسل بَعد أن وَقَعَت هذه الأخيرةُ في الخطيئة، وبالتّالي، كان لا بُدَّ من وجودِ نَسلٍ جديدٍ وحوَّاء جديدة؛ فكانَ الربُّ يسوع هو النَّسلُ الجديد والعذراءُ مريمُ هي حوَّاءُ الجديدة. إنَّ الـلافِتَ في نَصِّ عرسِ قانا الجليل هو عَدمُ وجودِ أيِّ ذِكرٍ للعريس، وبالتَّالي أراد الإنجيليُّ يوحنَّا من خلال ذلك أن يقول لنا إنَّ الربَّ يسوع المسيح هو العَريسُ الحقيقيّ، الّذي سيَحتَفِلُ بِعُرسِه المسيحانيّ في ملكوتِ الآب مع تلاميذه، حيثُ سَيشرَبُ الخَمر الحقيقيّ مَعهم، كما قالَ لهم.
إنّ إنجيل يوحنَّا مَبنيُّ على شكلX ، أي في اليونانيّة “خِيازموس”: وهذا يعني أنَّ الإصحاحَ الأوَّل مِن إنجيلِ يوحنَّا يُقابِلُه الإصحاحُ الأخير من الإنجيل ذاته، والإصحاح الثَّاني من الإنجيل يُقابِلُه الإصحاحُ ما قَبلِ الأخير، وهكذا دَوالَيك. إنَّ الإصحاحَ الأساسيّ في هذا الإنجيل هو الإصحاحُ السّادس، وفيه يُخبِرُنا الإنجيليُّ يوحنَّا عن اجتيازِ الربِّ يسوع البَحر، وعن قَولِه لنا إنَّه الخبزُ النَّازلُ من السَّماء. إنَّ اجتيازَ الربِّ البَحرِ يُذكِّرنا بِعُبورِ الشَّعبِ اليَهوديّ البَحرَ الأحمر أي خروجِه من أرضِ مِصر؛ أمّا الخُبزُ النَّازلُ مِن السَّماءِ فيُذكِّرُنا بِالمنِّ، ذلكَ القوتِ السَّماويّ الّذي كانَ الله يُرسِله لِشَعبه حينَ كان هذا الأخير في الصَّحراء. إذًا، مِن خلال كلامِه على العبور وعلى الخُبزِ النَّازل مِن السَّماء، أرادَ الإنجيليُّ يوحنَّا أن يَقولَ لنا إنَّ الخروجَ الحقيقيّ للشَّعبِ اليَهوديّ لَم يَكُن مع موسى في الصَّحراء، إنّما هو مع الربِّ يسوع؛ ولِذَلكَ شدَّدَ الإنجيليُّ يوحنَّا على أنّ الخُبزَ النَّازلَ مِن السَّماء هو يسوع المسيح، لا ذلك المنَّ الّذي أعطاهُ الله للشَّعب في الصَّحراء والّذي كانَ يَفسُد عِندَ الاحتفاظِ به لليَوم التّالي. إذًا، استنادًا إلى كُلِّ ما ذَكرناه، نُدرِك أنَّ الإنجيليَّ يوحنَّا كان على إطّلاعٍ على الكِتابِ المقدَّس.
في الإصحاحاتِ السِّتَّةِ الأُولى مِن هذا الإنجيل، ركزَّ الإنجيليّ يوحنَّا على سِرَّين أساسيَّين في الكَنيسة وَهُما سِرُّ المعموديّة وسِرُّ الافخارستِّيا. في الإصحاحِ الثَّالث، نَتذكَّرُ حَديثَ الربِّ مع نيقوديموس حول الوِلادةِ الثّانية، وهي تُشيرُ إلى سِرُّ المعموديّة؛ وفي الإصحاح السَّادس، يُكلِّمنا الإنجيليّ يوحنَّا على الافخارستِّيا مِن خلالِ كلامِهِ على الخُبزِ النَّازلِ مِن السَّماء. وَهُنا، لا بُدَّ لنا مِن الإشارةِ إلى أنَّ هَذين السِّرَّين هما السِّرَّان الأساسِيَّان في أسرارِ الكَنيسة، لأنّه مِنهُما تَنبثِقُ الأسرار كافّة. إنّ سِرَّ الكَهنوتِ يَتَطلَّبُ أن يكون الإنسان مُعَمَّدًا لِيَتمكَّنَ مِن الحصولِ على هذا السِّر؛ وعندما يَنالُه، يُصبحُ الإنسانُ أهلاً لِخدمة الأسرار، وأهمُّها سِرُّ الافخارستِّيا. أمّا سِرُّ الزَّواج، فَقَد دَخلَ مُتأخِّرًا إلى الكَنيسة: قَبلَ القَرنِ التَّاسعِ، كانَ المؤمِنون يَتزوَّجون مدَنيًّا وِفق قوانين الامبراطوريّة أو الدَّولة الّتي يَعيشونَ فيها، ولكن بَعد إتمامِهِم هذا الزَّواج، كانوا يأتون إلى الكَنيسَة لِطلبِ البَركة الّتي كانَت تُعطى لهم أثناء الاحتفال بالقدَّاس الإلهيّ. ولكن في القَرنِ التَّاسع، قامَت الكَنيسَةُ بِفصلِ رُتبة الزَّواج عن سِرِّ الافخارستِّيا، لذا صارت تَحتَفِلُ به خارج إطارِ احتفالِها بِسِرِّ الافخارسِّتيا، فَسِرُّ الزَّواجِ لَديه طقوسٌ خاصّةٌ به ومختلفةٌ عن طقوس سِرِّ الافخارستِّيا. أمّا سِرُّ التَّوبة، والّذي يُعرَفُ أيضًا بِسِرِّ الاعتراف فَقَد دَخلَ إلى الكَنيسة في القرن الثّالث للميلاد.
إنّ القَولَ بأنَّ سِرَّ المعموديَّة وسِرَّ الافخارستيّا هما السِّرّانِ الأساسيَّان في الكَنيسَة لا يعني أبدًا أنَّ الأسرارَ الأُخرى هي أقلُّ أهميّةً من هذَين السِّرَّين! في المعموديَّةِ، يَتبنّى اللهُ المعمَّد، لذلك يقومُ بِدعوته لِمشاركته المائدة السَّماويّة أي الافخارستيَّا، إذ لا أحد يستطيع مشاركة الله مائدته السّماويّة إلّا مَن كان ابنًا لله. إنَّ الكَنيسَة، على اختلافِها وتَنوُّعها، تَقسمُ القدَّاسَ الإلهيّ إلى قِسمَين: القِسمِ الأوَّل وهو معموديَّةُ الكَلِمَة، وفيه تسعى الكَنيسَةُ إلى تَعميدِ عَقلِ المؤمِن مِن خلالِ تِلاوةِ الرِّسالةِ والإنجيل والعِظة على مَسامِعِهِ، فَيُصبحُ المؤمِنُ حاضرًا للانتقالِ إلى مُشاركةِ الله الوَليمةَ السَّماويَّة، وهنا يَكونُ القِسمُ الثّاني وهو الافخارستيَّا. ولكن قَبْل الانتقالِ إلى المناولةِ المقدَّسَةِ، تَقومُ الكَنيسَةُ، الشرَّقية كما الغَربيّة، بِتِلاوة صلاة الأبانا، لِتَذكير المؤمِنُ بأنّه يستطيع المشاركةَ في هذه الوَليمةِ السَّماويَّةِ لأنّه أصبحَ ابنًا الله. إذًا، عِندَ الاحتفالِ بِسرِّ الافخارستيَّا، يَدخلُ الإنسانُ إلى الكَنيسَة كَوثنيٍّ بِسَببِ خطاياه، فيَسَمعُ كَلِمَةَ االله ويَقبَلُها، ولذلك يتبنَّاه الله ويَجعل منه ابنًا له ويدعوه إلى مشاركته الوليمة السَّماويّة من خلال المناولةِ المقدَّسة. عِندَ تَعمُّقِها في قراءتِها لإنجيلِ يوحنَّا، أدرَكَت الكَنيسة أهميّةَ عَملِ المسيح الخلاصيّ، فَعبَّر القدِّيسان يوحنَّا الّذهبيّ الفمّ وباسيليوس الكَبير عن ذلك مِن خلال وَضعِهما هَيكليّةَ القدَّاسِ الإلهيّ. إستنادًا إلى المخطوطاتِ الأصليّةِ لهذا الإنجيل، يَنتهي إنجيلُ القدِّيس يوحنَّا عند قيام قائد المئة بِطَعن الربِّ يسوع في جَنبِه بالحربة، وخروج الدَّم والماء منه. (يو 19: 34).
ومِن ميزات الإنجيليّ يوحنَّا في هذا الإنجيل هي أنّه قَدَّم لنا مفهومًا جديدًا للهيكل. إنّ الهيكل، بالنِّسبة إلى اليَهود، هو مَقامُ الله، لذا كانوا يتغنَّون بِعَظَمَتِه، على الرُّغم من أنّه لَم يَكُن في الحقيقة بهذه العَظمة. عِندَ مَجيئه إلى أرضِنا، دمَّر الربُّ يسوع ذَهنيَّةَ اليَهود المتعلِّقَةِ بالهَيكل، إذ أخبَرَنا أنَّ الله لا يَسكُن في الهَياكل الحجريّة إنّما في الإنسان، ما يعني أنّ الله قد سَكن في يسوع المسيح، وهو يَسكن أيضًا في كلِّ إنسانٍ يَتبَعُ الربَّ يسوع. في الإصحاح الأوَّل من إنجيله، أخبَرَنا الإنجيليّ يوحنَّا أنّ الربَّ يسوع قال لنتنائيل الّذي جاء إليه: “قَبْلَ أَن دَعاكَ فِيلُبُّسُ وَأَنْتَ تَحتَ التِّينَةِ، رَأَيْتُكَ.”(يو 1: 48).
إنَّ هذه العبارةَ لا تُشكِّل تَنبُّؤًا من الربِّ يسوع حول مَكانِ وجودِ نتنائيل قَبْل مَجيئهِ إليه، إنَّما هي عبارةٌ لها دلالاتٌ كِتابيّة وقد فَهمَها نتنائيل، لذلك بادر إلى الاعتراف بالربِّ يسوع عند سماعِه هذه العبارة، قائلاً: “يا مُعَلِّمُ، أَنتَ ابْنُ اللهِ! أَنتَ مَلِكُ إسْرائِيلَ!” (يو 1: 49). إنَّ الجلوسَ تحت التِّينة قد وَرَد في العهدِ القديم، وتَحديدًا في سِفر الملوك الأوّل، الّذي فيه نَقرأ العبارة التَّالية: “وَسَكَنَ يَهُوذا وَإسرائِيلُ آمِنِينَ، كُلُّ واحِدٍ تَحتَ كَرْمَتِهِ وَتَحتَ تِينَتِهِ، مِنْ دانَ إلى بِئرِ سَبْعٍ، كُلَّ أَيَّامِ سُلَيْمَانَ”(1 مل4: 25). مِن خلالِ هذه العبارةِ، نَستَنتِجُ أنَّ الشَّعبَ اليَهوديَّ كان يَعيش بأمانٍ، قَبْل بِناءِ الهَيكل، فالحديثُ عن بِناءِ لهَيكل بدأ في الإصحاحِ الخامِس مِن سِفرِ الـمُلوك الأوَّل. في إنجيل يوحنَّا، نُلاحِظُ أنَّ الربَّ يسوع بدأ بالكلامِ على هَدمِ الهَيكل في الإصحاح الثّاني منه، أي بَعد كلامِه مع نتنائيل في الإصحاح الأوَّل. إنَّ الربَّ يسوع لَم يَكُن يَقصِدُ في كلامِه على هَدم الهيكل، هَيكلَ أُورَشليم الحجريّ إنَّما هَيَكلُ جَسَده، فالربُّ يسوع سوف يموت ثمّ يَقوم في اليوم الثّالث. إنّ الله قد أظهرَ حضورَه الـمُطلَق وتَدخلَّه الإلهيّ في مَوت الربِّ يسوع وقِيامَتِه مِن بين الأموات. إذًا، مِن خلالِ كِتابِه هذا، أراد الإنجيليُّ يوحنَّا أن يُوضِحَ لنا مَفهوم الهَيكل، فأخبرَنا أنَّ الربَّ يسوع هو هَيكلُ الله الحقيقيّ.
إنَّ البِشارةَ بِيَسوع المسيح انطلَقَت مِنَ اليهوديّة إلى السَّامرة ثمّ إلى أقاصي الأرض، وهذا ما أراد الإنجيليّ يوحنَّا التَّشديد عليه في إنجيله، لذلك أخبَرَنا في الإصحاح الثّالث من إنجيلِه عن لقاء الربِّ يسوع مع نِيقُوديموس اليَهوديّ، وفي الإصحاح الرّابع عن لقاء الربِّ يسوع بالسَّامريّة، وفي الإصحاح الخامِس عن لقائه بِمُخلَّعِ بيت حِسدا التّي كانت تَضمُّ ثقافاتٍ يَهوديَّةٍ وغَيرِ يَهوديّة. إنَّ القِسمَ الأوَّلَ مِن إنجيل يوحنَّا يَنتَهي في الإصحاح السّادس، الّذي فيه يُخبرنا عن الماء الحيّ والخبزِ النَّازل من السَّماء، وهذا ما يُذكِّرنا بخروج الشَّعب اليَهوديّ من أرضِ مِصر، وبالتَّالي، أرادَ الإنجيليُّ يوحنَّا أن يُخبِرَنا أنَّ الخروجَ الحقيقيّ قد تحقَّقَ مع الربِّ يسوع بِطَريقةٍ مُختلفةٍ عن العهدِ القَديم وبِشَكلٍ كامل. إنَّ القَول إنَّ المسيح يسوع قد أكمَل ما قيل أو ما تَمَّ في العهد القديم لا يعني أبدًا أنَّ ما حَدَثَ في العهدِ القديمِ كان ناقصًا، بل يَعني أنَّ الربَّ يسوع قد أعطى تِلكَ الأقوالَ والأحداثَ مَعناها الحقيقيّ؛ وهذا ما أكَدَّه لنا يوحنَّا الإنجيليّ في الإصحاح الأوَّل مِن كِتابِه إذ قال لنا إنَّ الربّ يسوع كان في حِضن الآب منذ الأزل، ولذا هو الوحيد القادر على تفسير كلّ ما وَرَد في العهدِ القديم بِشَكِلِهِ الصَّحيح، مِن خلال أقوالِه وأفعالِه، أي من خلال مسيرته الأرضيّة.
إنَّ هَدَفَ العهدِ القديم، كما يقول لنا بولس الرَّسول، هو أن يُكون المربِّي للشَّعب اليهوديّ، فيَتَمكَّن هذا الأخير مِن الوصولِ إلى المسيح يسوع. وهُنا، قَد يَتَحمَّسُ بَعضُ المؤمنِين، أرثوذُكسًا كانوا أم كاثوليكًا، فيَقولون: إنَّ الحقيقةَ الكامِلَة والوَحيدة مَوجودةٌ في الكَنيسَة التّي ينتمون إليها؛ غَيرَ أنّ هذا الاعتقاد هو خاطئٌ تمامًا لأنّ الحقيقةَ الكامِلَةَ والوَحيدةَ تَكمنُ في شَخصِ يسوع المسيح وَحدَه. وبالتَّالي، حينَ نَقول إنَّ الحقيقة في الكَنيسة، فإنّه لا بُدَّ لنا أن نسأل ذواتنا عن أيّة حقيقةٍ نتكلَّم؟! فالكَنيسة هي عبارةٌ عن مجموعةٍ من الخطأة تسعى جاهدةً كي تتنَّقى من خَطيئتها، لِتَتَمكَّنَ مِن الوصولِ إلى حالة البُنوَّةِ لله. ولكنَّ المؤمنِين الّذينَ حَصلوا على نِعمةِ البُنوَّة عِندَ اقتبالهم سِرَّ المعموديّة، غالبًا ما يُسارِعون إلى التَّنازُلِ عن عَيشِهم كأبناءَ لله الآب، عائدين إلى حالةِ العُبوديّة أو حالةِ الأُجراءِ بِسَببِ خطاياهم. لِذَلكَ، في كلِّ قُدَّاسٍ إلهيّ، تَدعونا الكَنيسَةُ إلى إعادةِ التَّفكيرِ في هذا العَهد الّذي أقامَه الله معنا، إذ جَعلَنا أبناءَ له؛ فَهذه البُنوَّة لله الآب لَم نَحصلْ عليها بِفَضلٍ منَّا، إنَّما بِفَضلِ قداسةِ الله وحُبِّه للبشر. إنَّ مَسيرةَ الإنسانِ الرُّوحيّة على هذه الأرض تَمرُّ بِثَلاثِ مَراحلَ: في المرحلة الأُولى، تَكون نَظرةُ الإنسانِ إلى الله نَظرةَ عَبدٍ إلى سَيِّدِّه، وبالتَّالي يَكونُ اللهُ بالنِّسبة إليه إلهًا قهَّارًا، غضوبًا، وديّانًا. أمَّا في المرحلةِ الثَّانيةِ، فتَتَغَيّر نَظرةُ الإنسانِ إلى اللهِ بَعضَ الشَّيء، إذ تَتَحوَّلُ إلى نَظرةِ أجيرٍ إلى رَبِّ عَملِه، لذا نُلاحِظُ أنَّه على الرُّغم مِن ارتقائه روحيًّا في هذه المرحلة، إلّا أنّ الإنسان لا زال يتعامل مع الله كربِّ عَملٍ، لذا يسعى جاهدًا لإرضائه كي يَحصل على المكافآت منه. أمّا المرحلة الثّالثة والأخيرة في هذه المسيرةِ الإنسانيّة فهي مَرحلةُ البُنوَّة، وهي المرحلةُ الأعظم روحيًّا، إذ تَتطَّورُ نَظرةُ الإنسانِ إلى الله مِن نَظرةِ عبدٍ إلى سيدِّه، ونَظرةِ أجير إلى ربِّ عَمله، إلى نَظرةِ ابنٍ إلى أبيه، لذا يسعى جاهدًا إلى إرضاء الله لا خوفًا من العِقاب ولا طَمعًا بالمكآفات، إنّما حِفاظًا على علاقة المحبّة الّتي تَجمَعُه بالله أبيه من التَّعرُّضِ لأيِّ تَشويه. وهذا ما يُشدِّدُ عليه الكِتابُ المقدَّس، إذ يقولُ لنا: “بَدءُ الحِكمةِ أنْ تخافَ الرّبَّ وتتَبَيَّنَ مَعرِفةَ القدُّوسِ” (أم 9: 10). وهُنا، لا بُدَّ لنا مِن التَّنويهِ بأنّ مَخافة الربِّ لا تَعني أبدًا الخوفَ منه، إنَّما الخوفَ من تَشوُّهِ تلك العلاقة الّتي تربط الإنسان بالله بسبب تصرُّفات الإنسان.
إنَّ إنجيلَ يوحنَّا يُعلِنُ لنا انتهاءَ العهدِ القديم مع يوحنَّا المعمدان وبِدايةَ العهدِ الجديد مع يسوع المسيح؛ لذلك، نُلاحِظُ أنَّ القِسمَ الأوَّل مِن إنجيلِه يَتَمحوَرُ حول يوحنَّا المعمدان الّذي يُعلِنُ للمؤمِنِين انتهاءَ دَورِه قائلاً لَهم إنَّ المسيحَ قد أتى، وهو كانَ قَبْلَه وهو لا يَستحقُّ أن يَحلَّ له سَيرَ حذائه، وبالتَّالي هو يَدعوهُم إلى اتِّباعِ الربِّ يسوع. إنَّ القَولَ إنَّ العهدَ القديم قد انتهى وإنَّ العهدَ الجديدَ قد بدأ، لا يعني أبدًا أنَّ العهدَ القديم أصبحَ بلا قيمة: فإلَهُ العهدِ القديم هو نَفسُه إلهُ العهدِ الجديد، لا يَتَغيَّر، ووعودُه للإنسانِ ثابتةٌ لا تَتَغيَّر أيضًا، ولكنَّ الإنسان هو الّذي يَتَغيّر ويَتَبدَّل ولا يَثبُت في التِزامِه بالله، لذا نراهُ يَخون ويَغشُّ ذاته مُعتقدًا أنّه بهذه الطَّريقة يَستطيعُ أن يَغِشَّ الله. بِالنِّسبة إلى يوحنَّا الإنجيليّ، إنَّ المسيح قد أتى ليَكشِفَ لنا السِّرَّ العظيم المكتوم منذ الدُهور، وقد عَبَّر الإنجيليُّ يوحنّا عن ذلك في الإصحاح السَّابع عشر من إنجيله، حين نَقَلَ إلينا صَلاة يسوع الكَهنوتيّة الّتي وجَّهَها الربُّ إلى أبيه السَّماويّ قَبْل ذَهابِه إلى الموت على الصَّليب، قائلاً: “وَالآنَ مَجِّدْني أَنْتَ أَيُّها الآبُ عِندَ ذَاتِكَ بِالـمَجدِ الَّذي كانَ لي عِندَكَ قَبْلَ كَوْنِ العَالَمِ” (يو 17: 5).
إنَّ صلاة يسوع هذه قد سُمِّيَت بِصلاة يسوع الكَهنوتيّة لأنَّ الربَّ يسوع هو الكاهنُ الوحيد والأوحد لله، فهو قد قدَّم ذاته لله أي جسَدَه ودَمه، وكان الذَّبيحةَ الوحيدةَ والحَقيقيّةَ. إنَّ المسيحيّة هي الدِّيانة الوحيدة الّتي تَعتَرفُ بأنّ الله هو أبٌ؛ ولكن إذا اعتَرفَتْ دِياناتٌ أخرى بأنّ الله هو أبٌ لها، مُستَخدِمَةً بعض تعابير العهدِ القديم، فإنّ مَفهومَها للأُبوّة مُختَلِفٌ تمامًا عن مَفهومِ المسيحيَّةِ له. فأُبوّة الله في المسيحيّة تقوم على الاعتِراف بأنَّ المؤمنِين هُم أبناءُ لله الآب؛ أمَّا في الدِّيانات الأُخرى فمَفهومُ الأُبوّةِ يَقوم على الاعترافِ بأنَّ الله هو أبٌ عفورٌ ورَحومٌ. في الإسلام، يُقال إنّ اللهَ قريبٌ مِن الإنسانِ “قُربَ الوَريد للوَريد”، ولكنَّه لا يتكلَّم على اتِّحاد الإنسانِ الكامِلِ بالله، كما يُخبِرنا الإنجيل وتُخبِرُنا الكَنيسَة.
إذًا، في الإصحاحاتِ السِّتَّة الأُولى من إنجيلِ يوحنّا، أي في القِسمِ الأوَّلِ مِنه، يُخبِرُنا الإنجيليُّ يوحنّا عن مَسيرةِ تَكوينٍ جديدةٍ للحياة البشريّة، عَن مَسيرةِ خَلقٍ جديدةٍ، عن خروجٍ جديد، وعن عبورٍ جديدٍ، قَبْل أن يَنتَقِلَ في القِسمِ الثّاني مِن إنجيله لإخبارِنا عن يسوع المسيح، النُّور الحقيقيّ والحقيقة الوحيدة، وعن قيامة الربِّ من بين الأموات إضافةً إلى أمورٍ أخرى. أدعوكُم إخوتي، إلى قراءةِ الإصحاحاتِ السِّتَّة الأُولى من إنجيل يوحنّا، إضافةً إلى الإصحاحِ السّابع، وذلك مِن أجلِ فَهمٍ أفضلٍ عند شَرحِنا له، في اللِّقاء القادِم. هُنا، أودُّ أن ألفِتَ انتباهَكُم إلى أمرٍ وهو، أنّه خلال قراءتِنا إنجيلَ يوحنّا، سوَف نَقومُ بربطِ بَعض النُّصوص الإنجيليّة بِنُصوصٍ كِتابيَّةٍ من العهد القديم، وذلك للتَّأكيد على مدى اطِّلاع الرُّسل على التَّوراة على الرُّغم من كَونهم صيَّادي سَمك وأُمِّيِّين. في تلك الأيّام، كان يُعتبر الإنسان اليَهوديّ المُطلَّع على التَّوراة عالماً بكلِّ شيء؛ واليَهود الموجودون اليوم في اليَمن هُم خَيرُ دليلٍ على ذلك، فَهُم لا يَملكون مدارس خاصَّةً بهم، لذا يَكتَفون بالاطِّلاع على الكِتاب المقدَّس وتحديدًا التَّوراة. في أيّام الرُّسل، كانت التَّوراة عبارةً عن مخطوطاتٍ مُدوَّنة على لفائف ورق البَرَدى، وهذا يعني أنّها لَم تَكنُ منظَّمة ومُقسَّمةً ومُرقَّمة كما هي اليوم، وبالتَّالي كان مِن الصّعب جدًّا على أيّ ِيهوديّ الاستشهاد بجزء من التَّوراة من خلال الإشارة إليه برَقم صَفحة أو رَقم آية. إذًا، كان الرُّسل، ولا سيّما القدِّيس بولس والإنجيليّ يوحنَّا، على اطِّلاع كامل بِكُلِّ كُتبِ التَّوراة؛ ولكنّ الإنجيليّ يوحنّا يتميّز عن الآخَرين بِعَرضِ إنجيله بهذا الشَّكل، أي بالموازاة بينه وببن كُتب التَّوراة. إنّ لِكلِّ إنجيليّ رَمزًا، وهذه الرُّموز مأخوذةٌ من سِفر حزقيال ومِن سِفر الرُّؤيا: فالرَّمز الّذي يُشير إلى متّى الإنجيليّ هو ابن الإنسان لأنّ هذا الإنجيليّ أخبرنا في كِتابِه عن يسوع الإنسان؛ والرّمز الّذي يُشير إلى الإنجيليّ مَرقس هو الأسد لأنّ إنجيلَه يَبدأ بعبارة “صَوتُ صارِخٍ في البَرِّيَّةِ: أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ، اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً”(مر1: 3)؛ والرَّمز الّذي يُشير إلى الإنجيليّ لوقا هو الحَمل لأنّه أخبرنا عن الربِّ يسوع الحَمَل لمذبوح، إذ قدَّم ذاته ذبيحةً لله من أجلِنا؛ والرَّمز الّذي يُشير إلى الإنجيليّ يوحنَّا هو النَّسر لأنّ الإنجيليّ يوحنَّا قد حلَّق في الأعالي، في إنجيله. إذًا، لِكلِّ شيءٍ رَمزٌ وهَدَف.
إخوتي، إنّ الرَّمز لا يعني أبدًا أنّ ما نتكلَّم عليه هو شيءٌ غير صَحيح أو غير موجود، فالرَّمز يَعكس حقيقة مُعيّنة. إنّ عبارة الرَّمزsymvolon في اليونانيّة تُشير إلى الجَوهر أيضًا، وبالتَّالي الجوهر والرَّمز هما في اتِّحاد كامل في ما بينهما، ويُشيران إلى الأمر نَفسِه؛ أمَّا العَبارة اليونانيّة ziavolon فهي تَعني الّذي يَفصل الجوهر عن الرَّمز، وهذا ما يقوم به الشَّيطان؛ لذلك تمّ استعمال هذه العبارة للإشارة إلى الشَّيطان إذ يسعى بكلِّ قوَّته إلى حثِّ الانسان على الابتعاد عن الحقيقة عبر إيهامه بأنّ الرَّمز هو مجرَّدُ وَهمٍ لا يعكس الحقيقة فِعلاً. للأسف، في كَنيسَتِنا، هناك شِيعٌ وجماعات تتبنَّى فِكر الشَّيطان هذا وتَنصاع له، فتُضلِّل عددًا من المؤمنِين. إخوتي، إنّ كلّ طَقسٍ أو إشارةٍ أو رَمزٍ تَعتمده الكَنيسة يَرمز إلى حقيقةٍ إيمانيّةٍ معيّنة.
من خلال هذه المقدّمة، نحن نؤسِّس لَعملٍ جديّ وشيِّق ولكنّه في الوقت نفسه عَملٌ مُتـعِب، من خلال شَرحِنا إصحاحات إنجيل يوحنَّا.
ملاحظة: دُوِّنت بأمانة مِن قِبَلنا
