تفسير الكتاب المقدّس
الأب ابراهيم سعد
سِفر رؤيا القدّيس يوحنّا – الإصحاح السّابع (المقدّمة)
صباح الخير، أتمنّى أن يكون الجميع قد اجتاز هذه المرحلة إلى الآن بِخَيرٍ وصَبرٍ وثَبات، كما أتمنّى أن يكون الجميع على استعداد للمرحلة الآتية بالقوّة نفسها، – لا بل أكثر- ، لأنّه كلَّما اشتَّدت الصُّعوبات كُلَّما كانت الحاجة إلى الصَّبر أكثر إلحاحًا.
نحن الآن في مرحلة جِهادٍ في هذه الحياة، لِنَبقى موجودين عند زوال هذه الأزمة؛ موجودون لا بمعنى البقاء على قيد الحياة وحسب، إنّما بمعنى الحصول على المعنويّات، فالإحباط يطرق بابَ كلّ واحدٍ منّا، ويدفعنا إلى التَّفكير في مدى قدرتِنا وطاقتِنا على احتمال المزيد، وخصوصًا أنَّه في كلِّ يومٍ نسمع أمرًا جديدًا يجعلنا ننظر إلى المستقبل بِسَوداويّة أكبر. نحن اليوم في مرحلةِ ملامستِنا الموت من دون الدُّخول فيه، خصوصًا في هذه الظروف المحيطة بنا. نحن نعيش في مرحلةٍ نختبر فيها، للمرّة الأولى في عصرِنا، هذا النَّوع من الصُّعوبات، بسبب فيروس كورونا.
وهنا يُطرَح السُّؤال: كيف نواجه، كمؤمنيِن، كلّ تلك الصُّعوبات: أبالتَّذمر والإحباط والحزن؟! نحن اليوم في أزمة صِراعٍ مع الحياة، صِراعٌ من أجل الاستمرار فيها: نواجه الموت كلَّ يوم، لا كَفِكرة بل كحقيقة ملموسة في كلّ لحظة من حياتنا. وربَّما هناك أمرٌ أصعبُ من الموت، وهو حالة اليأس الّتي تَنتابنا: اليأس من كلِّ شيء، اليأس من كلّ أملٍ في التغيير، اليأس من وجود حلول للأوضاع الّتي نعيشها.
إذًا، نحن نعيش، مِن حيث نَدري أو لا نَدري، سِفر الرؤيا، لأنَّ الحالة الّتي نعيشها اليوم تَضعنا أمام تحدٍّ يدفعنا إلى طرح السُّؤال: ما فائدة وجود الله في حياتنا وإيماننا به، إنْ لم نكن نشعر بوجوده وحضوره وعمَلِه على إيجاد الحلول، في هذه الأزمة الصَّعبة الّتي نعاني منها؟ صحيحٌ أنّنا شعبٌ يُصلِّي ويَصوم، ولكنّنا للأسف، لا نشعر بمعونة الله وسندِه لنا،
في مواجهتنا هذه الأزمة الصَّعبة الّتي تعترضنا. إنَّ مؤمِنِين كثُرًا يَشعرون بهذا الألم بسبب عدم شعورهم بِسَنَدٍ إلهيّ لهم، لذلك يصرخون مع صاحب المزمور 22: “إلهي، إلهي لماذا تركتني؟”؛ ولكن إذا تابَعْنا تلاوة هذا المزمور، سنكتشف أنّ في نهايته تسبيحًا للربّ: فمِن ناحية، يَصِف لنا هذا المزمور معاناة المؤمِن، ولكنّه من ناحية أخرى يدعوه إلى عيْش حالة من الرّجاء. إنّ التحدِّي يكمن في كيفيّة عيْشنا الرَّجاء في ظلّ الأزمة الّتي تعترض حياتنا.
من الضروريّ أن يكون المؤمِن على معرفة بكلمة الله، في وقت الأزمة، ليتمكّن من التفاعل معها والسَّعي إلى عَيْشِها. إنّ كلمة الله تَنحتُ المؤمنَ من الدَّاخل، فتَدفعه إلى النَّظر إلى كلّ ما هو ميؤوسٌ منه في نظر البشر، على أنَّه حالةٌ صعبةٌ يستطيع المؤمِن اجتيازها بفضل كلمة الله. إنّ كثيرين لجأوا إلى ربط الأحداث الّتي تعترض حياتهم في هذا البلد بِتَوقُّعات المنَجِّمين، واضِعين جانبًا كلّ إيمانهم وصبرهم وثباتهم في كلمة الله. إنّ هذا الوقت الّذي نعيش فيه هو الوقت المناسب لقراءتنا سِفر الرّؤيا،
إذ إنّه يقوِّينا في ظلّ هذه الظروف الّتي تُضعفنا، ويُثبِّتنا في كلمة الله في هذه الظروف الّتي تَدفعنا إلى تغيير مسار حياتنا، ويُشجِّعنا على مواجهة مغريات هذا العالم الّتي تدفعنا إلى إنكار إيماننا، ويحثّنا على الرَّجاء في الظروف الّتي تدفعنا إلى فقدان الرَّجاء. كان المسيحيّون الأوائل، الّذين وجَّه إليهم يوحنّا الرَّسول سِفر الرُّؤيا، أمام تحدٍّ يقوم على اختيارهم بين إنكارهم إيمانهم بالربِّ يسوع في سبيل المحافظة على حياتهم الأرضيّة، أو الموت شُهداء.
إنَّ كلَّ مؤمنٍ مسؤولٌ عن قراره، بدليل أنّ دستور الإيمان في صِيغة المفرد في الكنيسة الشرقيّة، بينما يُقال في صيغة الجمع في الكنيسة الغربيّة تعبيرًا عن إيمان الجماعة كلِّها، الملتزمة بالربِّ يسوع. الآن هو وقتُ اختبار إيماننا، فنُدرِك إنْ كان إيماننا بالربِّ ثابتًا، صحيحًا، جديّا، ومَتينًا. فالإيمان لا يُمتَحن في وقت الرّاحة والفَرح، إنّما في وقت الشِّدة.
في ظلّ هذه الظروف الصحيّة الصَّعبة، أصبحت اللِّقاءات بين البشر صَعبةً، لذا كانت الحاجة إلى اللُّجوء إلى وسائل التواصل الاجتماعي لتحقيق ذلك الهدف، عِوضَ التمسُّك بالتقويّات الزائفة القائمة على إقامة اللّقاءات الروحيّة رُغم مخاطر انتشار الوباء، فالربُّ أعطانا الحكمة لنُميَّز الأمور لا لِنُجرِّب الله. اليوم، في ظلّ هذه الأزمة، نحن مدعوّون إلى طلب المعونة من الربّ، لِنَجتاز هذه التجربة.
إنّ سِفر الرؤيا هو بعيد كلّ البُعد عن التوقُّعات الفلكيّة إذ إنّه مبنيّ على وَعدٍ، على كلمةٍ، على حَدَث، مبنيّ على شهيدٍ مات على الصَّليب من أجلنا؛ لذلك نجد فيه رجاءً، وتحقيقًا للوَعدِ بالطريقة الّتي يراها الله مناسبة. إذًا، مع كلّ احترامنا لِما تَمرُّون به مِن وجعٍ في هذه الظروف الصَّعبة، ومع كلّ تقديرنا للجهد الّذي تقومون به، ولكن هذا لا يُعفيكم من إعلان شهادتكم منذ الآن في هذه الظروف الصّعبة، واستشهادكم إذا دَعَت الحاجة والظروف.
في هذه المقدّمة، أردتُ أنْ أُعيدَ إحياء لقاءاتنا الرُّوحيّة، وقد تكلَّمت عن سِفر الرؤيا في هذه الظروف الصَّعبة، حتّى يكون كلامي لكم دافعًا ومُحفِّزًا من أجل العودة إلى كلمة الله. إنّ حياتنا مقسَّمة إلى ثلاثة أقسام: الثُلثُ الأوّل نقضيه في النَّوم، والثُلثُ الثاني منها نقضيه في الرَّاحة وعدم العمل، والثُلثُ الأخير نقضيه في العمل، وهذا الثُلثُ الأخير هو الأكثر فائدة لنا وللآخَرين، ولكن هذا لا يعني أنّ الرَّاحة والنّوم غير مُفيدَين للإنسان، بل يعني أنّه على الإنسان عدم تضييع وقته في النَّظر إلى أوجاع النَّاس من دون العمل على مساعدتهم على تَخَطِّيها. بمعنى آخر، هل مِنَ المقبول، مع كُلِّ ذلك، أن يُضيِّع الإنسان المزيد من الوقت في تشتيت نفسه وتخفيف إنتاجيّته في هذه الحياة؟ هذا الواقع الّذي نعيشه ليس جديدًا على الإنسان، فالإنسان عبر العصور عرف مراحل مشابهة للّتي نعيشها اليوم.
لذا على الإنسان المؤمِن أن يعمل كي يكون نورًا للعالم في ظلِّ عصرٍ غير مستقِّر؛ وهذا النُّور لا يأتي من الإنسان نفسه، من قُدرته وقوّته بل يأتي من كلمة الله المزروعة فيه وتفاعُلِه مَعَها. إذًا، ليس المطلوب تلاوة كلمات الإنجيل على مسامِع الآخَرين بل السَّعي إلى عيشها في مَثَلنا الصّالح: فعلى الرُّغم من هذه الظروف الصَّعبة الّتي نواجهها، نجد أنّ بعض النَّاس يَهبُّون لمساعدة إخوتهم الأكثر حاجة منهم. إنّ روح الربِّ ما زال يعمل في هذا العالم، فكم بالحريّ نحن المؤمنون بالربّ، أن نعيش وِفق هذه الرُّوح؟!
إذًا، ممنوع علينا اليأس، وممنوع علينا الإحباط على الرُّغم من كلِّ شيء. عندما أدعوكم إلى عدم الإحباط، فهذا لا يعني عدم الاعتراف بوجود المشاكل، بل هي دعوة لنا إلى الصَّبر. إنَّ كلمة الله هي نفسها لم تتغيّر عبر العصور، والعالم لم يتغيَّر، وأساليبه لم تتغيّر، ولكن الوجوه تتغيَّر. أُنظروا اليوم إلى الحِقد والتعصُّب وروح الإلغاء، المنتشر في محيطكم، فتَجدون أنّ الكثيرين يلجأون إلى اعتماد “حلِّ قايين” بدلاً من “حلِّ هابيل”، في مشاكلهم مع الآخَرين، إذ يسعون إلى إلغاء الآخَر المختلف عنهم وقتَله، بدلاً من العمل على بناء علاقةٍ معه تُرضي الله.
إذًا، نحن اليوم في حالةٍ صعبةٍ جدًّا، ولكنّها في الوقت نفسه حالة مُعزِّية جدًّا، لأنَّ كلمة الله لا زالت موجودة وستتحقَّق، وعلينا أن نعيشها كأنّها تحقَّقت أو تتحقَّق، لا بالوَهم إنّما بالفِعل والواقع، فنتقوَّى بها ونتمكَّن من تقوية الآخَرين المحيطين بنا، إذ أصبح عالمنا اليوم بأمَسّ الحاجة إلى كلمة تعزيةٍ، إلى كلمة رجاءٍ، إذ لم يَعُد لدينا القدرة على الاحتمال.
هكذا كان المسيحيُّون في العصور الأولى للمسيحيّة، في حالةٍ صعبةٍ جدًّا، حالة اضطهاد، فكان لهم سِفر الرؤيا كلمةً تبعثُ فيهم الرَّجاء وتُعزيِّهم وتدفعهم إلى احتمال المشَقَّات في سبيل إيمانهم، إذ جاء ليُذكِّرهم بكلمة الله، وبِوَعَده الصَّادق لهم إذ إنّهم في النِّهاية، سيَغلِبون “كما غَلب هو”، أي الربّ.
إنّ طريقة انتصار الربّ ستكون مختلفة عن بقيّة طُرق الانتصارات العالميّة، وقد أثبتت نجاحها في حياة القدِّيسِين، وستُظِهر نجاحها أيضًا في حياتنا نحن المؤمِنون بالربّ. إنّ زمن القداسة لم ينتَهِ ولن ينتهي، طالما أنَّ زمن الخطيئة لم يَنتَهِ: فطالما هناك خطيئة وشرّ في هذا العالم، طالما هناك توقٌ إلى القداسة عند المؤمِنِين.
في هذا الإصحاح السّابع مِن سِفر الرؤيا، الّذي سنقوم بدراسته في اللِّقاء القادم، سنقرأ أنّ عدد المخلَّصِين هو مئة وأربعة وأربعون ألفًا: إنّ هذا الرَّقم لا يعني أنّ هذا هو الرَّقم النِّهائي لِعَدد المخلَّصِين في التَّاريخ، بل يعني أنّ هناك عددًا كبيرًا لا يُحصى من المخلَّصِين. إنّ الرَّقم مئة وأربعةٌ وأربعون هو رَقمٌ رمزيّ، مؤلَّفٌ من الرَّقم اثني عشر مضاعفًا ومضروبًا بألف (12x12x 1000).
في الكتاب المقدَّس، يرمز الرَّقم “اثني عشر”، إلى الكُلِّية، إلى الشموليّة، الملتزمين بكلمة الله، إذ نجد على سبيل المثال اثني عشر سبطًا ليَهوذا، واثني عشر رسولاً. والرَّقم “ألف” يشير إلى عددٍ لا محدود. وبالتّالي، فالمقصود من ذِكر هذا العدد الرَّقميّ، أنّ المجال لا يزال متاحًا أمام جميع المؤمنِين للحصول على الخلاص، طالما أنّهم ثابتون على أمانتهم وإيمانهم بالربِّ يسوع. وهؤلاء المخلَّصون ليسوا محصورِين بالبيئة اليهوديّة فقط، بل هم ينتمون إلى جميع الأُمَم.
إذًا، إنَّ كُلّ واحدٍ منّا معدودٌ ضمن حسابات الله للمخلَّصِين في هذا العالم، لذا علينا ألّا نُلغي من حساباتنا نعمة الحصول على الخلاص؛ وبالتّالي لا يمكننا التراخي أمام الصُّعوبات بل علينا أن نُصارع كما صارع يَعقوب، الّذي يُخبرنا عنه الكِتاب المقدَّس، لتكون “أسماؤنا مكتوبة في السَّماء”.
إذًا، على كلِّ مؤمن أن يُحدِّد أولويّاته، انطلاقًا من أهدافه في هذه الحياة: فإن كان هدفك في هذه الحياة المحافظة على حياتك الأرضيّة فإنّ أولويّاتك ستكون تأمين الطّعام؛ أمّا إذا كان هدفك الحصول على الخلاص، فإنّك ستسعى كي تكون “إصبع الله في محيطك”. إنْ لم تشعر بأنَّك “إصبع الله في محيطك”، فإنَّك سَتَفقد روح المسؤوليّة؛ أمّا إذا شعرت بذلك، فإنَّك ستشعر بروح المسؤوليّة وهذا سيمنحك القوّة للجهاد للبقاء في الحياة.
نحن ليس لدينا حنين وهواية موت، إنّما لدينا حنين وهواية حياة، لأنَّ الله زرع فينا بِذرة حياة. فإذا رغِبْنا في الموت في هذه الحياة لأنّه أفضل لنا من البقاء فيها، فهذا يعني أنّنا لا نُحبّ لا الحياة هنا ولا الحياة هناك، وبالتّالي أصبحنا حالةَ يأسٍ متحرِّكة. إنَّ سِفر الرُّؤيا ينتشلك من حالة اليأس هذه. إنّ سِفر الرؤيا يُقدِّم لنا صُوَرًا ورُموزًا وأحداثًا، تُخبرنا عن الصُّعوبات الّتي سنواجهها كمؤمنِين بالربّ في هذا العالم، وتدفعنا إلى الاستعداد لمواجهتها، عندما تطرق بابَنا.
لذلك سنتابع دراستنا للإصحاح السَّابع من سِفر الرّؤيا، كي نتمكَّن من الدُّخول إلى هذا الينبوع الحيّ، ونرتوي من مياهه الحيّة الّتي تُحيينا في زمن الموت، وتقوِّينا في زمن الضُّعف، وتمنحنا الرَّجاء في زمن اللّارجاء. في هذه الأزمة، تَبرزُ الحاجة إلى كلمة الله، فهذا الفيروس الّذي نتعرَّض له، قد حرَمنا من مصافحة الآخَرين ومن كلّ أشكال التعبير عن محبَّتنا الجوهريّة للآخَرين.
إنَّ كائنًا، أي الفيروس، لا نراه بعيوننا، يدفعنا إلى الابتعاد عن كلِّ مَن نراهم بعيوننا؛ وبالتّالي، تحوَّل هذا الفيروس إلى “رئيس هذا العالم” بطريقةٍ من الطُرق. إنّ هذا الفيروس ليس مُرسلاً من الله لتربية الإنسان، بل هو مِن صُنع البشر، بطريقة من الطرق: فالبشر مسؤولون عن مصيرهم على هذه الأرض، فالأمراض سببها البَشر، والموت سببه البَشر. نحن نلتجئ إلى الله عندما نواجه المشاكل، فيتحوَّل كلّ حديثنا إلى تذمّر من الواقع السَّيئ الّذي نعيشه، بمعنى آخر يتحوّل حديثنا إلى “ورقة نعوة” للأوضاع المعيشيّة.
للأسف نحن اليوم، لم نَعُد نستطيع أن نشكو أمورنا للآخَرين إذ لا يمكننا اللِّقاء بالآخَر مخافة أنْ نلتقط عدوى الفيروس، حتّى أصبحنا نحتسب عدد المؤمِنِين في الكنيسة مخافة انتقال عدوى هذا الفيروس إلينا. في الكنيسة الأولى، عهد كتابة سِفر الرؤيا، كان المسيحيِّون يتمتّعون بِحكمة كاملة تدفعهم إلى تجنُّب مواجهة الموت إراديًّا، من دون الهرب منه إن كان لا بُدَّ منه. إنَّ عالمنا اليوم للأسف يُصوِّر لنا الآخَر على أنّه عدو، إذ إنّه مَصدر انتقال الفيروس إلينا. إنّ هدف الكاتب من سِفر الرؤيا هو أن يشجِّع المؤمِنِين على المثابرة على احتمال الصُّعوبات من أجل البقاء على قيد الحياة، واقتبال الموت في سبيل إيمانهم على رجاء القيامة، رافِضِين أن يكون رجاؤهم في الامبراطور أو الزَّعيم في عصرِنا.
إخوتي، أدعوكم كي تستعدِّوا للِّقاء القادم واضِعين سِفر الرُّؤيا الإصحاح السَّابع أمامكم، كي نتمكَّن من تناول هذا “الخبز النازل من السَّماء”، كلمة الله الحيّة. “انتبهوا ولكن لا تخافوا؛ اهتَمُّوا ولكن لا تنهَمُّوا؛ عيشوا حياتكم، ولكن لا تسعوا كي تكون حياتكم تمرير أيّام”. إنّ المؤمِن الحكيم هو مَن يعرِف كيف يعيش كي يجتاز هذه الأزمة ويبقى على قيد الحياة. أقول لكم ستَضعَفون وستَبكون، وقد يموت أحدٌ تعرفونه، ولكنّ المهمَّ أن يتمسَّك مَن يبقى فينا بالبِذرة المزروعة فيه، وأن يتَّكِل على الله، الّذي يُنمِّي الزرع. نحن في وَضعٍ لا يمكننا أن نقول فيه إلّا ما قاله التلميذ للربّ: “إلى أين نذهب يا ربّ، وكلمة الحياة الأبديّة عندك؟” (يو6: 68).
للأسف، هناك مؤمِنون ملتزِمون، يَقعون في أفخاخ الشيطان الذي يرمي بِذار الانقسامات بين البشر، لا للدِّفاع عن الله وعن إيمانِنا به، إنّما لأمور فانيَة تعكس شرّ هذا العالم. لذا، نحن مدعوُّون إلى طلب نعمة التمييز من الربّ، لنتمكَّن من معرفة ما هو خِصامٌ بسبب الإيمان وما هو خِصامٌ على أمور أرضيّة فانية. لا نبيعنَّ ذواتنا لأحدٍ في هذا العالم، فنحن لا نملك هذه الصَّلاحيّة، لأنّ حياتنا هي مُلك لله وَحده، إذ قد اشترى نفوسَنا بِدَمٍ ثمين، هو دم يسوع المسيح البارّ. “لقد اشتُريتم بِثمنٍ فمجِّدوا الله بأرواحكم وأجسادكم”(1كور6: 20)،
وهذا يعبِّر عن أهميّتنا في نظر الربّ، لذلك لم يدفَع الربُّ ثمن نفوسنا بقيامِه بأعجوبةٍ، أو بِعملٍ إلهيّ في الطبيعة، بل دَفع ثمنها من خلال دَمِ إنسانٍ لا يستحقّ الموت، قَبِل بالموت من أجل خلاصِنا.
لذا لا تستَخِّفوا بِدَم المسيح، مهما كانت الصّعوبات كثيرة وكبيرة، ولا تسمحوا لشرّ هذا العالم وإغراءاته أن يجعلكم ذات ثمنٍ رخيص، بمعنى آخر لا تُضيِّعوا الأمانة. كونوا على مِثال مريم، الّتي “كانت تحفظ كلّ تلك الأشياء في قلبها”، فإذا حَفظتم كلمة الله في قلوبكم، فإنّ كلمة الله تَحفظُكم من كلِّ شرّ ستتعرَّضون له.
نحن اليوم، في بداية مرحلةٍ جديدة، نتمنّى اللِّقاء بكم في كلِّ أسبوع، على الرّغم من الصُّعوبات الّتي تعترضنا بسبب فيروس كورونا. إنّ المؤمن يُدرك كيف يُسخِّر كلّ الأمور الّتي توضع بين يديه، في سبيل خِدمة كلمة الله؛ أمّا غير المؤمن فيُسخِّر كلّ ما يوضَع بين يَديه من أجل نَشر تفكير العالم وخدمته. نحن اليوم مدعوّون للاستفادة من كلّ ما نتعرَّض له في هذه الأيّام الصَّعبة، كي نتمكَّن من تجميع مخزون يساعدنا على اختيار الأفضل لنا الآن وفي المستقبل، بما يخدم كلمة الله، ومن نَقْل هذا المخزون الرُّوحي، أي البشارة، إلى الأجيال القادمة، وتعزيَة الآخَرين في وقت الصُّعوبات ومساعدتهم على اجتيازها، فنكون كالنَّار الّتي تضيء طريقهم نحو الربّ بدلاً من أن تحرقم. عندما تعترضنا شِدَّة، علينا أن نتذكَّر قول الرّسول في الإصحاح الأوّل، في سفر الرؤيا:
“أنا شريككم في الضّيق والملكوت والصَّبر”؛ فالصَّبر هو أن تتحمّل الوقوف في الصُّعوبات، لأنّ الملكوت أصبح وراءك من خلال وَعد الله لنا في العهد القديم، وهو، أي الملكوت، أمامنا، أي في طور التحقيق. لا يمكننا أن نلقي المسؤوليّة على الآخَرين كما فَعل آدم وحوّاء، أو كما فَعل قايين بأخيه هابيل، فمات هذا الأخير غَدرًا.
إنّ التاريخ مليء بالشواهد: فقد برّر اليهود قَتلهم للربّ بأنّهم لن يؤمنوا به إلّا عند نزوله عن الصَّليب، فلم يفعل؛ ولكنّه قام من الموت فلم يُصدِّقوا قيامته. إذًا، انطلاقًا من المخزون الّذي نملكه، إضافة إلى مخزوننا من كلمة الله، نستطيع أن نُزيِّن الأمور ونميِّزها. لا يمكننا ألّا نبكي ونخاف وقت الشِدّة والألم، لأنّنا بشرٌ، لذا لا نتجبرنَّ على الله. ما هو مطلوبٌ منّا كمؤمنِين بالربّ، أن نبقى في ظلّ حزنِنا وألمنا، قادرين على رؤية هذا النُّور الإلهيّ الّذي يستطيع أن يُغيِّر كلّ نظرتنا إلى ما نمرُّ به.
إنَّ طرق العالم مختلفة عن طُرق الربّ ولا انسجام بين فِكر الربّ وفِكر العالم، وعلى المؤمِن أن يختار ما بين طريق الربِّ وفِكره أو طريق العالم وفِكره. إنَّ سِفر الرؤيا يقول لنا إنّه مَهما اخترنا في هذه الحياة، فالقرار مسؤوليّتنا، والربُّ يهتمّ بالباقي. آمين.
سِفر رؤيا القدّيس يوحنّا – الإصحاح السّابع
“وَبَعْدَ هذَا رَأَيْتُ أَرْبَعَةَ مَلاَئِكَةٍ وَاقِفِينَ عَلَى أَرْبَعِ زَوَايَا الأَرْضِ، مُمْسِكِينَ أَرْبَعَ رِيَاحِ الأَرْضِ لِكَيْ لاَ تَهُبَّ رِيحٌ عَلَى الأَرْضِ، وَلاَ عَلَى الْبَحْرِ، وَلاَ عَلَى شَجَرَةٍ مَا. وَرَأَيْتُ مَلاَكًا آخَرَ طَالِعًا مِنْ مَشْرِقِ الشَّمْسِ مَعَهُ خَتْمُ اللهِ الْحَيِّ، فَنَادَى بِصَوْتٍ عَظِيمٍ إِلَى الْمَلاَئِكَةِ الأَرْبَعَةِ، الَّذِينَ أُعْطُوا أَنْ يَضُرُّوا الأَرْضَ وَالْبَحْرَ، قَائِلًا: لاَ تَضُرُّوا الأَرْضَ وَلاَ الْبَحْرَ وَلاَ الأَشْجَارَ، حَتَّى نَخْتِمَ عَبِيدَ إِلهِنَا عَلَى جِبَاهِهِم. وَسَمِعْتُ عَدَدَ الْمَخْتُومِينَ مِئَةً وَأَرْبَعَةً وَأَرْبَعِينَ أَلْفًا، مَخْتُومِينَ مِنْ كُلِّ سِبْطٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ. مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَخْتُومٍ. مِنْ سِبْطِ رَأُوبِينَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَخْتُومٍ مِنْ سِبْطِ جَادَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَخْتُومٍ. مِنْ سِبْطِ أَشِيرَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَخْتُومٍ. مِنْ سِبْطِ نَفْتَالِي اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَخْتُومٍ. مِنْ سِبْطِ مَنَسَّى اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَخْتُوم. مِنْ سِبْطِ شَمْعُونَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَخْتُومٍ. مِنْ سِبْطِ لاَوِي اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَخْتُومٍ. مِنْ سِبْطِ يَسَّاكَرَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَخْتُومٍ. مِنْ سِبْطِ زَبُولُونَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَخْتُومٍ. مِنْ سِبْطِ يُوسُفَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَخْتُومٍ. مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَخْتُومٍ. بَعْدَ هذَا نَظَرْتُ وَإِذَا جَمْعٌ كَثِيرٌ لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يَعُدَّهُ، مِنْ كُلِّ الأُمَمِ وَالْقَبَائِلِ وَالشُّعُوبِ وَالأَلْسِنَةِ، وَاقِفُونَ أَمَامَ الْعَرْشِ وَأَمَامَ الْخَرُوفِ، مُتَسَرْبِلِينَ بِثِيَابٍ بِيضٍ وَفِي أَيْدِيهِمْ سَعَفُ النَّخْل. وَهُمْ يَصْرُخُونَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلِينَ: الْخَلاَصُ لإِلهِنَا الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ وَلِلْخَرُوفِ. وَجَمِيعُ الْمَلاَئِكَةِ كَانُوا وَاقِفِينَ حَوْلَ الْعَرْشِ، وَالشُّيُوخِ وَالْحَيَوَانَاتِ الأَرْبَعَةِ، وَخَرُّوا أَمَامَ الْعَرْشِ عَلَى وُجُوهِهِمْ وَسَجَدُوا للهِ. قَائِلِينَ: آمِينَ! الْبَرَكَةُ وَالْمَجْدُ وَالْحِكْمَةُ وَالشُّكْرُ وَالْكَرَامَةُ وَالْقُدْرَةُ وَالْقُوَّةُ لإِلهِنَا إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمين! وَأجَابَ وَاحِدٌ مِنَ الشُّيُوخِ قَائِلًا لِي: هؤُلاَءِ الْمُتَسَرْبِلُونَ بِالثِّيَابِ الْبِيضِ، مَنْ هُمْ؟ وَمِنْ أَيْنَ أَتَوْا؟ فَقُلْتُ لَهُ: يَا سَيِّدُ، أَنْتَ تَعْلَمُ. فَقَالَ لِي: هؤُلاَءِ هُمُ الَّذِينَ أَتَوْا مِنَ الضِّيقَةِ الْعَظِيمَةِ، وَقَدْ غَسَّلُوا ثِيَابَهُمْ وَبَيَّضُوا ثِيَابَهُمْ فِي دَمِ الْخَرُوفِ. مِنْ أَجْلِ ذلِكَ هُمْ أَمَامَ عَرْشِ اللهِ، وَيَخْدِمُونَهُ نَهَارًا وَلَيْلًا فِي هَيْكَلِهِ، وَالْجَالِسُ عَلَى الْعَرْشِ يَحِلُّ فَوْقَهُم. لَنْ يَجُوعُوا بَعْدُ، وَلَنْ يَعْطَشُوا بَعْدُ، وَلاَ تَقَعُ عَلَيْهِمِ الشَّمْسُ وَلاَ شَيْءٌ مِنَ الْحَرِّ، لأَنَّ الْخَرُوفَ الَّذِي فِي وَسَطِ الْعَرْشِ يَرْعَاهُمْ، وَيَقْتَادُهُمْ إِلَى يَنَابِيعِ مَاءٍ حَيَّةٍ، وَيَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ”.
إنَّ حديثنا اليوم هو عن “الـمُخلَّصِين”. في هذا الإصحاح، نقرأ أنّ عدد الـمُخلَّصِين هو مئةٌ وأربعةٌ وأربَعون ألفًا، مِن أسباط إسرائيل، وهذا يعني أنّ الخلاص هو لكلِّ اسرائيل. إنّ الرَّقم “مئة وأربعة وأربعين ألفًا” يُقسَم كما يلي: 12x12x 1000؛ وهو يرمز إلى عددٍ غير محدود. ولكنَّ جماعة “شهود يهوه”، تتوقَّف عند حرفيّة هذا الرَّقم، فَتعتبر أنَّ عدد المخلَّصِين هو مئة وأربعةٌ وأربعون ألفًا فقط، وهُم في اعتقاد “شهود يهوه” من جماعتهم فقط. في الكتاب المقدَّس،
إنَّ الرَّقم “ألف” يرمز إلى عددٍ غير محدود، وهو يساوي الرَّقم عشرة، – الّذي يرمز أيضًا إلى الكمال- ، مضروب بذاته مرّاتٍ ثلاث. وأيضًا يرمز الرَّقم “اثنا عشر” إلى الكُلِّية أي الشُّموليّة: فالكتاب المقدَّس يُخبرنا عن اثني عشر سبطٍ لاسرائيل، كما يُخبرنا أنَّ الربَّ يسوع اختار له اثني عشر رسولاً من الشَّعب. إنّ موضوع الخلاص ليس محصورًا بجماعةٍ معيّنة أو شعبٍ معيَّن، إذ يقول لنا كاتب هذا السِّفر إنّه رأى “جَمعًا كثيرًا لَم يستَطِع أحدٌ أن يَعُدَّه، من كلّ الأُمَم والقبائلِ والشُّعوب والألسنة”(7/9).
وبالتّالي، أراد الكاتب أن يقول لنا إنّ خلاص الربِّ هو متاحٌ لجميع النّاس من دون تمييز، لكن بِشَرطٍ واحدٍ هو قبولهم شهادة الربِّ يسوع. ويتابع الرَّسول كلامه فيُخبرنا أنّ هؤلاء المخلَّصين الّذين لا ينتمون إلى شعب اسرائيل، قد غسَّلوا ثيابهم بِدَم الحمل. إنَّ الدَّم لا يستعمل لتنظيف الثِّياب، فالدَّم يوسِّخها ويلوِّثها. وبالتّالي، فالمقصود بعبارة “غسَّلوا ثيابهم وبيَّضوها بِدَم الخروف” (7/ 14)، أنّ هؤلاء قد غسَّلوا ثيابهم بِدَم الشَّهادة، أي أنّهم استشهدوا في سبيل إيمانهم بالربِّ يسوع.
إذًا، كُلُّ مَن يشهد للربِّ يسوع، أكان من الشَّعب اليهوديّ أو مِن الأُمَم، وتؤدِّي به شهادته هذه إلى الاستشهاد، ينال مكافأةً على ثباته في إيمانه وهي الجلوس على العرش مع الله في الملكوت، من دون خضوعه للدَّينونة، إذ فيه يتحقَّق ما قاله لنا الرَّسول في الإصحاح الأوَّل من سِفر الرُّؤيا، إذ قد غَلب كما غلب الربُّ يسوع. إنّ الربَّ يسوع قد غلب الموت بموته على الصَّليب؛ ولكنْ هذا لا يعني أنّه على المؤمن أنْ يغلِب أيضًا من خلال موته بالطريقة نفسها الّتي ماتها الربّ أي على الصَّليب، فالموت هو نتيجة أمانة المؤمن وتمسُّكه بإيمانه تعبيرًا عن حبِّه لله: فالـحُبُّ قد قاد المسيح يسوع إلى الموت على الصّليب.
إنّ الربَّ يسوع على الصَّليب قد أفرَغ كلّ ذاته إنسانيّا ليتمكَّن من مَلء إنسانيّته من ألوهيّة الله؛ لذا لم يتمكَّن الموت من السَّيطرة على الربِّ والقضاء عليه، فقام الربُّ من الموت. وبالتّالي، عندما يستشهد المؤمن، يكون قد أفرغَ ذاته من إرادته ومشيئته، ليمتلئ من مشيئة الله وإرادته، إذ أصبح الموت بالنِّسبة إليه، طريقًا يوصله إلى الملكوت، لا بِهدف انتظار الدَّينونة، إنّما من أجل الجلوس على العرش مع الله.
أن تجلس على العرش مع الله، فهذا يعني أنَّك تُصبح مشاركًا في دينونة البشر إذ سيُقدِّمك الربُّ إلى جميع البشر نموذجًا يُحتذى به في عيش الأمانة للربّ في هذا العالم. ويُضيف صاحب سِفر الرُّؤيا فيقول لنا إنّ هؤلاء المخلَّصين قد وصلوا إلى الملكوت وفي أيديهم سُعف النَّخل. في الكتاب المقدَّس، يحمل الشَّعب سُعف النَّخل عند استقبالهم مَلِكهم العائد من الحرب منتصرًا؛ وبالتّالي حَملُ الشُّهداء لِسُعف النَّخل يشير إلى إعلانهم الانتصار على الموت وعلى كلّ أشكال الشَّر. إذًا، المؤمن الشَّهيد هو في أعلى مستوى من حالة القوَّة والانتصار لأنَّه غسَّل ثيابه بِدَم الشهادة.
إنّ عبارة “الجالس على العرش وللخروف” تشير إلى الآب والابن. إنّ هؤلاء الشُّهداء، إضافةً إلى الملائكة والشُّيوخ والحيوانات الأربعة، الّذين سبَق وتكلَّمنا عليهم، قد سجدوا للربّ وسبَّحوه؛ وقد استخدم كاتب هذا السِّفر سبع صفات هي “البَرَكة والمجد والحكمة والشُّكر والكرامة والقدرة والقوَّة”، للدلالة على تقديم كلّ هؤلاء كمال التَّمجيد وكمال التعظيم لإلهنا، إلى أبد الآبِدِين.
إذًا، هذا التَّمجيد الكامل يُعلِن انتصار الملك الّذي استشهد على الصَّليب، الخروف المذبوح الّذي به يليق كلُّ تمجيد. ويتابع الرَّسول،كاتب السِّفر، فيُخبرنا أنَّ أحد الشُّيوخ قال له إنّ المتسربلين بالثِّياب البِيض، الّذين لا ينتمون إلى الشَّعب اليهوديّ، هم مؤمنون بالربّ تعرَّضوا للاضطهاد، وقد تمكَّنوا من احتماله متسلِّحين بالصَّبر، ثابتين في إيمانهم، لأنّهم لم يخافوا من الموت. يتزعزع إيمان الإنسان حين يلامس هذا الأخير الموت في حياته اليوميّة، وهذا ما نختبره في بلادنا اليوم: إذ أصبحنا نعيش وفي قلوبنا خوفٌ من الموت وخوفٌ من الـمَرَض.
إنّ مشكلة الإنسان تكمن في خوفِه من الموت، فبولس الرَّسول يقول لنا في رسالته إلى العبرانيّين: إنّ خوفنا من الموت يؤدِّي إلى وقوعنا في عبوديّة الخطيئة. فمثلاً، إذ قام أحد المؤمنِين بِفعل السَّرقة، فإنَّه لن يتجرَّأ على إعلان فِعلته هذه، خوفًا من أن يتعرَّض للعقاب بابتعاد الآخَرين عنه، فيكون في عزلةٍ عن النَّاس، وهذه تشكِّل إحدى صُوَر الموت، لذا يَكذِب ولا يُقرُّ بفِعلته، والكَذِب هو أيضًا خطيئة.
إنّ الإنسان الّذي يخاف من تعرُّضه لِعزلةٍ من الآخَرين يرتكب العديد من الخطايا بِهَدف لَفت انتباه الآخَرين؛ أمّا الإنسان الـمُكتفي، أي الّذي لا يخاف من التَّعرض للعزلة من الآخَرين، فيكون في حالةٍ من السَّلام والهدوء والفرح الداخلي، إذ لا يسعى إلى أذيّة الآخَرين بل إلى خِدمتهم. إنّ خوف الإنسان من الموت بكلِّ أشكاله، يُفقِده صورته الإنسانيّة الحقيقيّة.
إنّ الخوف من الموت هو أَكبرُ دافعٍ للوقوع في الخطيئة. إنّ الطِفل الفوضويّ في المدرسة والمجرم هما شخصان لم يشعرا بِحُبِّ أهلهما لهما، فسعيا إلى لَفت الأنظار لهما من خلال القيام بأعمالٍ شريرة كالمشاغبة والقتل.
إذًا، الموت هو عدوٌّ لله، إذ يعتقد الإنسان أنَّ الله هو المسؤول عن الموت في حين أنّه ليس كذلك؛ والموت أيضًا هو عدوٌّ للإنسان، إذ لم يكن الموت هدفًا من أهداف خلق الله للإنسان. فالله قد خلق الإنسان للخلود؛ ولكنَّ بسبب خوفه من الموت، ارتكب الإنسان الخطيئة فأصبح عبدًا لها، ودَخل الموت إلى حياة الإنسان. بمجيئه إلى أرضنا، أباد الربُّ يسوع الموتَ، أي أنّه أباد خوف الإنسان من الموت، باقتحامه الموت وقيامته من بين الأموات.
إنَّ الموت هو حالةٌ طبيعيّة موجودةٌ في عالمنا، ولكن المؤمن لا ينظر إلى الموت على أنّه يشكِّل خطرًا على حياته، لأنّ الحياة بالنِّسبة إليه، لا تقتصر على سنين حياته على هذه الأرض، بل تمتَّد إلى ما بعد هذه الحياة. إذًا، الفرق بين المؤمن وغير المؤمن، هو: أنّ المؤمن يؤمن أنَّ حياته لا تنتهي بموته الجسديّ، بل تتخِّذ نهجًا جديدًا بعد انتقاله من هذه الأرض؛ أمّا غير المؤمن فهو يعتقد أنَّ موته الجسديّ يُنهي كلّ حياته،
لذا يسعى إلى التلذّذ بشهوات هذا العالم، فيَضع مصلحته فوق جميع المصالح، ويسعى إلى تحقيقها على حساب خدمته للآخَرين ومحبَّته لهم، وإلغائه لشعوب أُخرى. وهذا ما أخبرنا به الكتاب المقدَّس، إذ ألغى قايين وجود أخاه هابيل، لأنَّه اعتبر أنَّ أخاه سيحجب نظر الله عنه، لذا قتل قايين أخيه هابيل ليَحصر نَظر الله فيه وَحده.
“هؤلاء الـمُتَسربِلون بالثِّياب البِيض،مَن هُم ومِن أين أتوا؟” (7/13). إنَّ كلَّ واحدٍ منّا، قد يكون واحدًا من هؤلاء! إنّ هؤلاء المتسربلين بالثِّياب البِيض قد أتوا من الضِّيقة العظيمة وهم ثابتون في إيمانهم، لذلك نالوا إكليل الشَّهادة مُصطَبِغين بِدم الخروف المذبوح، أي يسوع المسيح، ولذا هم الآن يقفون أمام عرش الله. لا يجلس على العرش إلّا حاشية الـمَلِك، وبالتّالي، انضمَّ هؤلاء الشُّهداء إلى حاشية الـمَلِك السَّماويّ، ولذا قاموا يخدمونه ليلَ نهار، في هيكله المقدَّس غير المصنوع بأيادٍ بشريّة.
“الجالس على العرش يحلُّ فوقهم”، أي أنّ الجالس على العرش يرعى هؤلاء الشُّهداء ويَهتّم بهم، لذا هم لا يحتاجون إلى شيءٍ، لأنَّ الله قد أعطاهم كلّ ما يحتاجون إليه. إنّ حاجات الإنسان الأساسيّة للاستمرار في هذه الحياة تقوم على توفُّر الطَّعام والماء له، لذا قال لنا كاتب هذا السِّفر: “لن يجوعوا بَعدُ، ولَن يعطَشوا”(7/16): إنَّ الربَّ قد أعطى هؤلاء الحياة الأبديّة، لذا لن يجوعوا ولن يعطشوا من بَعدُ، لأنّ الربَّ أروى عطشهم إليه.
“لا تَقعُ عليهم الشَّمس ولا شيءٌ من الحَرّ”، أي أنّه ما مِن شيءٍ سيَضُرُّهم الآن، لأنّ “الخروف في وسط العرش يرعاهم”. إنّ الرَّاعي يرعى غنمه هو، ولا يرعى غَنم الآخَرين إلّا بوكالةٍ من الرّاعي الآخَر، فيَهتّم عندئذٍ بالقطيع الموكل إليه كما لو أنّه قطيعه الخاصّ. وهكذا أيضًا يفعل الله مع الرُّعاة، إذ يُوكل إليهم رعاية قطيعه ليهتّموا به كأنّه قطيعهم. إنّ الربَّ أراد أن يقول للمتسربلين بالثِّياب البِيض إنّهم منذ الآن، لم يعودوا تحت رعاية أحدٍ، لأنّهم أَصبحوا تحت رعايته الشخصيّة، لذا لا جوع ولا عطش ولا خوف من شيء، بعد اليوم.
“يقتادهم إلى ينابيع ماءٍ حيّةٍ، ويمسح الله كلّ دمعةٍ من عيونهم”(7/17). إنّ أجمل تعزية روحيّة يتلَّقاها الإنسان من الربّ هي: أن يمسح الله دموع الإنسان، وهذا يعني أنْ يُلغي الله كلّ سببٍ يؤدِّي إلى حُزن الإنسان وإلى معاناته من الشِّدة والضِّيق، فيكون هذا الأخير في حالةٍ من الفرح الدائم. إنّ الله يمنح هذا الوعد للإنسان الّذي سيبقى ثابتًا في إيمانه، رُغم كلّ الضيقات الّتي تعترضه.
إخوتي، في ظلّ الوَضع الرَّاهن الّذي نعيشه في لبنان وفي العالم، يدعونا يوحنّا الرَّسول، كاتب هذا السِّفر إلى الانتباه لأمرَين: أوًّلا محاولة البقاء على قيد هذه الحياة من خلال حماية نفوسنا؛ وثانيًا الثبات في إيماننا على الرُّغم من كلِّ الصُّعوبات، فنجتازها ونحن محافظون على إيماننا بالربّ.
إخوتي، إنّ سِفر الرؤيا هو سفر التعزية للحالة الّتي نعيشها: حين يتوقَّف خوفنا من المرض عند حدِّ اتِّخاذنا كلّ التدابير الوقائية لعدم الإصابة بالمرض، فإنّنا سنتمكَّن من التمييز بين الصَّح والخطأ، فنختار الطريق الصَّحيح لِسُلوكه؛ أمّا حين يتعدَّى خوفنا من المرض الخوف الطبيعيّ ويتحوّل إلى نوعٍ من الرُّعب، فإنّنا سنبادر إلى لوم الله عند تعرُّضنا لمصيبةٍ ما، ما سيدفعنا إلى إنكار إيماننا به، وبالتّالي سنقع في عبوديّتنا للخطيئة، وسنلجأ إلى المساومات بين عبادتنا لله وعبادتنا للآلهة الأُخرى، ونُصبح مشابهين لا لأهل الإيمان بل لأهل هذا العالم.
إنّ خوفنا من الموت دفعنا إلى القبول بمساومات الدُّنيا، فأصبحنا نتاجر بـ”تجارة الشيطان”. إنّ الفكر الشيطاني، يقوم على أن يتصرَّف الإنسان وكأنَّ الآخَرين هم غير موجودين بالنِّسبة إليه، فلا يَهتمّ بهم. إذا كُنّا لا نهتمّ للآخَرين الموجودين بالقُرب منّا، فهذا يعني أنّنا لا نُحبّهم، وإنْ كّنا لا نُحبّ الآخَرين فهذا يعني أّنهم غير موجودين بالنِّسبة إلينا، وبالتّالي نحن نكون قد قتلناهم في فِكرنا.
إنّ سِفر الرؤيا هو مَن يوقظ العقل، فيُصحِّح السَّلوك ويقوِّي رُكَبَ المؤمنِين فيثبتوا في إيمانهم حتّى زوال الأزمة والصُّعوبات، وهم واقفون، أي غير خاضعين لأيِّ إلهٍ آخر سوى الله. آمين.
ملاحظة: دُوِّن الشرح بأمانةٍ من قِبَلنا.
