مريم
بقلم دلال شمعون، لجنة الكلمة، دير مار الياس – أنطلياس
عندما أراد الله خلاص بشريتنا وإنهاء العداوة التي سببّتها حواء معه، لم يشأ إلّا أن يختار أمًا لابنه الوحيد، بها يأتي إلى أرضنا، فكانت مريم… هي الإناء الناصع المصنوع من الله والمملوء نعمةً من قبل الدّهور، والذي لم يدخله إلّا ابن الله وحده، فصارت أمّا له وأمًا لنا جميعًا.
… ومشت مريم طريق الخلاص، وكان مضنيًا وشاقًا وقد عبرت فيه عدة أزمنة غيّرت من خلالها وجه الكون وفتحت لنا رحبًا باب السماء:
- زمن البشارة:
- عندما قالت مريم “نعم” لملاك الرب، قالت “نعم” لخلاصنا. هي الفتاة العادية التي لم تعرف رجلاً، قبلت في أحشائها كلمة الله فغيّرت مخطط حياتها لتغيّر مخطط حياتنا وتنشلنا من لجة الغرق وترفعنا إلى أعالي الفردوس السماوي.
- عرس قانا الجليل:
- تعرف مريم حاجاتنا قبل أن نسأل، وتسدّ عوزنا قبل أن نطلب. فما أن شارفت الخمر على النفاذ في عرس قانا الجليل حتى همست في أذن ابنها: “لم يبقَ عندهم خمرٌ”؛ وعلى الرغم من أنّ ساعته لم تكن قد أتت بعد، فقد حوّل يسوع الماء خمرًا كرمى لعينيّ أمّه. وكانت خمرةً جيدة لأنّ خمرة يسوع تحوِّل فراغ حياتنا إلى ملء الفرح والحياة.
- الجلجلة:
- “إنّ سيفًا حادًا سوف يجوز في نفسك بأوجاع شديدة”؛ تذكرت مريم قول سمعان الشيخ لها. ومع هذا فقد مشت مع يسوع طريق الجلجلة المليء بالألم، المزروع بالأشواك، وتجرَّعت معه كأس الأوجاع فكانت شريكة الفداء. وقد قدّمها لنا يسوع على الصليب أمًّا لنا، وجعلنا أبناءً لها: “يا يوحنا هذه أمّك”، و”يا مريم هذا ابنك”. فكان أن ولدتنا مريم للحياة الأبديّة بأوجاعها الأليمة.
- زمن العنصرة:
- وكانت مريم تصلّي مع التلاميذ عندما حلَّ عليهم الروح القدس فامتلأوا حكمةً وشجاعةً وانطلقوا إلى كلّ أصقاع الأرض يبشرون بكلمة الربّ، وكانت مريم تباركهم وتصلّي لأجلهم.
فيا أمّنا الكليّة الحلاوة. يا تعزيتنا في الحزن ورجاءنا في اليأس وقوّتنا في الضعف. يا ينبوع الرحمة والرأفة، ويا من حبل بها بلا دنس كوني شفيعتنا في السماء، وأصغي إلى تضرعاتنا، ورافقينا عند ساعة الممات.
بإيمان وتواضع عرفت هذه الفتاة الآتية من بلاد الجليل بأن الذي سوف تحمله في أحشائها هو مخلص العالم فهتفت: “ها أنذا أمةٌ للربّ فليكن لي بحسب قولك”.
