الميلاد والفصح
بقلم الأب شاهين ريشا الكرمليّ
الأعياد في مظاهرها الاجتماعيّة تختصر المعاني والقِيَم فتنتشر الزينة وتصدح الموسيقى ويتلاحق الصخب نهاراً وليلاً، وتَضْمُرُ الصلاة، ويضعف الإيمان وتتكاثر وسائل التجارة وتصبح فرحةُ العيد هدايا وأسهاراً.
والميلاد من أكبر الأعياد التي كادت تذوب في مباريات التزيين وعلو الأشجار وكمية الأضواء وابتكارات الأزياء، ولا يُترك لصاحب العيد سوى مغارته الصغيرة التي أوت اليها عائلة الناصرة لتعدَّ مكاناً لسيد السماء حين أتى يزور أرض البشر. بل قاربت الحكومات أن تحرِّم على المؤمن المجاهرة برموز الإيمان لئلا يخدش آذان الغارقين في هموم العالم ومشاكله.
أمّا الكنيسة، مع أبنائها، فتذهب خاشعةً، حانية الرأس، إلى تلك الزريبة وأشباهها لتلتقي ربَّها، طفلاً مقمَّطاً موضوعاً في مزود. هذا هو معنى أفراحها واحتفالاتها، وسرورها العميق، منذ أن بشَّر الملائكة رعاة بيت لحم بميلاد المخلّص، مجداً في الأعالي وسلاماً في الأرض.
الكنيسة ترى نفسها في حنة ابنة فانوئيل الأرملة وهي في الرابعة والثمانين، كما يروي لوقا، وقد جاءت إلى الهيكل يدفعها الرجاء وانتظارُ تحقيق المواعيد، لتسمعَ من فم سمعان الشيخ، ما يُقال في الطفل، وتطنّ في أذنيها كلماتٌ قيلت للأم: “وأنت سيجوز سيف في نفسك”. هكذا الكنيسة في الأيام التي تسبق الميلاد وتعقبه، تستعيد أقوال الأنبياء وتستحثّ رجاءهم الذي يبني رجاءها، وتنظر بعين مشعّة تارةً إلى الكوكب الساعي من يعقوب، والظاهر في المشرق للمجوس، وبعين دامعة تنظر إلى مشية العبد المتألم، الصامت كحمل لا يفتح فاه، الجاعلِ نفسه ذبيحة اثم، والذي كان في صورة الله، فأخلى ذاته واتخذ صورة العبد وظهر بمظهر إنسان”. ونعلن بإيمان راسخ أن طفل الميلاد هو بكر الخلائق، وأنّ ظهوره بين البشر هو بداية الخلاص الذي سيتم على صليب الجلجلة، وهو الذي رفعه الله وأعطاه اسماً يفوق جميع الأسماء، وله تسجد كل ركبة في السماء والأرض وتحت الأرض.
لكنه قبل أن يرفعه الله، سيُرفَع عن الأرض على صليب العار، ويجتذب إليه جميع الذين سينظرون إلى الذي طعنوه. بذلك يجمع في شخصه أفراح العالم وشقاءه، وفقر الإنسان وغناه، وذلّ الخاطىء ومجد القائم من الموت، وضعف الإنسان وقدرة الله الضابط الكل بيده.
فالميلاد المجيد بابٌ يكشفُ تدبير الله في خليقته، ويعلن تجديد الإنسان من الباطن، ويكشف ولادة العالم الجديد حسبما توحي به رؤيا أشعيا، ويتمِّم اللقاء بين الإنسان والله في وحدة المسيح، بين ابن البشر وكلمة الله المتجسّد، الذي شرَّع للإنسان أبواب الملكوت ووصل الأرض بالسماء بواسطة سلّم يعقوب، وعليه يصعد الملائكة وينزلون.
ذاك هو تجلَّى لطف الله مخلِّصنا، ومسيرة حبِّه الذي بلغ إلى أقصى الحدود، وجسَّده الابن منذ الميلاد حتى عبوره على الصليب إلى الفصح والقيامة.
