تغيّرنا فلنغيّر
بقلم الأب ميشال عبود الكرمليّ
لم يأتِ المسيح إلى الأرض في رحلة مدَّتها ثلاث وثلاثون سنة، ولم يأتِ بزيارة تفقديّة لأشخاص كان قد خلقهم ليعرف أين أصبحوا من سرّ الخلق فيُحاسبهم، بل أتي ليعيش إنسانيتنا بملئها ويعطينا ألوهيته لنحيا معه وعلى مثاله.
المسيح وُلد مثلنا، عاش مثلنا، شاركنا في كلّ شيء ما عدا الخطيئة، واعتمد مثلنا كبشر. شارك البشر، تضامن معهم، نزل إلى نهرٍ نزلوا هم إليه، واعتمد كباقي النّاس على يد إنسان هو خلقه. عندما وصل إلى يوحنا المعمدان تعجّب هذا الأخير ومانعه، “أأنت الآتي إليّ، أأنت الّذي تعتمد على يديّ، أنا المحتاج إليك…” (متى 3: 14)، فما كان منه إلّا أن أوضح له عمق هذا السرّ: “دعنا نُتِمّ كلّ برّ” (متى 3: 15)، أي دعْنا أن نُتِمّ مشيئة الله… دعْنا أن نُتِمّ سرّ الخلاص… وفي العماد، فهم المعمدان، أنّ هذا هو ابن الله، بسماع صوت الآب، ورؤية الرّوح القدس، إنّه الظّهور الكبير، سرّ الثالوث الأقدس يغمر وجه الأرض، وسرّ الابن يُبهر العيون “طوبى للعيون الّتي ترى ما أنتم ترون”. أدرك المعمدان بأن القدُّوس لا يعتمد كخاطئ، بل “إنّه حامل خطايا العالم….”، تعمّد باسمهم، ومات من أجلهم وقام وعاش بينهم، وهو الحيّ فيهم، وعمّدهم بالروح القدس والنار… وعندما سيسألونه: يا معلّم أين تُقيم؟ سيكون الجواب، تعالوا وانظروا، تعالوا إلى قلوبكم، تعالوا إلى القربان، تعالوا إلى وجه كلّ فقير ومحتاج ومعوز… فإني هناك…
المسيح هو نور الحياة “المزعج” الذي أتى إلى العالم، ما أغربه كلامًا. نعم، هو الحياة ومنه كانت الحياة، والحياة نور الناس … هو مزعج لأنّه هو نور، والنور يزعج من هم في الظلام ولا يريدون أن تتاقلم عيونهم بهذا النور… فلا نخاف أن نزعج. من ملئه نلْنا نعمة على نعمة”. ونحن الّذين قبلنا المسيح ودخل إلى حياتنا وآمنّا بأنّه هو ابن الله المتجسّد واعتمدنا بالماء والروح، مكّننا من أن نصبح أبناء الله، مكّننا من أن نرث ملكوت السماوات، لأنّه “إن لم يولد الإنسان من الماء والرّوح لا يدخل ملكوت السماوات”(يو3:3). لقد غيّرنا وبدّلنا فلم نعد نعيش لنكون ترابًا في القبور، بل أصبحنا أولادًا لله، غايتنا السماء. ما قبل المسيح كان يُكتب على باب القبور “هنا يرقد في ظلمة الموت”، وبعد المسيح أصبح يُكتب: “هنا يرقد على رجاء ونور القيامة”. بالمسيح فتحت أبواب السماء، “لأنّه لم يصعد إلى السماء إلّا الّذي نزل من السماء، وهو ابن الإنسان”(يو 3: 13)، فهناك أصبحت أسماؤنا مكتوبة: “افرحوا لأنّ أسماءكم مكتوبة في السماء…” (لو 10: 20).
لسنا مسيحيين، على هامش الحياة، كُثر هم الناس الّذين يدخلون الكنائس وتكتظّ بهم في الأعياد والمناسبات، كثر هم الّذين يحاولون الدفاع عن كنائسهم وعن صليبهم ومسيحيّتهم بتعصّب مندفع إلى حدّ العمى. المطلوب هو تغيير جذري ندخل به عمق الأرض كحبة الحنطة الّتي تقع في الأرض، نموت عن ذواتنا لنَحيا في المسيح، نضحي بكياننا لنعيش معه، فتثمر أعمالنا ويتمجّد اسم الآب، “إنما يتمجّد به أبي وأن تثمروا ثمرًا كثيرًا وتكونوا تلاميذي”، نعم، تغيّرنا بالمعموديّة فأصبحنا أبناء الآب، وامتلأنا منه، فهلمّوا نغيّر العالم، فنحن مدعوون لنكمل الرسالة. لا نخجل به، لا نخجل بكلمته بل لنُعلّم بكلّ شجاعة أنّه هو ابن الله، لقد آمنّا به وجئنا نبشّركم، لا ندلّ على ذواتنا إنّما ندلّ عليه هو المسيح الحيّ له المجد آمين.
