“إن لم يكن من رجاء للقيامة فباطل أن نُصلّي من أجل الأموات” (2مك 44:12)
بقلم الأب عبود عبود الكرمليّ
إخوتي وأخواتي الأحبّاء، عندما نجتمع في بيت للصّلاة وقد رحل عنّا أبناء أعزّاء على قلب كل واحدٍ منا، تتصاعد من القلب كلمات عتاب: “كتير كتير هالقد يا رب”، “ليش صار هيك” “حدا سمع عنهن كلمي، إذيو حدا؟..” ” طيب ليش صار فيهن هيك؟” والكثير الكثير من الصرخات تتصاعد بعفوية من القلب كردة فعل طبيعية أمام كل مصيبة.
وكأننا في ضياع كبير نتساءَل كيف يُبعد الإنسان عنه كأس الألم؟ كيف يتّقي البلايا والمصائب؟ وكأن حلمنا أن نصل إلى حياة تعطينا الضمانة والأمان والسّلام الذي لا يتزعزع أمام هذا الرحيل.
فهل الغاية الأولى من إيماننا وصلاتنا وعلاقتنا بالله أن نحمي عيالنا من كلّ شرّ ومصيبة؟ فإذا ألـمّت بنا مصيبة يتزعزع إيماننا ونفقد رجاءنا ونغرق في الحيرة والقلق؟ لا لم ولن يضعف إيماننا باللّه مهما كانت المصيبة أو التجربة.
تلك التجربة عاشها أيوب، وهو الرجل الصدّيق، وكانت حياته مدعاة فخر للّه: “فإن ليس له مثيل في الأرض، إنه رجل كامل مستقيم، يتّقي الله ويجانب الشر”.
شهادة الرب هذه لم تجنّبه كأس المرارة، فتوالت الأحداث المؤلمة فخسر كل ما يملك ولم يتزعزع إيمانه. فقد بَنيه جميعاً ولم يفقد ثقته بالرب، لأن الثقة بالله وبأمانته، والإيمان بوعوده هما يضمنان حقيقة ما يرجوه.
“عرياناً خرجتُ من بطن أمي وعرياناً أعود إليه”. “الربّ أعطى والربّ أخذ فليكن اسم الرب مباركاً”. ويوحنا المعمدان أعظم مواليد النساء بشهادة الربّ يسوع نفسه وهو البار أمام الله والناس كان رأسه ضحيّة جشع امرأة.
أمّا الرّبّ يسوع نفسه وهو الذي نال شهادة الآب بتأييد الروح القدس “هذا ابني الحبيب الذي به سررت”، لم يتجنّب كأس الألم: “يا أبتاه أبعد عنّي هذه الكأس لكن لا مشيئتي بل مشيئتك”. وهكذا دخل الرب مسيرة الألم وحمل معه آلامنا وحمل الصليب حتى النهاية. فكما كانت أولى كلماته التي دوّنها الإنجيل: “لِمَ بحثتما عني؟ ألم تعلما أنه يجب أن أكون فيما هو لأبي؟” كانت كلماته الأخيرة: “لقد تمّ كل شيء”، ثم أسلم الروح.
فاليوم، ونحن نجتاز هذه المحن، ورغم الصرخات العفوية التي تصاعدت من شفاهنا، نرتد مع أيوب عن كلامنا ونندم، لأنّ ما في قلب الله غير ما في قلب الإنسان، ولأن عدل الله يختلف عن عدل الإنسان، لأن الخلاص بنظر الله غير الخلاص الذي يُنشده الإنسان، وما نراه سبباً لنعاتب به الله يصبح لنا مدعاة افتخار. نعم، نفتخر بأننا أبناء رجاء وقيامة.
نعم، طوبى للرجل الذي يتّقي الرب: “طوبى للرجل الذي جعل في الرب رجاءه”. طوبى لكم لأنكم تقفون أمام منبر الله، وحياتكم ملؤها الأعمال الصالحة، والسيرة الحميدة.
