“وتعلّموا منّي…”(مت 11: 29)
بقلم الخوري جوزف سلوم،
يَهبُنا الربّ نعمةً عظيمةً، في جذور وبدايات الانتماء لِنَهج المسيح، حين نلبَس المسيح في المعموديّة، ألا وهي التَّتلمُذ له، أو الاقتداء به والتشبُّه بأقواله وأعماله، فيَكون فينا فِكر وأعمال المسيح.
هذا التماثل له يَضعنا على طريقه، طريق الاتِّباع لِمَن هو “الطريق والحقّ والحياة” (يو6:14)؛ هذا التماثل يجعلنا معه بِقُربه، في علاقة حيويّة معه، إذ هو يجلس ويُعلِّمنا؛ ونحن كَمَريم والتّلاميذ نسمَع ونَعمل؛ هذا التماثل يحملنا لِنَنظر إلى يسوع مُعلَّقًا على الصّليب، لا يحاكينا عن فشلٍ أو هزيمةٍ، بل يَسرد قصّة حُبٍّ تنسابُ فيها نَظرات المصلوب إلى أعماقِنا فيَغمرنا ويُجدِّدنا ويشفينا ويَخلقنا بمحبَّته، وكأنَّه يُردِّد على مسامِعنا: “تَعالَوا إليّ جميعًا أيّها الـمُرهَقون والـمُثقَلون وأنا أُريحكم” (مت 28:11).
يقول يسوع: “تعلَّموا منِّي”، فالتَّنبه إلى كلامه يعني إدراك عمل الله والتَّشبُّه به. وعَمَلُ يسوع بدايةً هو الصّلاة، والتَّسليم لمشيئة الربّ: “أنا آتٍ لأعمَل بِمَشيئَتَكَ يا الله” (عب 7:10)، تعلّموا منِّي الصّلاة وقولوا: “أبانا الّذي في السَّماوات” (لو 4:11).
“تعلَّموا مِنِّي، فإنِّي وَديعٌ ومتواضِعُ القلب” (مت 29:11)، والقلب يتحوَّل بِفِعل الصّلاة والتَّسليم لمشيئةِ الله، والتَّعبير عن حُبِّ الله يتجلّى من خلال التواضع، فالمحبّة لا تتكبَّر ولا تنتَفِخ، والمتكبِّر يَضَع أقنِعةً لإخفاء حقيقته، يَخدع النّاس وذاتَه، فهو موقفُ ضُعفٍ وعدم ثقة بالذّات يخفي الضُعفَ بالمظاهر، أمّا الوداعة فلَيسَت ضُعفًا بل مَنطِقًا جديدًا عندما نضع ذواتنا في خِدمة الآخرَين. أليسَ هو الـمُعلِّم والربّ الذي غسَل أرجُلَ تلاميذِه فَجَعل من ذاتِه قُدوةً وعلَّمنا أن يَغسِل بعضُنا أقدام بعض؟
“تعلّموا مِنِّي” طريقَ الكمال والبُعد عن الخَطيئة، “كونوا كامِلين كما أنَّ أباكم السَّماويّ كامِلٌ هو” (مت 48:5): فقَد ظَهَر وعاشَ يسوع بلا خطيئة، وهو الوحيد الّذي لا خطيئة له، وقال للكتبة والفرِّيسيِّين يومَ أرادوا رَجم المرأة الزانية: “مَن مِنكم بلا خطيئة فليَرجُمها بِحَجر”(يو 8: 7)، وهو يدعونا للتشبُّه به والوقوف أمامه بلا عيبٍ ولا خطيئة.
“تعلَّموا مِنِّي” الطاعة، هكذا يبدأ كلامه في إنجيل لوقا: “يجب عليّ أن أكون فيما هو لأبي”(لو 2: 49)، وينهي كلامه فيه: “بين يَديك أستَودِعُ روحي” (لو 23: 46)، وقد عاش فضيلة الطَّاعة بين هاتَين الكَلِمَتَين بما قاله: “طعامي أنْ أعمل إرادة أبي”(يو 4: 34)، وبِما صَنَعه: “وعاد إلى النَّاصرة طائعًا لهما”(لو 2: 51).
“تعلَّموا مِنِّي” الحُبّ، فأنتَ أوصَيتَنا: “أحبُّوا بعضكم بعضًا كما أنا أحببتُكم”(يو 15: 12)، وأنتَ أحبَبْتَنا الحُبَّ الأعظم يَومَ بذَلتَ ذاتَكَ عن أحبّائك، وعلَّمتَنا محبَّة الأعداء ومحبَّة كُلّ النَّاس دون تمييز.
وعلَّمتنا الغفران “اغفر لهم يا أبتِ لأنّهم لا يَدرون ماذا يَفعَلون”(لو 23: 34).
وأثقالُ الحياة يا سيِّد تُرهِقُ أبناءَ آدم: فقرُهم، نقصهم، أوجاعهم، وآلامَ هذا الدَّهر ومسؤوليّات تَبَعيّات الحياة تُلقى كَنِيرٍ على أكتافِنا، ولأنّنا اقتَدَينا بِكَ وأَتَينا إليك، فإنّنا حتمًا واجِدون راحةً لنفوسنا.