الموت: ميلاد جديد
الأب فادي بو شبل المريميّ، المرشد العام للعمل الرعويّ الجامعيّ في لبنان
“خلق الله الإنسان لحياة أبديّة وصنعه على صورته الخالدة، ولكن بسبب حسد إبليس دخل الموت إلى العالم. فلا يذوقه إلّا الذين ينتمون إليه” (حك 2: 23).
هذا ما قاله الروح القدس على لسان كاتب سفر الحكمة وهذا ما تؤمن به الكنيسة المقدّسة بأنه كلام الله، لذلك فإنّني معكم أريد أن أتأمل كيف أن الموت بالنسبة للمسيحي المؤمن هو ميلاد جديد.
إن ما يعيشه كل منّا عندما يفقد عزيزًا غاليًا يجعله يردّد مع يشوع بن سيراخ: “أيّها الموتُ، ما أمرَّ ذكركَ على من يعيش هانئًا في بيته، خاليًا من كلِّ همٍّ…”(سي 41: 1).
فالموت هو العدوّ الأخير الذي وعدنا الربّ بأنه سينتصر عليه لتكون لنا نحن المؤمنين باسمه حياة أوفر (يو10: 10).
لكن لا بدّ لنا من التّوقّف عند حدثٍ مهمٍّ في حياتنا، ربّما بالنسبة لأكثرنا لم نكن واعين لأبعاده يوم عشناه، وهذا الحدث هو سرّ المعمودية الذي يجعلنا نولد من جديد لحياة أبدية، نستطيع من خلالها أن نصبح شركاء الله بطبيعته الإلهيّة (2 بط1: 4). وهذه الحياة الجديدة الذي توحّدنا بالذي أحبّنا حتى بذل نفسه لأجلنا، تجعلنا نردّد مع رسول الأمم “لست أنا الحيّ بل المسيح هو الحيّ فيّ”. (غلا 2: 20)، لذلك فإننا وإن كنَّا ترابيّين، إلّا أن الميلاد الثاني (المعمودية) الذي استحقّه المسيح لنا بموته وقيامته، جعلنا منذ الآن خالدين. وما الموت إلّا بابًا يُفتح على حياة أبديّة، حيث نحن وارثين للمسيح إلهنا.
فهل يبقى الموت بالنسبة لنا، كما كان قبل تجسد الربّ وموته وقيامته لأجلنا ولأجل خلاصنا؟
ألم يحوّل تجسّد المسيح مفاهيمنا بعد أن حلّ بيننا ليؤلهنا ويجعلنا شبيهين به، هو الذي تشبّه بنا بكل شيء ما عدا الخطيئة، فأخذ ما لنا (الموت) ليعطينا ما له (الحياة)؟
فيما تقترب الأعياد المجيدة، وفيما يستعدّ الناس لاستقبال الطفل الإلهيّ، لا شك أن هناك أشخاصًا يعيشون الحزن والكآبة والشوق نحو أحبّاء تركوا الدنيا وعادوا إلى ربّهم ليشاركوا الحمل الإلهيّ بوليمة عرسه.
لهؤلاء الناس الطيبين تتجه رسالتي وصلاتي، ليكون الإيمان غامرًا لقلوبهم، وضياء القيامة باهرًا لأبصارهم وفرح الميلاد رجاءً لحياتهم.
وفيما أؤكّد تعاطفي مع كلّ المتألّمين، أذكّرهم بأنّ “الله نفسه معهم…” وهو الكفيل “بأن يمسح كلَّ دمعةٍ تسيل من عيونهم. وعندئذٍ لا يبقى موت ولا حزن ولا صراخ ولا وجع…” لأنّ الجالس على العرش قال: “ها أنا أجعل كل شيءٍ جديدًا” (رؤ 21: 3-5).
