كلمات يسوع الأخيرة على الصّليب (الجزء الثاني)
الأب جورج أبي سعد، النائب العام في أبرشيّة جبيل المارونيّة
“أنا عطشان” (يو ١٩: ٢٨)
من الطبيعي أن يعطش المسيح على الصليب خصوصاً مع نزف الدماء لكن هناك في هذه الصرخة أكثر من العطش الجسدي، إنه عطش الله الذي يبحث عن الإنسان منذ اختبائه من وجهه في الجنة إلى آخر الأزمنة. كثيرة هي الأمثلة التي استعملها يسوع للدلالة على هذا العطش المحرق في قلب الله من مثل الخروف الضائع والدرهم الضائع والابن الشاطر…لكن التعبير الأكبر عن هذا العطش هو التجسد والفداء، فهو “مع كونه فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ مساواته لله غنيمة. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ… وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتِ مَوْتِ الصَّلِيبِ” (فل ٢: ٦-٨)، عطَشُه إلى الإنسان جعله ينزل حتى إلى القبر بحثاً عنه. لكن تبقى صرخة العطش هذه بانتظار جواب الإنسان لا بل بانتظار أن يستيقظ فيه العطش إلى من يستطيع وحده أن يملأَ قلبه من الحياة، فهو القائل “إذا عطش أحد فليأتِ إلي، والمؤمن بي فليشرب، كما قال الكتاب: من جوفه تتدفق أنهار ماء حي. قال هذا عن الروح الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه” (يو ٧: ٣٧-٣٩).
لنرتوي من ماء الحياة المتدّفق مجاناً من جنب يسوع المفتوح، لنرتوي من روحه الذي يعطيه بدون حساب، علينا أن نترك “آبارنا المشققة” التي نظن أن فيها حياتنا، آبار الملكية والسلطة والشهرة والملذات….الطريق إلى نبع ماء الحياة تمر بالباب الضيق، باب تنقية القلب، فشهوات العالم تخنق فيه عطشه إلى روح الله والحياة الحقّة.
يقول القديس يعقوب السروجي في نشيد العنصرة “من الآب انحدر الينبوع غير المحدود، فامتلأ منه الرسل وخرجوا يسقون العالم بأسره. صارت العلية معيناً تفجّر أنهاراً تدفقت أمواجاً غزيرة على جميع الأقطار”. فالرب لم يعدنا بالإرتواء فقط بل بأن تتدّفق من جوفنا أنهار ماء حي تروي العطاش.
“كل شيء قد تمّ” (يو ١٩: ٣٠)
كلمة يصعب أن يتفوّه بها إنسان آخر على الأرض، فمن يستطيع الجزم أنه تمّم إرادة الله في حياته. هذه الإرادة كانت شراع حياة يسوع وشريعتها «طَعَامِي أَنْ أَعْمَلَ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي وَأُتَمِّمَ عَمَلَهُ” (يو ٤: ٣٤)، “لأَنِّي قَدْ نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ، لَيْسَ لأَعْمَلَ مَشِيئَتِي، بَلْ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي” (يو ٦: ٣٨) ولقد أطاع حتى الموت، الموت على الصليب” (فل٢: ٨)
فالمسيح هو الجواب على العصيان منذ آدم: المسيح هو المطيع “لِذلِكَ قالَ المسيحُ عِندَ دُخولِه العالَم: لم تَشَأْ ذَبيحَةً ولا قُرْبانًا ولكِنَّكَ أَعدَدتَ لي جَسَدًا…فقُلتُ حينَئذٍ …: هاأنذا آتٍ، أَللَّهُمَّ لأَعمَلَ بمَشيئَتِكَ”. (عب١٠: ٥-٧)
المسيح هو طاعة للآب ولإرادته، طاعة شفَتْ الإنسان من معصيته وأعادت إليه إمكانية الطاعة البنوية.
فالطاعة هي علامة التلميذ الحقيقي للمسيح “لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. بَلِ الَّذِي يَعملُ إِرَادَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ” (متى ٧: ٢١)
“يا أبت، في يديك استودع روحي” (لو ٢٣: ٤٦)
مات يسوع حوالي الساعة الثالثة بعد الظهر وهو يصلي من المزمور ٣١ “في يديك أستودع روحي” (مز ٣١: ٦). الساعة الثالثة هي وقت ذبح حمل الفصح، من هنا بينهما الشبه، فيسوع لم يُكسَر له عظم كحمل الفصح. الرابط مع حمل الفصح هو مفتاح فهم هذه الصلاة، فبالإضافة إلى كونها صلاة ثقة وتسليم ذات للآب باستسلام كلّي لحُبه، هي صلاة قربانية إفخارستية؛ صلاة تقدمة ذات كذبيحة، وحيث الكاهن والذبيحة واحد كما نقول في صلاة الرفعة حسب الطقس السرياني الماروني “يا قرباناً شهياً قرِّب عنا، يا ذبيحاً غافراً قرَّب ذاته لأبيه؛ يا حملاً صار لنفسه حَبراً مقرِّباً”. فكما بدأ يسوع حياته بفعل تقدمة قربانية “لِذلِكَ قالَ المسيحُ عِندَ دُخولِه العالَم: لم تَشَأْ ذَبيحَةً ولا قُرْبانًا ولكِنَّكَ أَعدَدتَ لي جَسَدًا…فقُلتُ حينَئذٍ …: هاأنذا آَتٍ، أَللَّهُمَّ لأَعمَلَ بمَشيئَتِكَ”. (عب١٠: ٥-٧) هكذا ينهيها بصلاة قربانية بعد أن تمّ كل شيء. من هنا نفهم أن روحانية القربان والتقدمة رافقت كل حياة يسوع وهي به ومعه تشكل جوهر روحانية المسيحي، فالمحبة الحقيقية هي بذل ذات وتقدمة. فبولس الرسول يدعو المسيحيين للتشبه بالمسيح بعيش المحبة القربانية إذ يقول “واسلكوا في المحبة كما المسيح أيضاً أحبنا، فبذل نفسه عنا قرباناً وذبيحة لله، طيباً ذكي الرائحة” (أف ٥: ٣) ويقول في الرسالة إلى أهل روما “أناشدكم أيها الإخوة، بمراحم الله، أن تقربوا ذواتكم ذبيحة حية مقدسة مرضية لله: تلك هي عبادتكم الروحية” (روم ١٢: ١)
