تأمّلوا في الصّليب للشفاء
عُرِّبَت عن قُدس الأرشمندريت فيليب راتشكا، راعي كاتدرائية البشارة للروم الملكيين الكاثوليك – ماساشوستس
عندما كان بنو إسرائيل في الصحراء مع موسى، تكرّرت شكواهم وكلامهم على الله مع أنه حررهم من العبودية، وأرسل لهم ما يأكلون ويشربون وهزم أعداءهم وأعطاهم الشريعة والتنظيم الاجتماعي. فعلى الرغم من عطايا الله الرائعة التي جعلت منهم شعباً وأتاحت لهم البقاء على قيد الحياة، لم يكونوا راضين. وفي خضمّ جحودهم هاجمتهم الحيات المحرقة فمرضوا ومات البعض منهم، فلجأوا إلى الله لينالوا الشفاء. والله بوسع رحمته قال لموسى أن يصنع حيةً من نحاس ويضعها على راية فيشفى كل من نظر إليها (سفر الأرقام 21: 4-9). وفي هذا العمل نرى صورة المسيح على الصّليب.
وفي كلام الرب إشارة إلى هذه الحادثة وردت في إنجيل القديس يوحنا (يو 3: 14- 15) إذ قارنها بصلب المسيح قائلاً إن المسيح بموته إنما يهبنا الحياة الأبدية. والحياة الأبدية هي الشفاء المطلق الكامل، فهي تصحّح نتيجة الخطايا التي اقترفت في العالم أي الموت. فبالحياة الأبدية التي يهبها المسيح لا تموت نفوسنا ولا تترنح في ظلمات الهاوية بعد الموت، بل تنضمّ إليه في الملكوت. وفي الزمن الآتي يقيم الجسد فيكون للجسد أيضاً حياة، ويصبح الإنسان كاملاً مرةً أخرى- جسداً وروحاً يحيا مع الرب في الفردوس إلى الأبد.
في نشيد العبد المتألم للنبي أشعياء (أشعياء 42: 1-9، 49 : 1-7، 50: 4-11، 52: 13، 53: 12)، نبوءات عن آلام المسيح وتفسير لسبب آلامه. يفصح لنا الإنجيل عن الأحداث المحيطة بآلام المسيح وموته، إنما لمعرفة سبب هذه الآلام لا بدّ من العودة إلى النبي أشعياء. يقول النبي أشعياء إن يسوع تألّم ومات ليشفينا ويجعلنا كاملين. وبموته تحررنا من الخطيئة وشفينا من نتائجها التي تشمل الأمراض الجسدية والروحية والموت.
ولا شك في أن عالمنا اليوم أحوج ما يكون إلى الشفاء الروحي والجسدي الذي يحلّ علينا من صليب المسيح. فبيننا من أدمن الكحول والمخدرات وألعاب الميسر. وفي عالمنا عائلات مفكّكة يُستخدم فيها الأولاد أحجاراً تُحرّك في صراعات الوالدين. أمم وشعوب منقسمة من الداخل على بعضها البعض، وأمم تتحارب للوصول إلى موارد يجب استغلالها بالتعاون والمشاركة. يشعر الإنسان إنه من دون قيمة لأن قلبه لم يجد سلام الله وغفرانه، ولأنه يرزح تحت ثقل الخطايا غير المغفورة.
عندما نتأمّل يسوع المعلّق على الصّليب يجب ألا ننظر فقط إلى مقدار آلامه التي تثبت عظيم حبّه، إنما لنتأمّل أيضاً لماذا تألّم، فقد تألّم ليشفي فينا الروح والجسد. فلنجأ إليه نحن المجروحين طالبين الشفاء لنفسنا ولعالمنا المفكّك.
