الألم، لماذا؟

بقلم الأب ألبير عسّاف ر.م.م

أجيال تعاقبت على الأرض تسأل السؤال عينه، وكان كل جيل يترقب إجابة مرضية بالنسبة لعصره… لكن السؤال قد بقي! فمنهم من اعتبر الألم وسيلة تطهيرٍ لجسدٍ مرذولٍ ومرفوض ومعيوب يتعارض مع متطلبات الروح. ومنهم من اعتبره أداة لقصاص إله يضرب به الإنسان الخاطئ. آخرون اعتقدوا أن آلام البشرية هي نتيجة صراع آلهة الخير والشر في العالم. وغيرهم قالوا إنه ملاصق لطبيعة الإنسان غير الخالدة أي المنحطة والضعيفة. ومنهم مَن استسلم له باعتباره قَدَرًا. آخرون تساءلوا لماذا لا يتدخل الله، كما يتدخل الأهل مع أولادهم؟ هو إذًا راضٍ عن عمل الإنسان الشرير! ومشارك له؟!

الجواب على هذه التساؤلات يبقى عند الله، ولكننا نستطيع أن نقدم بعض الخواطر في هذا الشأن:

أولاً: إذا ما قارنا الله مع الأب، فهو بالرغم من علمه باحتمال وقوع المظالم والشرّ، فهو لا يستطيع أن يحجب عن أولاده الحياة.

ثانيًا: الله لا يسيّر حياتنا ومستقبلنا، إذ لا يعود لنا أي فضل لأي عملٍ ونجاحٍ، كما ولا تقع علينا المسؤوليّة في أي إخفاق.

ثالثًا: الله محبة، ولهذا يحب الإنسان ويحترم حريّته حتى النهاية.

أتى المسيح في ملء الزمان متجسدًا فقلب مفاهيم الألم والوجع حيث “حمل آلامنا” (أش 53: 4)، ولكن المسيحي افتكر أنه يجب عليه التألم ليكفّر عن خطاياه، وبعضهم تبنى ما يُقال عن إنّه يتألم مع المسيح لكي يُساهم في أوجاعه، وكأن صلب المسيح وموته لم يكونا كافيين ليحقق لنا الخلاص، وهو- أي الرب – بحاجة لدعم هذا الفعل الخلاصي بألمنا، فنصبح من حيث لا ندرك متساوين مع المسيح بالألوهة!

يجيبنا القديس بولس على تساؤلاتنا من خلال كلمة الله في الكتاب المقدس، فيُظهر لنا إن الألم موضوع إنجيلي “كرازي” بحتّ: “فلا تستحي بالشهادة لربّنا، ولا تستحي بي أنا أسيرُه، بل شاركني بالآلام في سبيل البشارة، وأنت متكل على قدرة الله الذي خلّصنا ودعانا دعوة مقدسة”. (2 تيموتاوس1: 7-8)، وفي رسالته إلى أهل روما 8/18: “فإذا كنا نحن أبناء الله، فنحن ورثة: ورثة الله وشركاء المسيح في الميراث لأنّنا إذا شاركناه بالآمه فسنشاركه بالمجد أيضًا”.

يتقبل المسيحي اليوم الألم بطاعة لإرادة الله وتسليم كلي له مثل سيده، فيجعلنا الرب شركاء في مجده. نقبل الألم كي يهبنا طاعة كطاعته، وصبرًا كصبره، وطول أناة على مثاله، لنغفر لمن تسببوا بآلامنا.

يتألم كلّ إنسان، بكلِّيَّتِه. لأن طبيعته الإنسانيّة واهنة وضعيفة وسريعة العطب، ويُسبب الألم للآخرين… لكن الرب الّذي أحبنا حتى الغاية، وحررنا وافتدانا وردّنا إلى جمالنا الأول، يدعونا جميعًا بحرّيتنا وإرادتنا ومعرفتنا للإنتقال من الموت إلى الحياة بالحبّ… كما أحبّنا.

Instagram
Copy link
URL has been copied successfully!
WhatsApp