القدّاس الاحتفاليّ من أجل الرّاقدين على رجاء القيامة

الذكرى السّادسة عشرة لافتتاح المركز الرّوحيّ لجماعة “أذكرني في ملكوتك” – زوق مكايل

عِظة القدّاس الإلهيّ للأب رومانوس أبو عاصي

باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين

إخوتي، في هذا المساءِ المميَّز، نَلتَقي مع بَعضِنا البعض لِنَحتَفِلَ بالذَّبيحةِ الإلهيّة. واليوم، هو مَساءُ السَّبتِ، أي أنّه ليتورجيًّا، بداية نهار الأحد الّذي فيه تَحتَفِلُ الكَنيسةُ بِعِيد الرَّسول أندراوس. في هذه الذَّبيحةِ الإلهيّة، تُليَ على مَسامعِنا نَصٌّ إنجيليٌّ يُخبِرُنا عن دعوةِ الرَّسولِ أندراوس، وأيضًا عن دعوة رُسُلٍ آخَرين. إنّ دَعوة الرَّسول أندراوس تَتَّسِمُ بِبَساطة الحِوار. إنَّ هذا النَّصَ الإنجيليّ يُخبرنا أنّ النبيَّ السّابقَ للربِّ، يوحنّا المعمدان، كان يسير مع اثنَين مِن تَلاميذِه حين رأى يسوع آتيًا إليه، فقال يوحنَّا لتِلميذَيه: “هذا هو حَمل الله” (يو 1: 29). كانت هذه العِبارةُ “هذا هو حَمَلُ الله” كافيةً، بالنِّسبة إلى أندراوس، لاتِّباع الربِّ يسوع. ما أحوَجَنا اليوم، في ثَقافَتِنا المسيحيِّة إلى قراءةِ العهدِ القَديمِ وَفَهمِه بَدَلاً من رَفضِه.

هنا، أوَدُّ أن أُخبرَكم أنّ تِلميذَي يوحنَّا قد اتبَّعا الربَّ يسوع عند سَماعِهما عِبارةَ “هوذا حَمَلُ الله”، إذ إنّهما قاما بِرَبطِها بالعهد القديم، وتحديدًا مع سِفر إشعيا الّذي كان قد أخبَرَ الشَّعبَ اليهوديّ عن الربِّ يسوع قائلاً لهم: “كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ، وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا فَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ.” (إش 53: 7). ها نَحنُ في زمنِ الميلاد؛ وفي هذا الزَّمن، غالبًا ما نَسمع أقوالاً في الكَنيسة عن الميلادِ مأخوذةً مِن سِفر إشعيا، مِثال: “ها العَذراءُ تَحبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ “عِمَّانُوئِيلَ”.” (إش 7: 14). إذًا، من المهمّ جدًّا أن نَكونَ على دِرايةٍ ومَعرفةٍ ومَقرُبةٍ مِنَ الكِتابِ المقدَّس، وخصوصًا العهد القديم، كي نتمكَّن من فَهم التَّعابير الوارِدة فيه، فتَتَغيَّرَ حياتُنا على أثرِها ونَعودَ مجدَّدًا إلى السَّيرِ في طريقِ الربّ. إخوتي، لم يَكُن أندراوسُ الرَّسولَ الوحيدَ الّذي تَغيَّرَتْ حياتُه عند اتِّباعِه الربَّ، إنّما أيضًا حياةُ سائرِ الرُّسل قد تَغيَّرَتْ عِند اتِّباعِهم الربَّ يسوع.

في هذا النَّص، يُخبِرُنا الإنجيليُّ يوحنّا أنَّ نَتنائيلَ كانَ جالسًا تحت التِّينَة. وهنا نَسأل: لماذا كان الرَّسولُ نتنائيلُ جالسًا تحت التِّينة؟ وما الّذي تَغيَّرَ في حياةِ هذا الرّسول، عندما قالَ له الربُّ يسوع: ” قَبْلَ أَنْ دَعَاكَ فِيلُبُّسُ وَأَنْتَ تَحْتَ التِّينَةِ، رَأَيْتُكَ” (يو 1: 48)؟ إنَّ الجلوسَ تَحت التِّينةِ عادةٌ يَهوديّة، من أجلِ الصّلاةِ والتَّأمُّلِ بِكَلمَةِ اللهِ والتضرُّعِ إليه لِتلبيةِ حاجاتِ قلوبِهم. إنَّ الجلوسَ تحت التِّينة يُشبِهُ تمامًا ذَهابَ المؤمِنين اليومَ إلى الكَنيسة في أوقاتٍ لا تُقام فيها الذَّبيحةُ الإلهيّة، بهدَفِ تِلاوة صلاةِ المسبحة أو للـتَّأمُّلِ بِكَلِمَةِ الله. إذًا، كانَ نتنائيلُ جالسًا تحت التِّينة يُصلِّي، وفي قلبِه رغبةٌ شديدة إلى رؤيةِ يومِ مَجيءِ المخلِّصِ المنتَظَر، وكأنّه يقولُ في صلاته للربّ: “تعالَ يا ربّ، أنا مشتاقٌ أن أرى يوم خلاصِكَ”. لذلك، عندما سَمِعَ نتنائيلُ قَولَ الربِّ يسوع له: “وأنتَ تَحت التِّينةِ رأيتُكَ”، أدركَ أنَّ مَن يُكلِّمُه هو حقًّا حَملُ الله وابنُ الله، ولذا أجابه نَـتنائيل: “يا مُعَلِّمُ، أَنْتَ ابْنُ اللهِ! أَنْتَ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ!” (يو 1: 49). إذًا، إنّ مَعرِفَتَنا لِكَلِمَةِ اللهِ في الكِتابِ المقدَّس، تَجعَلُنا نُدرِكُ في العُمقِ حَقيقةَ الربِّ يسوع.

إنَّ زيارةَ البابا لاونَ الرّابعَ عَشَرَ إلى تُركيا قَبْل زيارة لبنان، قد أزعجتَ بَعضَ الـمُؤمِنِين. إخوتي، إنَّ البابا لاونَ الرّابع عشر، بابا روما، قد زار مَدينةَ نيقيةَ في تُركيا، نَظرًا لأهميّتها ورَمزيَّتِها الإيمانيّة، إذ قَبْل 1700 سنة، اجتمع فيها أساقفةُ الكَنيسَةِ لتَحديدِ النِّقاطِ الأساسيّةِ في إيمانِنا المسيحيّ، مِن خلالِ الإجابةِ على السُّؤالَين التَّاليَين: بِمَن نؤمن؟ وبماذا نؤمن؟. ولكنْ، على الرُّغم مِن مرور 1700 سنة على الـمَجمَعِ المسكونيّ في نيقية، ما زال الكَثيرونَ مِنَّا غيرَ ثابِتِين في إيمانهم، إذ ما زالَ الإيمانُ المسيحيُّ غَير واضِحٍ بالنِّسبة إليهم، فَهُم ما زالوا غيرَ مُدركِين أنَّ يسوعَ المسيح هو الله. هنا، أوَدُّ الإشارةَ إلى أمرٍ وَهوَ، أنَّ الّذين يُعانون مِن إيمانٍ مُتزعزِعٍ هُم أشخاصٌ لا يَعرفونَ الكِتابَ المقدَّس؛ أمَّا الّذِينَ يَعرفونَ الكِتابَ المقدَّس، فَهُم ثابِتِونَ في إيمانِهم بالربِّ. إخوتي، في نِيقيَة، سنة 325م.، حدَّدَ آباءُ الكَنيسَةِ الإيمانَ المسيحيّ، لا استنادًا إلى خُرافاتٍ وأحاديثَ، إنّما استِنادًا إلى الكِتابِ المقدَّسَ، لذا أعلنوا أنَّ اللهَ هو آبٌ وابنٌ، وهو نورٌ مِن نور، وهو إلهٌ حَقّ مِن إلهٍ حقّ، وهو مولودٌ لا مخلوقٌ في الزَّمن، وهو كائنٌ قَبْلَ كلِّ الدُّهور. هذا هو إيماننُا!

عندما اِلتَقى الربُّ يسوعُ تَلاميذَه، كان في قُلوبِ هؤلاءِ عَطشٌ وتَوقٌ إلى مَعرفةِ الربِّ. إخوتي، علينا كمُؤمِنين أن نَتحلّى بهذا العَطشِ وهذا التَّوقِ لمعرفةِ الربِّ. على الإنسانِ المؤمِنِ أن يسعى إلى إشباعِ رغبَتِه في مَعرفةِ الله مِن خلالِ التَّعمُّقِ في كَلِمَةِ الله، فيَتَمكَّنَ مِن مَعرفَةِ الربِّ أكثر. أمَّا عَطشُ الإنسانِ إلى لقاءِ الربِّ يسوع، فلا أحدَ يَستطيعُ أن يُرويَه في قلب الإنسان إلّا شَخصُ يسوعَ المسيح نَفسِه: فمِن دونِ يسوع، لا مَعنى لِحَياتنا ولا فَرحَ حقيقيَّ ولا سلامَ في قلوبِنا. إذًا، إنّ الربَّ يسوع هو الوَحيدُ القادِرُ على إعطاءِ مَعنىً لحياتِنا ومَنحِنا الفرحَ السّماويَّ والسّلامَ الأبديّ.

إخوَتي، سنة 381 م.، تَمَّ عَقدُ مَجمَعٍ مَسكونيّ آخَر، ولكنْ هذه الـمَرَّةَ في القُسطَنطِنِيّة، وذلكَ لِمُتابعةِ النِّقاشِ حَولَ الإيمانِ المسيحيّ، فأقَرَّ آباءُ الكنيسة في هذا الـمَجمَعِ الفَقَرةَ المتعلِّقةَ بالرُّوح القُدُس، إذ اعتَرفوا أنَّ الرُّوحَ القُدُس هو الله. إذًا، قانونُ الإيمانِ الّذي نُعلِنُه في الكَنيسَةِ هو قانونُ الإيمانِ النِّيقاوي – القُسطَنطِينيّ. إنَّ الرُّوحَ القُدُس هو الأُقنومُ الثَّالثُ مِن الثّالوثِ الأقدَسِ، وهو لَيسَ شيئًا عابرًا في الإيمان المسيحيّ. إنّ الرُّوحَ القُدُسَ هو الـمُعَزِّي، وهو الّذي يُعطِينا الحياة، ويُنعِشُ في قُلوبِنا الإيمانَ والرَّجاءَ والمحبّة. إنَّ هذه الفضائلَ الثّلاث: الإيمانَ والرَّجاءَ والمحبّة، هي فضائلُ إلهيّةٌ، لأنَّ الرُّوحَ القُدُسَ هو الّذي يُغذِّيها فينا؛ ونحن نَتعلَّمُها في التَّعليم المسيحيّ.   

إنّ الجماعةَ الّتي نلتقي معها اليوم، هي جَماعةٌ تُحبُّ فَضيلةَ الرَّجاء، وتَسعى إلى عيشِها، لأنَّ هذه الفضيلةَ تُنعِشُ الإنسانَ الّذي اختَبَر الموتَ في حياتِه، ولَمسَهُ عندما فقَدَ أشخاصًا أعزّاءَ على قَلبِه، وقد أتعَبَه فُراقُهم. عندما نَختبِرُ الموتَ في حياتِنا، لا يَستطيعُ أحدٌ تَعزِيَتَنا إلّا روحُ اللهِ السّاكِنِ فينا، أي روحُ الرَّجاء. 

في الخِتام، أتمنَّى لكم إخوتي، كما أتمنّى لِنَفسي أيضًا، أنتُم الحاضِرين معنا اليومَ والغائبين عنّا لأسبابٍ صوابيّة، أن يمنحَنا اللهُ نِعمةَ الإيمانِ به، فيَنموَ في داخلِنا ويُثمِرَ فينا بِذارُ الرَّجاءِ والمحبّة. إنّ عَيشَنا هذه الفضائلَ الإلهيّةَ يَجعلُنا أشخاصًا مميَّزينَ، كما كان المسيحِيّون الأوائلُ في أنطاكيَة مميَّزين، لذا سُمُّوا مسيحيِّين. وأهمُّ تِلك الفضائل، على حَسْبِ قَولِ بولسَ الرَّسول هي المحبّةُ الإلهيّة، لأنّها تُعطي حياتَنا بُعدًا إلهيًّا. أتمنّى لكم في النِّهايةِ أن تَعُمَّ هذه الفضائلُ قلوبَكم. كما أتمنَّى لِكلِّ مَن يَحملُ اسمِ أحدِ الرُّسل، وخصوصًا اليومَ اسمَ اندراوس، أكان في المعموديّةِ أم لأيّ سببٍ آخر، أن يَسعى إلى العيشِ كما عاش الرُّسلُ القدِّيسون، فيُدركَ هؤلاء ونحنُ أيضًا، كيفيَّةَ الاستجابةِ لِدَعوةِ الله لنا، وبالتّالي كَيفِيَّةَ السَّيرِ على طريقِ الربِّ، لِنَتمكَّنَ مِنَ الوصولِ إلى الحياةِ الأبديّة. له المجدُ، الآنَ وكلَّ أوانٍ وإلى دَهرِ الدَّاهرين، آمين.   

ملاحظة: دُوِّنت العظة من قِبَلِنا بأمانة.

Instagram
Copy link
URL has been copied successfully!
WhatsApp