“السّعادة عمليّة تَحَوّل”
عُرس قانا الجليل (يو 2: 1–11)
بقلم الخوري سامر الياس
يَستَوقفنا مَشهَد الخدّام في عُرس قانا الجليل، حيث يَقول الإنجيليّ يوحنّا “فملأوها (الأجران) إلى فوق”. وكانت هناك عادةٌ قديمةٌ، مَفادها أنّه عندما يَسكر المدعوّون، وتحاشيًا لِنَفاد الخَمر وانتهاء الفرح، كان الخُدّام يملأون الأجران ماءً ويمزجونها بِخَمرٍ قديمٍ أو بِتلوينة ما، لأنّ الخَمرة كانت العُنصر الأساسيّ لاستِمرار الفرح. وكأنّ هؤلاء الخُدّام، قد اعتقدوا لِوَهلةٍ أنّ الربّ يسوع “سيَغشّ” من أجل استِمرار الفرح، فلَم يتركوا له أيّ مجالٍ لكي “يزيد” على هذه الأجران خمرةً سيّئةً أو تلوينة… وقد كانوا ينتظرون هذا “الشيء” الذي سيَزيده الربّ وكيف سيَزيده طالما أنّ الأجران مملوءةٌ “إلى فوق”، فكانت النتيجة: “التحوّل”… نَعم لاستِمرار الفرح كان لا بدّ مِن “تَحَوّل” ولَيْس مِن “زيادة”.
أوَليس هذا شعور الكثيرين منّا، كم هي الرغبة كبيرةٌ في قلوبنا بأنْ نَعيش الفرح، بأنْ يَستمِرّ الفرح في حياتنا، فنَبحث عمّا يجب أنْ نَملكَه؟ أنْ نَربحَه؟ أنْ “نزيدَه” على حياتنا مِن أجل الشّعور بالفرح… والغريب بأنّ حياتنا تكون قد امتلأت إلى فوق… ولكن ما زالت السّعادة في نقصٍ دائم…
ربمّا حان الوقت لنُغيّر نَمَط التّفكير، حتّى نَعيش مَبدأً إنجيليًّا واضحًا وصريحًا وهو: من أجل استِمرار الفرح، لا بدّ من “التحوّل”.
ربمّا المنزل الحجريّ لَيْس بحاجةٍ إلى أغراضٍ جديدةٍ لكي يَمنَحنا الإحساس بالفرح، بَل إلى تَحَوّل في العلاقة الباردة بين أفراد الأُسْرة الواحدة…
ربمّا أولادنا لَيْسوا بحاجةٍ إلى هدايا جديدةٍ لكي يَعيشوا الفرح، بَل إلى تَحَوّلٍ في العلاقة الوالديّة معهم…
ربمّا لَسْنا بحاجةٍ إلى ربحٍ ماديٍّ لكي نَشعر بالسّعادة، بل إلى تَحَوّلٍ في مَفهوم عَيْش الصّداقات الحقيقيّة…
ربمّا لَسْنا بحاجةٍ إلى نِعَمٍ جديدةٍ من الربّ لكي نَشعر بِحبِّه وعنايتِه، بل إلى تَحَوّل طريقة الصّلاة مِن طلَبٍ إلى تأمّلٍ يوميٍّ لنَكتشِف كَم من نِعَمٍ غَمرَنا بها الحبّ الإلهيّ، ولم نُدركها سابقًا…
السّعادة الحقيقيّة تتطلّب تَحَوّلًا في العَيْش، تَحَوّلًا في الصّلاة، تَحَوّلًا في التفكير…
دعوةٌ لنا هذا الشهر، ونَحن على مَشارف بداية زمن الصّوم المبارك، أنْ نتأمّل جيّدًا في الأمور التي تَحتاج إلى عمليّة تَحَوّلٍ جذريٍّ في حياتنا، إذ لَيْس الهدف من هذا الشهر البَحث عمّا يجب أنْ نَربحه، أو أنْ نزيده لكي نَشعر بالفرح، بل عمّا يَجب أنْ نُحوّله مِن أجل تحقيق هذا الشّعور. مسيرة مباركة.
