إنَّ سِفر الرُّؤيا هو كتابُ تَعزيةٍ وكتاب تقويّة، وهو أيضًا “كتابُ تخويف للمؤمِنِين بسبب عدم معرفتهم تحديد أولويّاتهم” في هذه الحياة بشكلٍ صحيح، خصوصًا في وقت الصُّعوبة لا في وقت الرَّاحة. في وقت الرَّاحة، يتذكَّر المؤمِن رحمة الله عليه، ويسهل عليه اختيار الربِّ وكلُّ ما هو صالح. ولكنْ حين يتعرَّض المؤمِن لِشِّدةٍ كالمرض والفَقر الماديّ والتهديد بالقتل، فإنَّه يجد نفسه أمام تحدٍّ للاختيار في ما بين الربِّ والشَّهادة له، وما بين اختيار ملذَّات هذه الحياة، والتخلِّي عن إيمانه. غالبًا ما يختار المؤمِن ما يناسبه في هذه الحياة عند وقوعه في الشِّدة، بدلاً من اختيار الصَّح ونَبذِ الخطأ. على الإنسان استبدال مفهوم “الصَّح والخطأ”، بمفهوم “إرضاء الله وعدم إرضائه”، لأنّ “الصَّح والخطأ”، يخضعان لمعايير بشريّة يُحدِّدها البشر نتيجة اتِّفاقيّات في ما بينهم؛ أمّا إرضاء الله أو عدمه، فيستند إلى كلمة الله وحدها، إذ فيها يُحدِّد الله الأعمال الّتي تُرضيه.

بدأ الإنجيليّ يوحنّا، الّذي كان يعيش في المنفى، سِفر الرُّؤيا بعبارة “إعلان يسوع المسيح، الّذي أعطاه إيّاه الله، ليُريَ عبيده، ما لا بُدَّ أن يكون عن قريب”. إنَّ عبارة “إعلان”، تعني الكَشف، أي إظهار إلى العَلن ما كان مستورًا إلى الآن عن البشر، وهو حقيقة الربِّ يسوع المسيح. قد يقصُد الإنجيليّ يوحنّا بهذه العبارة أنَّ إعلان يوحنّا للمؤمِنِين سيكون عن الربِّ يسوع، كما قد يقصُد بتلك العبارة أنّه يريد إخبارِنا بما أعلنَه لنا الربُّ يسوع في حياته البشريّة، والـمَعنيان جائزان. 

يُخبرنا الإنجيليّ يوحنّا أنَّ الله الآب قد أعطى ابنه الربَّ يسوع إعلانًا، وهذا الإعلان سينكشف للبشر عمّا قريب، إذ سيُرسِل الربُّ يسوع هذا الإعلان إلى يوحنّا الإنجيليّ بواسطة ملاك ويوحنّا هو الّذي سيكشِف هذا الإعلان للبشر. إنَّ الإنجيليّ يوحّنا، صاحب سِفر الرُّؤيا، قد شَهِد بكلمة الله، كما قد شَهِد للربِّ يسوع المسيح. إنَّ الشَّهادة للربِّ يسوع، هي الشَّهادة لكلمة الله. ويُضيف الإنجيليّ يوحنّا فيقول لنا إنّه سيشهد لنا بكلِّ ما رآه. وهنا يُطرَح السُّؤال: ما الّذي رآه يوحنّا، متّى رآه وأين؟ إنّ كلمة “طوبى”، تعني مغبوطٌ، أو هنيئًا. سَمَّى الإنجيليّ يوحّنا كِتابه هذا، كِتاب النُّبوءة لا كِتاب التَّنبُوء للمستقبل. 

إنَّ النُّبوءة تعني إعلان كلمة الله للجماعة الحاضرة، وفي زَمَاننا الحاضر. إنَّ وظيفة النبوءة غير مرتبطة بالإنسان، غير أنَّ للإنسان دَورًا في إيصال كلمة الله للآخَرين بفعاليّة أكبر، بمعنى آخر، يستطيع الإنسان الخاطِئ إيصال كلمة الله للآخَرين، إذ إنّ كلمة الله لا تتأثَّر بخطيئة الإنسان، ولكنَّ الإنسان يستطيع أن يؤثِّر في الآخَرين أكثر عندما يكون في حالة البرارة، وهنا يكمن دَور الإنسان في ممارسته وظيفة النُّبوءة. يُخبرنا الإنجيليّ يوحنّا عن قراءة شخصٍ لكلمة الله على مسامع المجموعة المؤمِنة، وهي في حالة إصغاءٍ إليه؛ وهذا هو في الحقيقة ما يعيشه المؤمن في القُدَّاس، إذ يقوم أحد المؤمِنِين بتلاوة كلمة الله، كالرِّسالة والإنجيل على المجموعة الحاضرة، وهي تُصغي إليه.

إذًا، يريد الإنجيليّ يوحنّا أن يقول لنا إنّ سِفر الرُّؤيا ليس كتابًا تتمّ قراءته بشكلٍ فرديّ، إنَّما هو كِتابٌ يُقرأ ضمن مجموعة مؤمِنة، أي في الكنيسة، فيتمَّ شرحه لها، لتتمكَّن من عيشه بمساندة بعضها البعض في تحمُّل الصُّعوبات الّتي يتعرَّضون لها في وقت الشِّدة؛ إذ في وقت الشِّدة، يكون الإنسان عُرضةً لإنكار إيمانه وتفضيل مصالحه الخاصّة على الربِّ.

إنّ أكبر صراعٍ داخليّ يتعرَّض له الإنسان المؤمِن هو اختياره ما بين مصالحه الخاصَّة وإرادة الله. وهذا ما يقصده بولس الرَّسول في قوله: “كلُّ شيءٍ يَحِلُّ لي، ولكنْ ليسَ كلُّ شيءٍ ينفَع” (1كور 6: 12). إنّ ارتكاب الإنسان الخطيئة هو نتيجة اختياره مصالحه الخاصّة، عِوضَ اختياره مشيئة الله، ولذا عند اكتشافه هذا الأمر، يتوجّه المؤمِن إلى كُرسيّ الاعتراف تعبيرًا عن توبته إلى الله. 

إنَّ سِفر الرُّؤيا يدعو كلَّ مؤمِنٍ إلى اتِّخاذ قراره، والاختيار ما بين مصالحه الخاصّة وكلمة الله، لأنّه هو الّذي سيتحمّل مسؤوليّة اختياره، في اليوم الأخير عند وقوفه أمام الربِّ للدَّينونة؛ كما أنّه يدعونا إلى حِفظِ كلمة الله في وقت الرَّاحة، لتكون تِرسَنا في وقت الشِّدة. وفي هذا الإطار، يقول لنا بولس الرَّسول: “إلبسوا دِرع الإيمان….. واحمِلوا تُرسَ الإيمان في كلِّ حال، فَبِهِ تستطيعون أن تُخمِدوا جميع سِهام الشِّرير المشتعلة. واتَّخذوا لكم خوذة الخلاص وسَيف الرُّوح، أي كلمة الله” (أفسس 6: 14و16-17). هذا ما يدعونا إليه الإنجيليّ يوحنّا: التسلُّح بكلمة الله في وقت الشِّدة.

إذًا، عندما يُقرأ سِفر النُّبوءة، أي سفر الرُّؤيا، ضمن الكنيسة، فإنّه يساعد الجماعة المؤمِنة على تنظيم ذاتها، والعمل على تصحيح الخلل الموجود في داخلها. إنّ كلَّ خَللٍ في الكنيسة لا يُصحَّح إلّا من خلال العودة إلى شهادة المسيح، باعتبارها المرجعيّة الأولى في الجماعة.

يذكُر الإنجيليّ يوحنّا أنّ كِتابه هذا موجَّه إلى الكنائس السَّبع في آسيا، وهي موجودة فِعلاً على الخريطة، غير أنّ استخدام الرَّقم “سبعة” في الكتاب المقدَّس يُشير إلى الكمال، وبالتّالي يقصد الإنجيليّ يوحنّا بذِكره الكنائس السَّبع، أنّ رِسالته هذه موَّجهة إلى الكنيسة جمعاء، أي إلى كلّ مؤمِنٍ، أينما تواجد في المسكونة، وفي أيّ وقتٍ كان. 

ليس المقصود بعبارة “الوقت قريب”، يومَنا الحاضِر، فالإنجيليّ يوحنّا كَتَب هذا السِّفر منذ أَلفَي سنة، وهو وقتٌ ليس بقريبٍ أبدًا مِن زماننا الحاضِر؛ وبالتّالي المقصود بهذه العبارة هو الوَقت الّذي كان يعيش فيه الإنجيليّ يوحنّا، حيث كانت الاضطهادات في أَوَجِّها ضدّ المسيحيِّين. إذًا، عبارة “الوقت قريب”، لا تشير إلى تنبوءات الإنجيليّ يوحنّا حول المستقبل، بل تشير إلى وقت الاضطهادات. إنَّ الإنجيليّ يوحنّا قد كَتَبَ سِفره هذا، لتشجيع المؤمِنِين الـمُضطَهَدين على التسلُّح بكلمة الله، وكلام هذا السِّفر هو نافعٌ لا للمسيحيِّين في أيّام يوحنّا الإنجيليّ وحسب، بل هو نافِعٌ للمسيحيِّين الّذين يواجهون الصُّعوبات والاضطهادات في حياتهم اليوميّة، أي أنّه كلامٌ صالحٌ لكلِّ يوم.

إنّ النِّعمة والسّلام اللَّتين أشار إليهما يوحنّا، لا تنبعان مِن توقُّف الحروب في محيط المؤمِنِين، واستتباب الأمان والسّلام، بل هما ينبعان مِن الربِّ يسوع المسيح، وهو “الكائن الّذي كان والّذي سيأتي”. إنَّ “الكائن” في اللُّغة العبريّة هو “يَهوه” ويشير إلى الله الآب، أمّا في اللُّغة اليونانيّة فَهو “أنا هو”، وهذه عبارة استخدمها الربُّ يسوع. إذًا، يقول لنا الإنجيليّ يوحنّا إنّ النِّعمة والسّلام يأتيان من الثّالوث، مِن الله الآب “الكائن” والله الابن “الّذي سيأتي” والله الرُّوح؛ وبالتّالي هذا السّلام هو سلامٌ ثالوثيّ، والنِّعمة هي نِعمةٌ ثالوثيّة. إنّ الرَّقم “سبعة” هو رقم الكمال، وبالتّالي عندما يستخدم الإنجيليّ عبارة “السَّبعة الأرواح”، أي من الرُّوح الكامل القداسة، ألا وهو الرُّوح القدس.

يُركِّز الإنجيليّ يوحنّا في هذا الإصحاح على أهميّة الشَّهادة، فيستخدم كلّ المفردات المتَعلّقة بها: الشّهادة بيسوع المسيح، شَهِد بكلمة الله، الشّاهد الأمين. إنَّ كلمة “شهادة” في الكِتاب المقدَّس، تشير لا إلى إعلان المؤمِن كلمة الله وحسب، إنّما أيضًا إلى استشهاده في سبيلها. وبالتّالي، إنّ عبارة “الشّاهد”، الّتي استخدمها الإنجيليّ في وَصفِه الربّ، تعني أيضًا أنَّ الربَّ يسوع هو الشَّهيد الأمين لكلمة الله. ويتابع الإنجيليّ يوحنَّا في وَصفه للربّ يسوع قائلاً فيه: “وقد غسَلنا من خطايانا بِدَمه”، ليُشدِّد من جديد على شهادة الربِّ الدَّمويّة. في أيّامنا هذه، 

يحاول المؤمِنون المحافظة على حياتهم الأرضيّة مُبتَعِدين عن كلِّ ما قد يُسبِّب لهم اضطهادًا أو استشهادًا دَمويًّا. ثمّ أضاف الإنجيليّ يوحنّا قائلاً إنّ الربَّ يسوع هو “البِكر من الأموات”، أي أنّه أوّل القائمين من بين الأموات، وقيامته ليست على مثال قيامة لِعازر الّذي عاد ومات في هذه الحياة، إنّما هي قيامةٌ أبديّة، لا موت بَعدَها، قيامةٌ أخيرة في اليوم الأخير. إذًا، إنَّ تعزيّة المتألِّمين والـمُضطَهَدين في هذه الحياة، لا تكون بِحَثِّهم على التشبُّه بالمسيح الّذي تألَّم ومات وحسب، بل تكون في تَذكُّر قيامته من بين الأموات، فيُدرِكون أنّهم سينالون القيامة الأخيرة على مِثال الربِّ يسوع. 

إنَّ سِفر الرُّؤيا يقدِّم تعزيةً للمؤمِنِين الّذين يُعانون مِنَ الشّدة، إذ يُذكِّرهم بقيامة الربِّ الأخيرة الّتي هي مثال القيامة في الملكوت، ممّا يدفع هؤلاء إلى الثَّبات في إيمانهم بالربِّ يسوع وقت الاضطهادات. يُخبرنا سِفر الرُّؤيا أنّ الربَّ ينتظر المؤمِنِين به في الملكوت، بعد ثباتهم في الإيمان به على الرُّغم من كلّ الاضطهادات.

بقيامته من بين الأموات، صَعِد الربُّ يسوع إلى السّماء وحضَّر لنا مكانًا في الملكوت، لنكون فيه مُلوكًا على مِثاله هو رئيس ملوك الربِّ، ولنكون كهنةً لله أبيه، أي أنّنا سنكون على مَذبح الله السَّماويّ. إنَّ سفر أعمال الرُّسل يُخبرنا عن صعود الربّ إلى السّماء، فيقول لنا إنّ سحابةً من السّماء قد حَجَبته عن عيون رُسُلِه، حين ظهر لهم ملاكان قائِلَين لهم: إنّ الربَّ سيعود من السّماء كما رأوه صاعدًا إليها، بمعنى آخر إنّ الربَّ سيعود إليهم بطريقة لا يعرفونها. إنّ جميع البشر سَيَرَون الربَّ عند عودته في مجيئه الثّاني. إنَّ عبارة “طعنوه” تُذكِّرنا بموت الربِّ على الصَّليب. 

إنّ عبارة “آمين” تعني “حقًّا”، أي أنّها تؤكِّد ما نتكلَّم عليه. غريبٌ هو الإنسان، إذ يستعمل كلماته البشريّة لتأكيد وَعده للآخَرين قائلاً لهم: “طبعًا، أكيد”، ويستعمل كلماتٍ إلهيّة لعدم تأكيد وَعده للآخَرين، قائلاً لهم: “إنْ شاءَ الله”. إنَّ الربَّ يسوع هو الوحيد الّذي يقول “آمين” في بداية كلامه، أمّا نحن فنقولها في ختام كلامِنا أو صلاتنا؛ لذا نقرأ في الأناجيل أنّ الربَّ يسوع يبدأ كلامه قائلاً: “الحقَّ أقول لكم”، الّتي تعني “آمين”. ولكن في إنجيل يوحنّا، نجد شهادة مضاعفة في كلام الربِّ يسوع إذ يقول: “الحقَّ الحقَّ أقول لكم”، ممّا يدلّ على صِّحة كلامه، استنادًا إلى الشَّريعة اليهوديّة. 

إنَّ حرف الألف هو أوّل الحروف الأبجديّة، والياء هو آخر حرفٍ منها، وبالتّالي يريد الإنجيليّ أن يقول لنا إنَّ الربَّ يسوع قد قال لنا كلّ الكلام الّذي أراد الله أن يقوله للبشر. إنّ الربَّ يسوع هو البداية والنِّهاية، أي أنّه لا شيءَ قَبلَه، ولا شيءَ بعده. إنَّ عبارة “القادر على كلِّ شيء” تشير إلى الله الآب، وقد أُعطيَت للربِّ يسوع المسيح، وبالتّالي هذا ما يدلّ على مساواة الله الآبن بالله الآب.

إنّ الإنجيليّ يوحنّا يَصِف ذاته بالقول إنّه أخٌ للمؤمِنِين، إذ إنّه يُعاني مِثلهم الاضطهاد والضِّيق، ولأنّه في المنفى بسبب إعلانه لكلمة الله. إنّ الإنجيليّ يوحنّا يقول للمؤمِنِين إنّه شريكٌ لهم في الضّيق والصّبر وفي ملكوت السّماوات، ولكنّه لم يَضع هذه العبارات بهذا التَّرتيب، بل وَضَع عبارة “في ملكوت يسوع المسيح” في الوَسَط، ليَدفع المؤمِنِين لا إلى التركيز على ضرورة احتمال الضِّيقات للحصول على مكافأتهم ألا وهي الملكوت السّماويّ، بل ليَحثَّهم على التَّركيز على ملكوت السّماوات الَّذي حَصَلوا عليه بفضل يسوع المسيح، فيتحمَّلوا ضيقاتهم بصبرٍ. إنَّ عبارة “الصَّبر” في اليونانيّة تعني تحت الشِّدة، وبالتّالي لا يمكننا الكلام عن الصَّبر في وقت الرَّاحة، إنّما في وقت الشِّدة. 

إنَّ صَبرَ يسوع على آلامه، هو النَّموذج الّذي على المؤمِنِين التشبُّه به: إذ إنَّ صَبر الإنسان قد يتلاشى عند تعرُّض هذا الآخر لاختيار معيَّن في هذه الحياة، أمّا صَبرُ يسوع على الصُّعوبات فهو صَبرٌ عظيمٌ جدًّا، إذ إنَّ الربَّ تمكَّن مِن تخطّي صعوباته بتركيزه على الملكوت. إنّ يوحنّا الإنجيليّ يدعو المؤمِنِين إلى تركيز نظرهم على الملكوت، ليتمكَّنوا مِن احتمال صعوبات الإضطهادات الّتي يتعرَّضون لها، وهو أي الإنجيليّ يوحنّا، خيرُ مِثالٍ لهم على ذلك، إذ إنَّه في المنفى بسبب إعلانه كلمة الله. إنّ وجود يوحنّا في المنفى هو نوعٌ مِنَ الَقتل البطيء. فَعالمنا يعتمد سياساتٍ متعدِّدة في القتل، وإحدى هذه السِّياسات تقوم على قَتل الرَّاعي وتعذيبه، بِهَدف تشتيت الرَّعية.

إنَّ يوحنّا الإنجيليّ يستخدم عباراتٍ كثيرة في رؤياه، مقتبسة من العهد القديم، وخصوصًا مِن كُتب الأنبياء، كالنبيّ حزقيال والنبيّ زكريّا. كان النبيّ حزقيال يستخدم عبارة “كُنْتُ في الرُّوح”، ليشير إلى مدى سُرعة انتشار كلمة الله، وقد تكلَّم النبيّ حزقيال على مَركبةٍ تقودها أربعة حيواناتٍ، كُلٌّ في اتِّجاه، غير أنَّ تلك المركبة تسير وِفق مشيئة الله على الرُّغم من هذه الصُّعوبات. من خلال كلامه على هذه المركبة، أراد النبيّ حزقيال القول إنَّ كلمة الله منتشرة في جِهات العالم الأربعة. 

وبالتّالي، أراد يوحنّا الإنجيليّ من خلال عبارة “كُنتُ في الرّوح” أن يقول لنا إنَّ كلامه هذا هو كلامٌ من الله. يُخبرنا الإنجيليّ يوحنّا أنَّه رأى تلك الرّؤيا في يوم الربِّ، والمقصود بذلك يوم الأحد، أي اليوم الّذي تحتفل به الكنيسة بالذبيحة الإلهيّة، وبالتّالي فإنَّ يوحنّا قد رأى تلك الرّؤيا في أثناء الذبيحة الإلهيّة. ندخل إلى الكنيسة شعبًا خاطئًا مسكينًا، فيُشفِق الله علينا ويَتَبنانا، فنُعلِن آنذاك إيماننا به، ونتقدَّم مِنَ المناولة المقدَّسة، وبالتّالي ننال الملكوت السّماويّ.

إنَّ خطورة الذهنيّة المسيحيّة، تكمن في تحويل القدَّاس الإلهيّ إلى نوعٍ من التقوى الخاصّة بين المؤمِن وبين الله. إنّ القدّاس هو عملٌ جماعيّ لا عملٌ فرديّ، إذ تشترك فيه كلُّ الجماعة المؤمِنة في سماع الكلمة وتناول القربان المقدَّس. وهنا نلاحظ تفاوتًا بين الفكر الكنسيّ الغربيّ والفِكر الكنسيّ الشَّرقي، إذ يستطيع الكاهن في الكنيسة الغَربيَّة من الاحتفال بالقدَّاس الإلهيّ وحيدًا؛ في حين أنّ ذلك غيرُ ممكنٍ في الكنيسة الشَّرقية، إذ يتطلّب الاحتفال بالذبيحة الإلهيّة وجود جماعة، أَقَلَّه ثلاثة أشخاص. 

إنّ الفِكر الشَّرقي في الكنيسة هو فِكرٌ كِتابيّ، إذ يستند على الكِتاب المقدَّس، أمّا الفِكر الغَربيّ فهو فِكرٌ فلسفيّ. إذًا، ما يقوله يوحنّا للمؤمِنِين، في سِفر الرُّؤيا ينطلِق من مفهومه للافخارستِّيا، أي للقدَّاس الإلهيّ. في الكنيسة الشَّرقيّة، يبدأ القدَّاس الإلهيّ بعبارة “مباركَةٌ مملكة الآب والابن والرُّوح القدس”، أي أنّه يبدأ بمباركة ملكوت الله، فالقدَّاس الإلهيّ هو صورة استباقيّة لِمَا سنُعاينه في الملكوت السّماويّ. في القدَّاس الإلهيّ، تَنطَبق كَلِمَتان: إنّه الـمُرتَجى والمحَقَّق: إذ في القدَّاس يرجو المؤمِن الوصول إلى الملكوت، وفي الوقت نفسه يتذوَّق الملكوت في هذه الأرض، من خلال المناولة المقدَّسة، فيُصبح الملكوت حقيقيةً ملموسة في أرض البشر. 

في العهد القديم، كان الربُّ يحضر في وَسَط شعبه من خلال صوت رعدٍ، أو من خلال ريحٍ شديدة، أو عمودٍ من نار. عند ظهور الربِّ له في الهيكل، يُخبرنا النبيّ إشعيا أنّه رأى أذيال الربِّ، بعد سماعه الملائكة يهتفون “قدُّوس”. لذلك، يرتدي الأساقفة أثوابًا طويلة ذات أذيال، للدّلالة على حضور الربِ في كافّة أرجاء الهيكل. إنَّ الفساد قد دخل على كنيستنا، فأفرغ ممارساتنا الإيمانيّة من جَوهَرها، وحوّلها إلى ممارساتٍ مبنيّةً على الخُرافات الّتي لا تَمَّت إلى الإيمان الحقيقيّ بِصِلة، ممّا يجعلنا سريعي التزَّعزع في إيماننا عند كلّ صعوبة. إنّ عدم فَهمنا لسرّ الافخارستِّيا يقودنا إلى القيام بممارسات تقويّة خارجة عن الإيمان. 

في القدَّاس، يرى المؤمِن وَعدَ الله الّذي منحه للبشر بمجانيّة، وهو يناله مَتَى ثَبُتَ في إيمانه بالربِّ على الرُّغم من كلّ الضِّيقات الّتي سيتعرَّض لها في هذه الحياة. إنّه ليس من باب الصّدفة، أن يؤسِّس الربُّ كنيسته على سرّ الافخارستِّيا، وأن يُكلِّم رُسلَه قبيل موته عن الافخارستِّيا في العشاء الأخير، وأن يكسر الخُبز مع تلميذَي عمّاوس بعد قيامته لتنفتح أعينهما على حقيقة قيامته. عند حلول الرّوح القدس، كان الرُّسل مجتمعِين في العليّة، ويتشاركون كَسر الخبز، أي في الافخارستِّيا. على المؤمِن أن يتقرَّب من سرّ المناولة المقدَّسة في الافخارستِّيا وهو مُدرِكٌ لخطيئته ولرحمة الربّ، ولوجود إخوته المؤمِنِين بالقرب منه. 

في الكنيسة الشَّرقيّة، يتلو الكاهن صلاةً قبل دعوة النّاس إلى المناولة، يقول فيها: “إنّي أؤمن يا ربّ وأعترف، أنّك أنتَ هو ابن الله الوحيد، الّذي أَتيْتَ إلى العالم، لتُخلِّص الخطأة الّذين أنا أوَّلهم”. إذًا، على المؤمِن أن يتقرَّب من سرّ المناولة على الرُّغم من معرفته أنّه خاطئ، وبالتّالي غير مستَّحق لتلك النِّعمة الإلهيّة، الّتي يمنحه إيّاها الله. إنَّ هذه الصّلاة تُشكِّل اعترافًا للمؤمِن بضُعفه الإنسانيّ ولكنّها لا تَحِلُّ محلَّ سرّ التَّوبة. على المؤمِن التمييز بين استحقاقه لجسد الربِّ، واستعداده لتناول جسد الربِّ. 

إنّ المؤمِن هو غير مستِحقٍّ على الدّوام لتلك النِّعمة الإلهيّة، لكنّه يستطيع أن يكون مستعدًّا لتناول جسد الربِّ. وتُتابع الصّلاة فتقول إنّ هذه المناولة هي “جمرةٌ تُحرِقُ غير المستحقّين”، ولكنَّ المؤمِن يتقدَّم من سرّ المناولة طالبًا الرَّحمة من الله. إنّ آباء الكنيسة، الّذين كتَبوا القدَّاس الإلهيّ، كانوا على دِراية بسِفر الرُّؤيا والكِتاب المقدّس. إنَّ القداس ليس ساعة صلاة إنّما هو إعادة عَملَ الخلاص في ساعة: من الخَلق إلى مجيء المسيح الثّاني.

في القدَّاس، يفتح الربُّ أذهاننا فنتمكَّن من رؤية خلاصه والاشتراك فيه في ساعةٍ واحدة. ويقول لنا الإنجيليّ يوحنّا إنّه الْتَفَتَ وراءه ليرى الصّوت، وهذا ما يدعو للاستغراب إذ لا نستطيع رؤية الصّوت بل فقط سماعه. إنَّ المقصود بالصّوت، الكلمة الإلهيّة، يسوع المسيح يسوع.

ملاحظة: دُوِّن الشرح بأمانةٍ مِن قِبَلِنا.