الراقدون… حروفٌ مِن نور

بقلم الأب ملحم الحوراني، كاهن رعيّة المحيدثة – المتن

مررتُ مرةً ببيت المرحوم جدّي في جديدة مرجعيون، واحتجتُ إلى أن أقرأ في نسخةٍ من الكتاب المقدّس كان يقرأ هو فيها، وتعود إلى أكثر من مئة سنةٍ خلت، فعثرتُ، في وسط الكتاب، على صفحاتٍ عديدةٍ بيضاء. لم أدرِ حينها ماذا كان قصدُ الذين طبعوا ذلك الكتاب من خلال ترك تلك الصفحات بيضاءَ، إلاّ أنّي تبيّنتُ أن جدّي عرف كيف يستفيد من وجود تلك الصفحات، فكتب عليها تواريخ تهمّه مثل تواريخ زيجاتٍ وولاداتٍ ومعموديّات ووفيات. ولفتَني أن لائحة الوفيّات كانت الأطول، وقد حرص جدّي على أن يكتب فيها كل أفراد عائلته ممّن سبقوه إلى وجه السيّد، ويصعد فيها من تاريخ وفاة أمّه إلى تواريخ وفاة زوجته فأبيه فجدّه…، مع ذِكر تاريخ وفاتهم “شرقيّ”. طبعًا، هناك مَن أكملَ تلك اللائحة بعد وفاة جدّي (ولعلّها عمّتي العزباء التي لازمت البيت)، فانضمّ جدّي إلى آبائه وأجداده، ودخل إلى اللائحة بعده أبي وأعمامي ومَن توفّي من عمّاتي ومِن أفراد عائلتنا حتّى مطالع القرن الحادي والعشرين.

توالت السنون إلى أن رقدت بالرب عمّتي المقيمة في مرجعيون، وكان على عاتقي الاهتمام بمراسم خدمة الدفن لكوني كاهن العائلة. بعد عودتنا إلى بيت جدّي، تذكّرتُ كتابه المقدّس. وإذ هممتُ بإحضاره، فهمتُ ماذا قصَدَ طابعو الكتاب مِن تعَمُّدهم تركَ صفحاتٍ بيضاء “في وسط” الكتاب المقدّس، ذلك القصد الذي فهِمَه بدوره جدّي فكتب عليها ما كتب.

فهمتُ يومها أن الإنسان يولد في هذه الدنيا من لحمٍ ودمٍ، ابنًا ترابيًّا لآدم، سيعودُ يومًا إلى التراب. ولكنّ الله، الذي لم يشأ موت الخاطئ إلى أن يرجع ويحيا، أرسل ابنه الوحيد نورًا إلى العالم ليخلّص به العالم، حتى لا يعود إلى التراب أولئك الذين جبلهم من التراب. النور دخَل إذًا في العالم، وهو يدعو البرايا إلى الاستنارة منه. هنا يبدأ عمَلُ الإنسان: يعتمدُ في البيعة، فيموت مع المسيح عن العالم، ليقوم معه في حياةٍ جديدة. ومذ ذاك، ينطلق في تَعلُّم أفكارِ اللهِ وطُرُقه. فلا يعود يحيا ليلبس ويأكل ويشرب ويملك ويتمتّع، كما يفعل الترابيون، بل يصبح كل ما في هذه الدنيا وسيلةً ليذوق الحياة. وما هي الحياة؟ أن يُعرّض نفسه إلى نور الباري، ويعبّ منه ليتغلغل النورُ إلى ترابيّته. يُقبِل على كلمة الله في كتابه العزيز، فتكون الكلمة “سراجًا لخُطاه ونورًا لسبيله”، فيحفظها وتحفظه. وهذا يقوده إلى الكنيسة التي دَوّنت كلمةَ الله، فيُقِيم فيها القداسَ تلو القداس، أسبوعًا فأسبوعًا، يتناول جسد المسيح الذي إذا أكل منه الإنسان لا يموت. وبين القداس والقداس، يخرج إلى مذبح الفقير والغريب والـمُغَرَّب، مُعطيًا ممّا أُعطيَ حتى يُتَمتِم منذ الآن قَبْس الملكوت. وهكذا، كلما نما في القامة، ينمو في النعمة، فتتقلّص كثافته، وتتضاعف أثيريّته، ويغدو النورُ، الذي اكتسبه بالإيمان والعمل، هو الزاد وتذكرة السفر والدليل إلى عتبات الملكوت. يستمرّ هذا على وقع الأيام والسنين ما حَيا، إلى أن يستردّه الله. في ذلك اليوم، يعود ما بقي فيه من ترابٍ إلى التراب، وأمّا النور الذي استقرّ فيه فلا محلّ يحلّ فيه بعد أن تحوّل إلى حروف من نور إلاّ تلك الصفحة البيضاء في وسط ذلك الكتاب الذي لا يحوي بين دفّتيه إلا كلمات النور التي خرجت من فم الله.

فهمتُ يومها أن أحبّاءنا الراقدين، الذين أكملوا سعيهم على هذه الفانية، يستحيلون عندنا كلماتٍ تقول لنا نورَ المسيح لنرى ونهتدي قبل أن يَرِثَ اللهُ الأرض وما عليها. فهمتُ كل ذلك، فتناولتُ قلمي وخطّطتُ اسم عمّتي مع تاريخ وفاتها في لائحة الراقدين، ثم صوّرتُ تلك الصفحة لأنقلها إلى كتابي المقدّس قبل أن أنضمّ إليها في وقت مسرّة الله.

Instagram
Copy link
URL has been copied successfully!
WhatsApp