حقيقةُ الموت … صنيعةُ الإنسان

بقلم الأب نايف سمعان

تأمّل وتوجيه:

“هل فيكم مريض فليَدعُ كهنة الكنيسة وليصلّوا عليه، ويمسحوه بالزيت باسم الربّ. فإن صلاة الإيمان تخلص المريض والرب ينهضه، وإن كان قد اقترف خطاياه تغفر له ” يعقوب (5/14-15). كل إنسان مريض يحتاج للجسم الروحيّ في الكنيسة، الجسم الكهنوتيّ، لكي من خلاله ينال شفاءه ، بحسب إيمانه، وهذا ما عبّر عنه القديس يعقوب في رسالته الجامعة، هذا طريق للعلاقة الطيبة بين أعضاء الكنيسة الأصحّاء منهم والمرضى، فإن الرب يسوع يسمع صلاتنا فيعطي كلاًّ منا ما هو لخلاصه وحياته الأبدية.

عمل الكنيسة: الكنيسة تمدّ الإنسان المريض بالأسرار الالهية لتحييه نفساً وجسداً، كلٌّ بحسب إيمانه، فهذا عمل الكنيسة على الأرض دون سواه ، إذ ليس من واجب الكاهن أن يقدم للإنسان اللباس أو الطعام أو الشراب وما شابه ذلك، فهذا إنما هو دور العلمانيين الذين يشكّلون مع الاكليروس جسم الكنيسة الواحد، ولو كانت التقدمة من خلال الكاهن. أمّا الكاهن فيعطي الإنسان المريض والمحتاج “بواسطة الاسرار المقدسة ” كلَّ ما هو بحاجة إليه ليستحق المثول أمام الرب في ملكوت السماوات.

صلاة الموتى : عندما ينتقل هذا الإنسان المؤمن إلى حضرة الله بالموت، نصلي من أجله، ليس فقط ليستحق المثول أمام الله أو لينال المغفرة من الله فحسب، إنما لكي يتشفّع هو أيضاً إلى الله من أجلنا لنعيش على الأرض بسلام ورضى الله، فلا نقولنّ إن الصلاة للأموات لانفع لها، إنها تمدّ الجميع ببركات الله ورحماته أحياءً كنا أم أمواتاً. والصلاة هي الطريق الأكمل للتحدث مع مَن نحبّ من إخوتنا الراقدين، فلاينقطع أيُّ تيار تواصليّ بيننا، ولا يمكن لخط الاتصال أن يشوّشَ علينا، كما يفعل الانترنيت أو الهاتف الخليوي أو أية أداة اتصال أرضية، كل منا يصلي بطريقته، وكما يشاء، والرب سميع مجيب وكفيل بخلاصنا لأننا أولاده.

من هنا، ينبغي علينا ألاّ نهيّء أنفسنا جسدياً باللباس الفاخر والطعام الهنيّ والصحة الجيدة كي ننال خلاصنا، فالله في سماواته لاينظر إلى ما نلبسه من ثياب فاخرة أو من صحة جيدة أو مواهب عظيمة أو ….إنما ينظر الى ما امتلكناه في حياتنا من أعمال صالحة، وما لبسناه من نقاء القلب وصفاء الضمير و… هذا كله يكلّفنا الكثير من المتاعب والتضحيات والإماتات لنحصل على وعد الله، وربما هذه التضحيات والمشقات والمتاعب الأرضية، جزء من عقابنا لإنسانيتنا التي اختارت هي بنفسها تأليه ذاتها، فابتعدت عن الله، وخلقت لنفسها هذا العالم الغريب الذي لم يخلقه الله تعالى، ألا وهو عالم الموت، لأن الله،كما خاطب موسى هو: “إله أحياء وليس إله أموات” مرقس12/27 .

العالم الجديد: إن الله عندما خلق العالم وما فيه من عوالم كثيرة، عالم البحار وعالم الإنسان وعالم الفضاء وعالم الحيوان و…، أعطى الإنسان مقدرة لاكتشاف خفايا الخليقة وعظمة الخالق مستعملاً لذلك عقلَه الإلهيّ الذي هو من فكر الله وروح الله “لأن الانسان خلق على صورة الله”، أمّا عالم الموت هذا ، فسبَبُه الإنسان، عندما ابتعد عن الخالق، وما زال حتى اليوم يحاول اكتشاف خفاياه فلم يقدر، وهذا، برأيي، قِمّة عقاب الله للإنسان الذي انقلب بغواية ابليس، لمواجهة الله تعالى .

رحمة الله: إن الله برحمته لم يشأ أن يترك الانسان ضائعاً متقلباً تائهاً في طريقه، فأعطاه أملا في الحياة، وصوّر لنا هذا العالم الغريب، ببهاء جميل، حتى كاد كل إنسان مؤمن بالله والقيامة، يسعى من خلال حياته وتحمّل متاعبها، ليصل إلى هذا العالم الغريب، عالم الموت، الذي فيه فقط يتساوى البشر جميعهم، هذا العالم الذي صوره لنا الرب يسوع بكلمات وجيزة بقيت، وستبقى طول الدهر، عاجزة على فكر مخلوق ضعيف، أن يغوص ويكتشف عمقه وخفاياه: “ما لم تره عين، ولا سمعت به أذن، ولاخطر على قلب بشر، ما أراده الله للذين يحبونه” 1 كور2/9 .

“اسهروا إذن لأنكم لا تعلمون في أي وقت يأتي ربكم …وابن البشر يأتي في ساعة لا تظنونها”(متى24/44،42).

Instagram
Copy link
URL has been copied successfully!
WhatsApp