عِظة للخوري يوسف فضول

خادم رعيّة سيّدة الانتقال – مزيارة، زغرتا،
الذِّكرى العاشرة لانطلاقة رسالة جماعة “أذكرني في ملكوتك”

باسم الآب والابن والرّوح القدس، الإله الواحد، آمين

بدايةً، أودُّ أن أُرحِّبَ بِجماعةِ “أُذكرني في مَلكوتِكَ” بِشَخصِ رئيستِها السَّيِّدة جانيت، وأقولَ لهم: “أهلاً وسهلاً بِكم” في هذا المساء المبارَك، الّذي فيه نجتمع لنُصلِّي معًا من أجلِ راحة أنفسِ موتانا جميعًا. إنّ السِّجلَّ الموجودَ في رعيَّتِنا لا يَحوي فقط أسماءَ موتى أبناءِ مزيارة، إنّما أيضًا أسماءَ جَميعِ موتى جماعةِ “أُذكرني في ملكوتِكَ” في كلِّ الرَّعايا الّتي تَتواجدُ فيها هذه الجماعة. وفي هذه الرَّعية، نُكرِّسُ أوّلَ يَومِ جُمعةٍ مِنَ الشَّهرِ للصّلاة من أجلِ راحة أنفسِ جميعِ موتانا. إنَّ لقاءنا اليومَ ليس مِن باب الصُّدفة، إنّما هو مِن تَدبير العِنايةِ الإلهيّةِ: ففي بِدايةِ هذا الأسبوع، احتَفَلَتْ الكَنيسةُ، الّتي تَتَّبِعُ الطَّقسَ الماروني وأيضًا الطَّقس اللّاتيني، بِتَذكار الموتى، وها نحن اليَومَ مع جماعةِ “أُذكرني في مَلكوتِكَ”، نُصلِّي من أجل راحةِ أنفسِ جميعِ مَوتانا.

إنّ هذا النَّص الإنجيليّ الّذي تُليَ على مسامِعِنا اليَوم هو نَصُّ الوَداع، ونُسَمِّيه أيضًا صلاةَ يسوعَ الكَهنوتيّة، لأنَّ الربَّ يسوع صلّى هذا النَّص إلى أبيه في يَومِ خميس الأسرار، وسألَهُ أن يَبقى جَميعُ أبنائِه مُوَحَّدينَ بَعد مَوتِه وقِيامَتِه وصُعودِهِ إلى السَّماء، إذ كان يَعلَمُ ما سَتُواجِهُه الكَنيسَةُ مِن صعوباتٍ. ولذلك، اختَرْنا عِبارةَ “لِتَكونَ فيهم المحبّةُ الّتي بِها أحبَبتَني وأَكونَ أنا فِيهم” (يو 17: 26)، عُنوانًا لِعِظَتِنا هذه. إخوَتي، إنَّ الله لَيس بَعيدًا عنَّا، بل هو دائمًا مَعَنا: فَهو يَعيشُ في داخِلِنا ويُشارِكُنا كُلَّ مَراحِلِ حياتِنا مع ما يُرافِقُها مِن صُعوباتٍ وأحزانٍ وأفراح. إنَّ الحيوانَ هو الوَحيدُ الّذي يَستطيعُ العيشَ وحيدًا، أمَّا الإنسانُ فلا يَستطيعُ ذلك: فالإنسانُ يَعيشُ مع الله والله يَعيشُ مَعَه. يَتواصَلُ الإنسانُ مع الله مِن خلالِ عَلاقَتِه المباشرةِ مَعه. إنَّ علاقةَ الإنسانِ المباشرةِ مع اللهِ تَتخِّذُ عدّةَ أشكالٍ، مِنها:

أوَّلاً: الصّلاة. مِن خلالِ الصَّلاةِ، يَفتحُ الإنسانُ حوارًا مُطلَقًا مَع الآبِ السّماويّ وبالتَّالي مَع الثّالوثِ الأقدس.

ثانيًا: المناولة. مِن خلالِ المناولةِ، يَلتَقي الإنسانُ بالربِّ يسوع ويَتناولُ جَسَدَهُ ودَمَهُ، أي أنَّه يتَّحِدُ به ويتِّحِدُ اللهُ به.

وبالتَّالي، لا يَحِقُّ لنا أبدًا الاعتقادُ بأنَّ اللهَ بَعيدٌ عنّا، لأنَّه في الحقيقة يَبقى قريبًا منّا ولا يَتركُنا أبدًا ولا يَنسانا حتّى لو نَحن تَرَكناه وابتَعَدْنا عنه. إخوَتي، إنَّ الله يَبقى بِالقُرب منَّا ويُشدِّدُنا ويُقوِّينا للقِيامِ مُجدَّدًا بَعدَ كُلِّ سَقطةٍ نَقعُ فيها، لذا عَلَينا ألّا نَخافَ أبدًا لأنَّ اللهَ قريبٌ جدًّا من مُنكَسِري القلوب والّذينَ يُعانونَ مِنَ الضِّيقات.

في هذا النَّص، يَطلبُ الربُّ يسوع مِن أبيه أن يَمنَحَ جَميعَ المؤمنِينَ به تِلكَ المحبّة الّتي تَربطُ بينَه وبَينَ الآب، فيَتمكَّنَ هؤلاء أن يتابعوا مسيرةِ الربِّ بعد انتقالِهِ مِن بَينِنا، عندما يَعيشونَ هذه المحبّةّ غَيرّ العاديّةِ في ما بَينَهم. إخوَتي، إنّ علاقتَنا بِالربِّ هي علاقةٌ دائمةٌ ومُستَدامةٌ، لا تَنقطعُ أبدًا. وفي هذا الإطار، يُخبِرُنا بولسُ الرَّسولُ في رسالَتِه الأُولى إلى أهلِ كورَنتُوس في نشيدِ المحبَّة، أنَّ الإيمانَ والرَّجاءَ زائلانِ أمّا المحبَّةُ فهي الوحيدةُ الّتي تَبقى ولا تَزولُ أبدًا. وإذا تَساءلْنا: لماذا المحبّةُ هي الوَحيدةُ الباقية؟ أقولُ لكم لأنَّها استمراريّةُ اللهِ مُنذُ البَدء إلى الآن وإلى الأبد.

وفي هذا الإطار، أخَبَرنا البابا بِنِديكتُوس السَّادسِ عَشر، في رسالَتِه الأُولى “الله محبَّة”، أنَّ اللهَ ليسَ مُجرَّدَ خَيالٍ أو لَمحةَ بَصَرٍ، بل هو مَحبَّةٌ ساكنةٌ في الإنسان، وهذا يعني أنَّه حِينَ يُحبُّ الإنسان أخاهُ ويُبادِرُ إلى عَيشِ العَطاء تُجاهَهُ، فهذا يُشير إلى أنَّ اللهَ يَسكُنُ في داخِلِه. إخوَتي، إنَّ مَحبَّةَ اللهِ للإنسانِ هي مَحبّةٌ غيرُ مَشروطةٍ، أي أنَّ الله لا يَتوقَّفُ عن حُبِّ الإنسانِ إذا ارتَكبَ هذا الأخيرُ خطيئةً، أو امتَنَع عن المجيءِ إلى الكَنيسةِ أو تَوَّقفَ عن الصّلاة! إنَّ الله يُحبُّنا في كلِّ حالاتِنا ويَستَمِرُّ في مَحبَّتِهِ لنا آملاً أن تَدفَعَنا مَحبَّتُه هذه إلى العَودةِ إليه مُجدَّدًا. إخوَتي، إنَّ مَحبَّةَ الله لنا لا تَزولُ أبدًا، لذا عَلَينا ألّا نَرفُضَ تِلكَ المحبَّةَ، في أيّةِ لحظةٍ مِن حَياتِنا، ما يَعني أنَّه علينا ألّا نَتَراجَعَ عن مَحبَّتِنا للهِ ولإخوَتِنا البَشر.

في هذا المساءِ المبارك، نُصلِّي إلى الله، قائلِينَ له: يا ربُّ، كما صَلَّيتَ في ليلةِ آلامِكَ مِن أجلِنا، استَمِرَّ في الصّلاةِ لأجلنا، فنَحنُ في الكَثيرِ مِنَ الأحيانِ ننسى الصَّلاةَ لأُمِّكَ ولِقِدِّيسِيكَ، كما نَنسى أيضًا أن نُصلِّيِ مِن أجلِ خَلاصِ أنُفسِنا، بِحِجَّةِ التِزاماتِنا الاجتِماعيّة. إخوَتي، ألّا يُصلِّيَ الإنسانُ مِن أجل خَلاصِ نَفسِه هو أمرٌ في غايةِ الخطورة! ولكنْ لا يُمكِنُنا هنا إلّا أن نَشكُرَ الربَّ على عَودةِ الشُّبانِ والشَّاباتِ إلى حِضنِ الكَنيسَةِ، إذ نُلاحِظُ التِزامًا لافتًا عندَ هؤلاءِ في صلاةِ المسبَحَة والمشاركةِ في الذَّبيحةِ الإلهيّةِ والمناولةِ والتَّقرُّبِ مِن سرِّ الاعتِراف. إخوَتي، أقولُ لَكُم إنَّ عَودةَ شَبيبَتِنا إلى الكَنيسَةِ هي ثَمرةُ صَلواتِ آبائهم وأُمَّهاتِهم الّتي تعكس مدى محبّةِ هؤلاءِ لأبنائهم!

أخيرًا، نَتمَنّى لَكُم لِقاءً مُبارَكًا لمناسبَةِ مُرورِ عَشرِ سَنواتٍ على تأسيسِ هذه الجماعةِ في هذه الرَّعيةِ، كما نَتمَّنى لهذه الجماعةِ المزيدَ مِنَ الازدهارِ والنُّموِّ والتَّطوُّر، سائلِينَ اللهَ أن يُفيضَ رَحمتَه على جميعِ مَوتانا فَيَستَريحوا في الأخدارِ السَّماويَّة. آمين.

ملاحظة: دوِّنت العظة بأمانة من قبلنا.

Instagram
Copy link
URL has been copied successfully!
WhatsApp