تفسير الكتاب المقدّس

الأب ابراهيم سعد

سِفر يشوع – الإصحاح  الأوّل (1)

بَعدَ المقدِّمة العامَّة الّتي قُمنا بها في اللِّقاء الماضي، ها نحنُ اليوم نَدخُلُ في تَفاصيلِ هذا السِّفر، بَدءًا من الإصحاح الأوَّل منه. إنّ سِفرَ يشوعَ بنِ نون هو سِفرٌ مَليءٌ بالقِصَص ذات الـمَغزى، لأنّها قِصَصٌ مِن الكِتاب المقدَّس. سَوف نبدأ لقاءَنا بِقراءةِ هذا الإصحاح على مراحل، إذ سَوف نتوقّف عند شَرح بعض التَّفاصيل الـمُهِمَّة والأساسيّة فيه، لِما مِن شأنِها أن تُساعدَنا على فَهم هذا الإصحاح، كما أنّها تُساهم أيضًا في بِناءِ أرضيَّةٍ صالحةٍ تُساعدنا على فَهمِ كلِّ الإصحاحاتِ في هذا السِّفر.


1 “وَكانَ بَعدَ مَوتِ مُوسَى عَبْدِ الرَّبِّ أنَّ الرَّبَّ كَلَّمَ يَشُوعَ بْنِ نُونٍ خادِمَ مُوسَى قائلًا:

2 “مُوسَى عَبْدِي قَد ماتَ. فَالآنَ قُمِ اعْبُرْ هذَا الأُردُنَّ أَنْتَ وَكُلُّ هذَا الشَّعْبِ إلى الأَرضِ الَّتي أنا مُعْطِيها لَهُمْ أَيْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ”.”

في اللِّقاء الماضي، قُمنا بِشَرح هاتَين الآيَتين، ولكنَّنا اليوم سوف نتوقَّفُ عند عبارةِ “مُعطيها”، الّتي تُؤكِّدُ لنا أنَّ الربَّ هو مالكُ هذه الأرض، وبالتَّالي هو الّذي أعطاها للشَّعبِ اليهوديّ مُقابِلَ أن يَقومَ هذا الأخيرُ بِحَفظِ شَريعتِه وطاعتِها. إذًا، هذه الأرضُ هي عطيّةٌ من الربِّ للشَّعبِ اليهوديّ، وهذا يعني أنّه لا فَضلَ لهذا الأخيرِ في حصولِه عليها، كما يعني أيضًا أنَّ مُلكيَّةَ الشَّعبِ لهذه الأرضِ لَيسَت مُلكِيَّةً أبديّة. إذًا، لَم يمنَحِ الربُّ الشَّعبَ دَولةً يهوديّة، إنّما أعطاهُ أراضيَ لكي تَكونَ في خِدمَتِه.

3 “كُلَّ مَوْضِعٍ تَدُوسُهُ بُطُونُ أَقْدَامِكُمْ لَكُمْ أَعْطَيْتُهُ، كَمَا كَلَّمْتُ مُوسَى.

4 مِنَ البَرِّيَّةِ وَلُبنانَ هذا إلى النَّهرِ الكَبِيرِ نَهرِ الفُراتِ، جَميعِ أَرْضِ الحِثِّيِّينَ، وَإلى البَحرِ الكَبيرِ نَحوَ مَغرِبِ الشَّمسِ يَكُونُ تُخْمُكُمْ”.

في هذه الآية، يُشدِّدُ كاتِبُ هذا السِّفرِ على عَطاءِ الله، فالشَّعبُ اليَهوديّ قد حَصَل على هذه الأرضِ كَعطيّةٍ من الله، لا نَتيجةَ جُهودِه الخاصّة. وهُنا، نسأل: ما هو المقصودُ بِعبارة: “كُلَّ مَوْضِعٍ تَدُوسُهُ بُطُونُ أَقْدَامِكُمْ لَكُمْ أَعْطَيْتُهُ”؟، خصوصًا أنّ الشَّعب اليهوديّ قد اجتاز ما يُقارِبُ السَّبعَ والثّلاثين مملَكَةً أو أرضًا، في مَسيرَتِه صَوبَ أرضِ الميعاد بقيادةِ يَشوع بن نون! إنَّ كلَّ الأراضي الّتي اجتازَها الشَّعبُ اليَهوديّ هي أراضٍ تَعودُ مُلكِيَّتُها للربِّ؛ ولكنَّ الربَّ قدَّمَها لهذا الشَّعب لاستخدامِها لا لاستِملاكِها. وهنا، نَطرحُ السُّؤالَ حَول مَفهومِ الكَنيسَةِ لـ”أراضي الوَقف”. 

إنَّ أراضي الوَقفِ هي أراضٍ خاصَّة بالمؤمِنِين، ولكنّ هؤلاء قرّروا تَقديمَ بعضٍ من أراضِيهم للكَنيسَة كي تَكونَ في خِدمةِ كلّ ِالمؤمِنِين المحتاجين إليها. غير أنّه، للأسف، بَدلَ أن تَضَع الكَنيسَةُ هذه الأراضي في خِدمةِ جَميعِ المؤمِنِين، قامَت باستِملاكِها وَوَضعِـها تحت رعايةِ شَفيعِ الرَّعيّة، بِمَعنى آخر قامَتِ الكَنيسَة بِنَقلِ مُلكيَّةِ هذه الأراضي مِن المؤمِن إليها. إنَّ تَصرُّفَ الكَنيسَةِ على هذا النَّحو في أراضي الوَقفِ دَفعَ المؤمنِين إلى الشَّعورِ بِأنّه لا يَجوزُ لهم الاقترابُ من هذه الأراضي كي لا يَقومَ شَفيعُ الرَّعيّةِ بِمُعاقبَتِهم على ذلك. إخوَتي، إنَّ شَفيعَ الرَّعيَّةِ هو قدِّيسٌ، أي أنَّه أصبحَ في الملكوتِ، وبِالتَّالي هو لا يَحتاجُ إلى أيِّ شيءٍ موجودٍ على هذه الأرض، فَكُلُّ ما يُريدُه موجودٌ في السَّماء. إذًا، الوَعدُ الأوّلُ الّذي أعطاهُ اللهُ للشَّعبِ هو إعطاؤه كُلَّ الأراضي الّتي تَدوسُها أقدامُه، مِن أجل استِخدامها لا مِن أجل استِملاكِها، لأنَّ مُلكِيَّتَها تَعودُ للهِ وَحدَه. 

5 “لا يَقِفُ إنسانٌ في وَجهِكَ كُلَّ أَيَّامِ حَياتِكَ. كَما كُنْتُ مَعَ مُوسَى أَكُونُ مَعَكَ. لا أُهمِلُكَ وَلا أَترُكُكَ.

6 “تَشَدَّدْ وَتَشَجَّعْ، لأَنَّكَ أَنْتَ تَقْسِمُ لِهذَا الشَّعْبِ الأَرضَ الَّتِي حَلَفْتُ لآبائِهِمْ أَنْ أُعْطِيَهُمْ.”

في هذا النَّص، تَكَلَّمَ اللهُ مع يشوع بن نون، ومِن خلالِه مع الشَّعبِ كُلِّه، وفيه يؤكِّدُ اللهُ ليشوعَ بن نون أنّه سَيَكونُ معه، ومع الشَّعب، في كلِّ مَعركةٍ يَخوضُها، وهذا يعني أنّ هذا الشَّعبَ سيَكونُ الرَّابحَ دائمًا في كلِّ الحروبِ الّتي يَقومُ بها. ثُمّ تابعَ الربُّ حَديثَه مع يشوعَ بن نون قائلاً له: تَشَدَّدْ وَتَشَجَّعْ”. إخوَتي، كان موسى قائدًا عَظيمًا في نَظرِ الشَّعب، وبالتَّالي في نَظرِ يشوع بن نون أيضًا. لذا، شَعرَ يشوعُ بنُ نون بالخوفِ عِندَ تَسَلُّمِه مَنصِبَ موسى بعد وفاتِه، لأنَّ هذا الأخيرَ كان معروفًا ومحبوبًا من الشَّعب. ثمَّ أضَافَ الربُّ قائلاً ليشوعَ بنِ نون: “كَما كُنْتُ مَعَ مُوسَى أَكُونُ مَعَكَ. لا أُهمِلُكَ وَلا أَترُكُكَ”. في هذه العبارةِ، أراد الربُّ أن يؤكِّد ليشوع بن نون أنّ موسى كان قائدًا عَظيمًا لأنّ اللهَ كان إلى جانبه، وهو أي يشوعُ بنُ نون سَيَكونُ بِدَوره قائدًا عَظيمًا لأنّ الربَّ لن يترُكَه وسيَكونُ أيضًا إلى جانِبِه كما كان مع موسى، وبالتَّالي لا داعيَ للخَوفِ مِن تَحمُّلِ هذه المسؤوليّةِ الّتي أُلقِيَت على عاتِقِه. إذًا، بعد وفاةِ موسى، تَسلَّمَ يشوعُ بنُ نون مَسؤوليّةَ قِيادةِ هذا الشَّعب، وبالتَّالي أصبحَتْ مِن مسؤوليّاتِه أيضًا تَقسيمَ الأراضي لأنّه خَليفةُ موسى.

إذًا، لقد اكتَشَفنا في هذا الإصحاح وَعدَين قدَّمَهما الله لِشَعبه: الوعدَ الأوّلَ هو إعطاءُ اللهِ الشَّعبَ الأراضي الّتي يَقع عَليها نَظره لاستِخدامِها لا لاستِملاكِها؛ والوعدَ الثاّني هو “لا أُهمِلُكَ وَلا أَترُكُكَ”، أي أنَّ الله سَيَكونُ إلى جانبِ يشوعَ بنِ نون والشَّعبِ كُلِّه كما كان مع موسى. هنا، لا بُدَّ لنا من أن نَطرحَ السُّؤالَ على ذواتنا: ما الفَرقُ بَينَنا وبَين موسى؟ إنَّ الربّ الّذي كان مع موسى قَديمًا، كان أيضًا مع الرُّسل، وهو أيضًا معنا اليوم، وبالتَّالي، علينا أن نُحقِّقَ ما قاله الربُّ ليشوعَ بنِ نون: “تَشَدَّدْ وَتَشَجَّعْ”، فَنَكونَ على مِثالهِم شُجعانًا في اتِّباع الله وإعلانِ كَلِمته.   

7 “إنَّمَا كُنْ مُتَشَدِّدًا، وَتَشَجَّعْ جِدًّا لِكَيْ تَتَحَفَّظَ لِلعَمَلِ حَسَبَ كُلِّ الشَّرِيعَةِ الَّتي أَمَرَكَ بِهَا مُوسَى عَبْدِي. لا تَمِلْ عَنها يَمِينًا وَلا شِمالًا لِكَيْ تُفلِحَ حَيثُما تَذهَبُ.”

في هذا النَّص، نُلاحِظُ أنَّ الربّ قد أضافَ عِبارةَ “جدًّا” إلى عبارة “كُنْ مُتَشَدِّدًا، وَتَشَجَّعْ”، الّتي كرَّرها مرّاتٍ عديدةٍ في هذا الإصحاح من دون إضافةِ عبارة “جدًّا”. وبالتَّالي، فإنّ المقصودَ في هذا النَّص، هو أنَّ الربَّ لَن يَمنحَ يشوعَ بنَ نون كُلَّ الامتيازاتِ الّتي وَعَدَه بها إلّا إذا تحلَّى هذا الأخير بالشَّجاعةِ الكافِيَة لِحفظِ الشَّريعةِ وتَطبيقِها، تلكَ الشَّريعةِ الّتي تَسلَّمَها الشَّعبُ من موسى. إذًا، إنَّ الشَّرطَ الّذي وَضَعه اللهُ على يشوعَ بنِ نون لِتَحقيقِ وعودِه له هو ضرورةُ حِفظِه الشَّريعةَ كاملةً والعَملَ بها وعَدمَ الحيادِ عنها، لأنَّها كَلِمةُ الله. إخوَتي، إنَّ المؤمِنَ الّذي يَلتَصقُ بالله، هو إنسانٌ يسعى إلى تَتميمِ مَشيئةِ اللهِ في حياتِه، لذا هو لن يَخسر في أيِّ عَملٍ يَقومُ به لأنّ الله يَكون إلى جانبِه على الدَّوام. وهنا، نسأل: هل كُلُّ الحروبِ الّتي يَخوضُها الشَّعبُ اليهوديّ اليوم تَعكسُ حِفظَه للشَّريعةِ اليهوديّة وتَتميمَه لها؟! بعبارةٍ أُخرى، 

هل هذه الحروبُ تَدفعُ الربَّ إلى تَحقيقِ وعودِهِ لهذا الشَّعب بإعطائهِ كلَّ الأراضي الّتي تَدوسُها أقدامُه؟! مِن جِهةٍ أُخرى، نسألُ ذواتَنا، نحن المسيحيّين: هل نسعى إلى تَحقيقِ مَشيئةِ اللهِ في حياتِنا اليَوميَّةِ مِن خلالِ تَصرُّفاتِنا وأعمالِنا؟! هل نُحقِّقُ فِعلاً مَشيئةَ اللهِ في حياتِنا، حِين نَقومُ على سبيلِ المِثال، بِصَرفِ مَبالغَ طائلةٍ على تَزيينِ الكَنيسَة، غَيرَ آبِهِين بِإخوتنا المحتاجِين إلى جزءٍ منها؟! بِمَعنى آخر، هل اهتمامُنا بِالبِناء الحجريّ للكَنيسَة هو كافٍ ليَجعلَ مِنَّا كَنيسَةً حقيقيَّةً لله؟ هل نُحافظُ اليوم، كَكَنيسَة، على اعترافِ بطرسَ الرَّسول بحقيقة الربِّ، حين قال له: “أنتَ المسيحُ ابن الله الحيّ” (متى 16: 16)، فَنَستَحِقُّ أن نسمعَ من الربِّ قَولَه لِبطرسَ الرَّسول: “أنتَ الصَّخرُ، وعلى هذه الصَّخرةِ سَأبني كَنيسَتي، وأبوابُ الجحيم لن تقوى عليها” (متى 16: 18)؟

إخوَتي، إنّ وُعودَ الله لنا لن تَتحقَّق، إلّا إذا كُنّا مُلتَصِقِين بِالربِّ، أي مُخلِصِين لِكَلِمَتِه المقدَّسة! حِين يَكونُ الإنسانُ أمينًا لِكَلمةِ الله أي مُلتَصِقًا بها، يَستطيعُ أن يُحقِّقَ مَشيئةَ الله في حياتِه مِن خلالِ تَفعيلِ التِزامِه بِكَلمَةِ الله. إذا لم يَتمكَّن المؤمِنُ مِن الثّباتِ في كَلِمةِ الله، فلن يَستطيعَ تَحقيقَ مَشيئةِ الله في حَياتِه، وبالتَّالي لن يَتمكَّنَ مِنَ الحصول على وعودِ الله له، لأنَّ اللهَ سَيُقدِّمُها لأُمَّةٍ أُخرى تَعملُ وِفقَ مَشيئَتِهِ القُدُّوسَة. في هذا الإطار، قد يَقولُ البَعضُ إنَّ وعودَ الله هي حقٌّ لنا، لأنَّنا نَحن شَعبُه المختارُ الجديد، ولكنَّ الحقيقةَ هي أنَّ وعودَ الله لا تَبقى مَعكَ إلّا إذا بَقيتَ أمينًا للربّ، وبالتّالي ما مِن شيءٍ مَضمونًا إلى الأبد. لذا، عَليكَ أن تَختارَ إذا كُنتَ تريد الربَّ في حياتِكَ أم لا؛ وبالتّالي، إذا كُنت تريدُ الربَّ، فعَليك أن تُحقِّقَ كَلِمَته الّتي قالها ليشوعَ بنِ نون: “تَشَدَّدْ وَتَشَجَّعْ”.

8  “لا يَبرَحْ سِفرُ هذِهِ الشَّرِيعَةِ مِنْ فَمِكَ، بَل تَلهَجُ فِيهِ نَهارًا وَلَيْلًا، لِكَيْ تَتَحَفَّظَ لِلعَمَلِ حَسَبَ كُلِّ ما هُوَ مَكتُوبٌ فِيهِ. لأَنَّكَ حِينَئِذٍ تُصلِحُ طَرِيقَكَ وَحِينَئِذٍ تُفلِحُ.”

في هذا النَّص، طَلَبَ الربُّ من يشوعَ بنِ نون أن يَحفظَ الشَّريعة، كي تَكونَ كُلُّ أقوالِه وأعمالِه مُستَقاةً مِنها. وبالتَّالي، إذا قام الشَّعبُ بِحَفظِ الشَّريعة والعَملِ بها، عندئذٍ تَكونُ كُلُّ الأراضي وكُلُّ الممالكِ الّتي يَحتَّلُها مُعطاةً له من الله، لأنّه لَهَجَ بِكَلِمةِ الله. إذًا، الرَّابحُ في كلِّ المعارِكِ الّتي خاضَها يشوعُ بن نون مع الشَّعب هو كَلِمةُ الله، لذلك تَمكَّنَ هذا الأخيرُ مِن السَّيطرة على الأراضي، فَمَسارُ يشوعَ بنِ نون في المعارك هو مَسارُ كَلِمَةِ اللهِ في التَّاريخ. في هذا الإطارِ، نَتذكَّرُ ما وَردَ في سِفرِ أعمالِ الرُّسل: “وَأَمَّا كَلِمَةُ ٱللهِ فَكَانَتْ تَنْمُو وَتَزِيد” (أعمال 12: 24)، فَكَلِمةُ الله في تلك الأيّامِ قد انتشَرَت بِفضلِ المؤمِنِين الّذين كانوا يَحفَظون كَلِمةَ الله، وقد انتشروا في كُلِّ مكانٍ. إخوتي، إنَّ كَلِمةَ الله تَنتَشرُ مِن خلال المؤمِن الّذي يَحمِلُها معه إلى كُلِّ مَكانٍ، والربُّ لا يَتركُه ولا يُهمِله أبدًا بل يُساعدُه في نَشرِ كَلِمَتِه.

إنَّ انتشارَ كَلِمةِ الله في العالَمِ يُشبِهُ سِباقَ الأحصِنَة: فالّذي يَفوزُ في السِّباقِ هو الفارِسُ الّذي يَصلُ إلى خطِّ النِّهايةِ وهو موجودٌ على الفَرس؛ أمّا إذا وَصَلَتِ الفَرسُ مِن دون الفارِس إلى خطِّ النِّهاية بِسَببِ وقوعِ هذا الأخير عنها، فإنّ الفارِسَ يكون من الخاسِرينَ للسِّباق. وبالتَّالي، فإنَّ ارتباطَ الفارِس بالفَرس في السِّباق يُشبِهُ ارتباطَ المؤمِن بِكَلمة الله. من جهةٍ أُخرى، يُخبِرُنا الإنجيليّ يوحنّا عن ارتباطٍ دائمٍ وغَيرِ مُنفَصِلٍ بَين كَلِمةِ الله ورُوحِ الله. إذًا، إنَّ الشَّرطَ الوحيد الّذي وَضَعَه الله، لا في العهد القديم وحَسْب إنّما أيضًا في العهدِ الجديد، على الإنسان لِيَحصل على وُعودِه الإلهيّة، هو أن يَكونَ هذا الأخير أمينًا لِكَلمة الله. في هذا النَّص، نُلاحظ وجودَ عِبارةٍ غَريبةٍ تَتَكلَّمُ على إصلاح الطَّريق، وبالتّالي تَدفعُنا إلى طَرحِ السُّؤالِ عن علاقةِ إصلاحِ الطَّريق بِحِفظِ الإنسانِ لِكَلمة الله! إخوَتي، إنَّ كَلِمةَ الله هي الوحيدةُ القادِرةُ على مُساعدةِ الإنسان على تَصحيحِ سُلوكِه أي إصلاحِ طريقِه. في إحدى العِظات، قالَ أحدُ الكَهنةِ للشَّعبِ إنّهم لا يَستطيعونَ الدُّخولَ إلى الملكوتِ مِن دون كَهنوتِه. للأسفَ، 

إنَّ تعبيرَ الكاهن في هذه العِظةِ جاءَ مخالفًا لَما كان يَقصِدُه في الحقيقة، فَوَصَلتِ الفِكرةُ مَغلوطَةً إلى المؤمِنين. في الإنجيل، نَقرأُ قَولَ الربِّ يسوع إنّه البابُ الّذي مِن خلالِه يستطيع المؤمِنون الدُّخول إلى الملكوت، وبالتَّالي مِن غير الجائزِ قَولُ هذا الكاهن إنَّه لا يَستطيعُ المؤمنِون الدُّخولَ إلى الملكوتِ إلّا مِن خلال شَخصِه، لأنَّه بِذلكَ يُخالفُ تَعاليمَ الإنجيل. غير أنّ ما قَصَده الكاهِنُ هو أنَّه لا أحدَ يَستطيعُ الدُّخول إلى مَلكوتِ الله إلّا إذا كان أيقونةً للمسيح، أي حاملاً كَلِمةَ الله، يَلهجُ بها ليلاً ونهارًا. وبالتَّالي، إذا كان المؤمِنُ فِعلاً أيقونةً للمَسيح في حَياتِه، يَستطيعُ الآخَرون طاعتَه لأنَّه يَنقلُ إليهم كَلِمةَ الله مِن دون مواربة.

في هذا الإطار، سَمعتُ يومًا قِصّةً عن أحد الرُّهبانِ الّذي قامَ بِزَرعِ البَصلةِ بِالمقلوبِ طاعةً لرئيسِهِ، فَنَبتَت. بعد سماعي هذه القِصّة، ذَهبتُ لِأستوضِحَ موضوعَ الطَّاعة الرُّهبانيّة من المطران خُضُر، فقال لي إنَّ الطّاعةَ العمياء لا تَكونُ إلّا للهِ وَحدَه، ولِكُلِّ مَن يَحمِلُ كَلِمَة الله ويَلهجُ بها ليلاً ونَهارًا، إذ إنَّك تُطيعُ الله مِن خلال طاعتِكَ له. إذًا، إنّ المقصودَ بِعبارةِ: “لأَنَّكَ حِينَئِذٍ تُصلِحُ طَرِيقَكَ وَحِينَئِذٍ تُفْلِحُ”، هو أنَّ كلَّ مَن يَسمَعُ كَلِمةَ الله ويَعملُ بها، أي كُلَّ مَن يلَهجُ بِكَلِمة الله ليلاً ونهارًا، يَستطيعُ أن يُميِّزَ الخطأ مِن الصّواب؛ وبالتَّالي، مَتى أدرَك المؤمِن أنّ ما قام به هو خاطئٌ، يَستطِعْ عندئذٍ أن يُصحِّحَ ما فَعلَ مُستَنِدًا إلى كَلِمةِ الله، كما أنّه يَستطيعُ أن يُساعِدَ الآخَرين على إصلاحِ طُرُقِهم.

9 “أَمَا أَمَرْتُكَ؟ تَشَدَّدْ وَتَشَجَّعْ! لاَ تَرْهَبْ وَلاَ تَرْتَعِبْ لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكَ مَعَكَ حَيْثُمَا تَذْهَبُ”.

إنّ تَكرارَ عِبارةَ “تَشَدَّدْ وَتَشَجَّعْ!” مَرّاتٍ عديدةٍ، في هذا الإصحاح، يُؤكِّدُ أهمِيَّتَها. عندما رأى القدِّيسُ بطرسُ الربَّ يسوع ذاهبًا إلى المحكمة، خافَ فأنكرَ مَعرفتَه به؛ وبالتَّالي، عندما رأى بطرسُ الربَّ ضَعيفًا، نَسِيَ كلّ الأعاجيبِ الّتي قامَ بها سابقًا. لو ذَهبَ القِدِّيسُ بُطرسُ مع الربِّ إلى دار الولاية، لَكانَ رأى الأعجوبَتَين اللّتَين قامَ بهما هناك، وعندئذٍ  كانَ اعترفَ جهارًا بأنَّه مِن تلاميذه. إنَّ تينِك الأعجوبَتَين في دار الولاية أظهرَتا للجُموعِ الحاضِرَةِ هُناكَ قُوَّةَ الربِّ. كان الربُّ مُدرِكًا أنَّ تلاميذَه سَيَترُكونَه حِينَ يَرَونه ضَعيفًا، كَما أنَّه كان متأكِّدًا من أنَّنا، نحن أيضًا، سنَترُكُه على مِثالِ التَّلاميذِ حين نَراهُ ضَعيفًا. إنَّ مُشكلةَ الإنسانِ تَكمنُ في نَظرَتِه إلى الله: فإذا نَظرَ الإنسان إلى الله، فوَجَد فيه إلهًا ضَعيفًا، خافَ وتَرَكه؛ أما إذا نَظرَ إلى الله، فوَجَد فيه إلهًا قويًّا، تَشدَّدَ وتَقوَّى به. إخوَتي، يَستطيعُ الإنسانُ أن يَترُكَ الله، ولكنَّ اللهَ عاجزٌ عن تَركِ الإنسان. في هذا الإطار، يُخبِرُنا الإنجيليُّ لوقا عن عشَرةِ بُرصٍ أتوا إلى يسوعَ طالِبِين مِنه الشِّفاءَ والرَّحمة، فَطلبَ إليهم أن يَذهبوا إلى الكَهنة. إنَّ البَرَصَ هو مَرضٌ مُعدٍ، وهو بالتَّالي نَجسٌ بالنِّسبة إلى اليهود، لذا تَعزلُ الجَماعةُ اليَهوديَّةُ كلَّ الـمُصابِينَ بِهذا الـمَرضِ كي لا تَتَنَّجسَ الجَماعةُ كُلِّها. ولكنْ، عِندما يُشفى أحد الـمُصابِين، عليه أن يتوَّجَه إلى الكاهن الّذي يؤكِّد صِحَّة شِفائِه من خلال إعطائه شَهادةً على ذلك، فيَتمكَّنُ الإنسانُ من العودة مجدَّدًا إلى حياته الطَّبيعيّة ومخالَطَة الجماعة. ثمّ يتابعُ الإنجيليّ لوقا كلامَه، فيُخبِرُنا أنَّ البُرصَ العَشرةَ قد نالوا جَميعُهم الشِّفاء، ولكنّ واحدًا مِنهم فقط عاد إلى الربِّ يسوع لِيَشكُرَه ويُمجِّدُه، عندما أدرَك أنّه قد نال الشِّفاء.

إنّ عبارة “لَمَّا رَأَى أَنَّهُ شُفِيَ” (لو 17: 15) تدلُّ على أنّ هذا الأبرص قد تَمكَّن مِن رؤيةِ عَملِ الله في حياته. إنَّ الإنسانَ الّذي يَتَمكَّن مِن رؤيةِ عملِ الله في حياته، لا يستطيع إلّا أن يُمجِّدَ اللهَ ويَشكُرَه على نِعَمِه في حياته وخصوصًا نِعمةِ الشِّفاء. وفي إطار مساعدتِكم على رؤية أعمالِ الله في حياتكم، أدعوكُم إلى القيام بهذا التَّمرينِ البسيط في كلِّ صباحٍ. عند استيقاظِكم من النُّوم، انظُروا حَولَكم إلى الطَّبيعةِ الّتي تُحيطُ بكم، وإلى كلِّ الأشخاص المتواجِدين بِالقُرب مِنكُم، لِتَتمكَّنوا من إدراكِ كلِّ نِعَم الله في حياتِكم. سارِعوا إلى تَدوين ِكلِّ هذه العطايا الّتي استَطَعتُم رؤيتَها في حياتكم، على سبيل المِثال: التَّمتُّعِ بِصحَّةٍ جيِّدة، وقُدرتِكم على القيام بأمورٍ كثيرةٍ لا يَستطيعُ آخَرون القِيام بها بِسَبب الصُّعوباتِ الّتي تواجِهُهم في حياتِهم والّتي تَمنعُهم من القيام بما أنتم تَقومون به. مجِّدوا الله واشكروه على نِعَمِه في حياتِكم في كلِّ صباح! إخوَتي، إذا كان الإنسانُ الـمُصابُ بالعاهاتِ يَشكُر الله على نِعَمِه الفيّاضَة عليه، فَكَم بالأحرى الإنسانُ الصَّحيح أن يقوم بِذَلك؟! إنَّ الإنسان الّذي يَنتَبِهُ إلى عَملِ الله في حياته، يُصبحُ دونَ شَكَّ في حالةِ شُكرٍ دائمةٍ لله على عَطاياه، وبالتَّالي يُصبح بَعيدًا عن كلِّ تَكبُّر، لأنَّه يُدرِك أنَّ ما هو عليه ليس بِفَضلِ قوَّتِه، إنّما هو من فَضلِ ربِّه عليه، أي بِنِعمةٍ منه.

في هذا النَّص، تَدعونا كَلمةُ الله إلى اكتشافِ أعمالِ الله في حَياتنا وإلى شُكرِه على عطاياه لنا، كما تَدعونا أيضًا إلى الالتصاقِ بالربّ وعدمِ الابتِعادِ عنه، وإلى عدم السّماحِ لأيِّ شيءٍ بإخافَتِنا لأنّ الربَّ إلهَنا مَعنا حَيثُما نَذهب. في الكثير من الأحيان، حَين نَكونُ في المجالس، نَخافُ مِنَ التحدُّث بِكَلِمة الله، مُعتَبرين أنَّ الجوَّ غَيرُ مُلائمٍ للشَّهادةِ للمسيح أمام الحاضرين.

إخوَتي، إنَّ كلَّ وقتٍ هو مناسبٌ للشَّهادة للمسيح، فالشَّهادةُ للمسيح لا تعني بالضَّرورة إنشادَ ترنيمةٍ أو تلاوةَ صَلواتٍ مُعيَّنة، إنّما الشَّهادةَ للحقَّ في كلِّ مَكانٍ، أي نَبذَ الباطل في كلِّ الظُّروف ومَهما كان شَكلُه. إذًا، نحن مدعوُّون إلى إعلانِ الحقِّ في كُلِّ الظُّروف وفي كلّ الأماكن، وإلى عدم الخوف من فِعل ذلك، مَهما كلَّفَنا الأمر. إنَّ للخوفِ عِدّةَ أوجُهٍ منها: الرَّشوة والإغراء. في بعض الحالات، قد يُعرَضُ على المؤمِن حصولُه على وَظيفةٍ مُهمَّةٍ مُقابلَ سُكوتِه عن الحقِّ، أي عدمِ إعلانِ إيمانِه بالربِّ يسوع، كما كان يَحدث مع الكَنيسة الأُولى. هنا، على المؤمِن أن يَختارَ ما بين القبول بالسُّكوتِ عن الحقّ والحصولِ على الوظيفة، أو رَفضِ الوَظيفةِ وإعلان الحقّ. في العصور الأُولى للمسيحيّة، كان المؤمِنون يُفضِّلونَ الموتَ على الحياةِ بَعيدًا عن المسيح يسوع، أي أنَّهم كانوا يُفضِّلون الموتَ على عبادةِ إله الامبراطور. وأنتَ ماذا تَختار؟ 

هل تُفضِّلُ إنكارَ المسيح والمحافظةَ على حَياتِكَ على هذه الأرض، أم تُفضِّلُ الموتَ على هذه الأرض والمحافظةَ على حَياتك مع المسيح؟ إنَّ شُعورَ الإنسان بِالخَوف والرَّهبةِ عِندَ اتِّخاذِه مِثلَ هذا القرار مُرتبطٌ بِنَظرتِه إلى الله، لا بِنَظرَتِه إلى الأشخاص الـمُحيطين به. حين يَنظرُ الإنسان إلى الله على أنّه أصغرُ مِن النَّاس الّذينَ يَخاف مِنهم، سيُفضِّلُ البقاءَ مَعهم والقِيامَ بِكُلِّ ما يَطلبونَه منه، وبالتَّالي العيشَ بَعيدًا عن الله؛ ولَكِنْ حين يَنظرُ الإنسانُ إلى الله على أنَّه أكبرُ وأعظمُ مِن جميع المحيطين به، فإنّه دون شكٍّ سيَختارُ البَقاء معه، حتّى ولو كلَّفه الأمرُ حياتَه على هذه الأرض.

إذًا، عَليكَ أن تَقرأ المحيطَ الّذي تَعيشُ فيه بِشَكلٍ صَحيح، حتّى تَتمكَّنَ من اتِّخاذِ القَرار الصَّحيح. فإذا اختَرتَ الله، عَليكَ ألّا تَخافَ مِن شَيءٍ، لأنَّ “الرَّبَّ إِلهَكَ مَعَكَ حَيْثُمَا تَذْهَبُ”. إنَّ عبارةَ “حَيثُما تَذهب” تعني أنَّ الله سَيَكونُ إلى جانبِ المؤمِن به، في كلّ الظُّروف، في السّلام كما في الحرب، وأيضًا في حالة النِّعمة كما في حالة الخَطيئة. إنّ اللهَ لا يَتركُ الإنسانَ المؤمن حين يَقع هذا الأخير في الخطيئة، بل يُسارِع إلى انتشالِه مِنها وإعادتِه إلى جِوارِه. إنَّ الله لا يَتركُ الإنسانَ ولا يُهمِلُه، إنّما الإنسانُ يَفعل ذلك، إذ يقوم هذا الأخيرُ بِتَرك الله وإهمالِه. عندما خَلق اللهُ الإنسانَ، زَرَع فيه بِذَرة النِّعمة، غير أنّ هذا الأخير يَحِنُّ إلى إجراءِ مُساوماتٍ مع إبليس، كما فَعلَ جَدُّه آدَم. لذا، نُلاحِظُ أنّ الإنسان يُبادر إلى التَّعامل مع الله بِخُبثِ الشَّيطان، فيَتَّهمُه بالإهمال وبِتَركِه وحيدًا حين كان يَحتاجُ إليه، كما يتَّهمه أيضًا بِعدم مساعدتِه في الظُّروف الصَّعبة الّتي يَمرُّ بها على الرُّغم مِن قُدرته على فِعل ذلك. وهذا يتجلّى في صلاة الإنسان إلى الله إذ يقول له، على سبيل المِثال: طالما أنتَ قادرٌ على كُلِّ شيءٍ، لماذا سَمحتَ بِمَوت ابني، أو إصابَتِه بِمَرضِ السَّرطان؟

في هذه الحالة، أنتَ تُجرِّبُ الله! من خلال هذه العبارة: “الرَّبَّ إِلهَكَ مَعَكَ حَيْثُمَا تَذْهَبُ”، يؤكِّد الله لنا إنّه معنا في كلِّ حالاتِنا: في المرضِ، في اليأس، في الحزن، في الفرح، في الازدهار، وفي الفقر. إن كنتَ حافِظًا كلمةَ الله، لا تَحيدُ عنها لا يمينًا ولا شَمالاً، فإنّ الله يبقى معك في كلِّ مكانٍ وفي كلِّ زمانٍ. وبالتَّالي، إذا كان الله مَعك، وأنت شَخصٌ غنيٌّ، فلا يُمكِنُكَ إلّا أن تقوم بمساعدة الفقير الموجود على باب بيتِك؛ وإذا كُنتَ خاطِئًا وأنتَ مُدرِكٌ أنّ الله مَعك، فإنّه لا يُمكِنُكَ أن تبقى في خَطيئتِكَ، لأنّه حينها تَكون قد حِدتَ عن كلمة الله، يَمينًا وشَمالاً. 

10 “فَأَمَرَ يَشُوعُ عُرَفاءَ الشَّعبِ قائِلًا:

11 “جُوزُوا في وَسَطِ الـمَحَلَّةِ وَأْمُروا الشَّعبَ قائِلِينَ: هَيِّئُوا لأَنْفُسِكُمْ زادًا، لأَنَّكُم بَعدَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ تَعبُرُونَ الأُردُنَّ هذا لِكَي تَدخُلُوا فَتَمتَلِكُوا الأَرْضَ الَّتي يُعطِيكُمُ الرَّبُّ إلَهُكُمْ لِتَمتَلِكُوها”.

في هذا النَّص، نلاحظ أنّ الربَّ قد توَّقف عن الكلام مع يشوعَ بنِ نون، وبدأ يشوعُ بنُ نون بتطبيق كلام الربِّ له من خلال كلامِه مع “عُرفاء الشَّعب”، أي المسؤولين عن الشَّعب. وفي حديثه معهم، يؤكِّدُ يشوع بن نون لهؤلاء المسؤولين أنّ الربَّ سيُعطيهم الأراضي الّتي وَعَدهم بها، وهذا يؤكِّد أنّ هذه الأرضَ ليستَ مُلكَهم إنّما هي مُلكٌ للربّ. إنّ كلامَ يشوعَ بنِ نون لمسؤولي الشَّعب عن عبورِهم الأردنّ في ثلاثة أيّام يُذكِّرنا بما قاله هوشَع للشَّعب: “تَعالَوا نَرجِعْ إلى الرَّبِّ. هُوَ الَّذي مَزَّقَنا إرْباً إرْباً، وَهُوَ وَحدَهُ يُبرِئُنا. هُوَ الَّذي ضَرَبَنا، وَهُوَ وَحْدَهُ الَّذي يَجبُرُنا. بَعْدَ يَومَينِ يُحيِينَا، وَفي اليَومِ الثَّالِثِ يُقِيمُنا، لِنَحْيَا أَمَامَهُ” (هوشع 6: 1-2). إنّ اسم النبيّ يشوع مُشابهٌ لِاسم النبيّ هوشع، وقد تكلَّما كِلاهما عن الثّلاثة أيّام. 

هنا، نستطيع أن نُدرِك أهميّة الرَّقم ثلاثة في الإنجيل، فالربُّ يسوع أيضًا قام في اليوم الثّالث. إنّ الرَّقم “ثلاثة” هو عبارةٌ طَقسيّة ليتورجيّة، لا تُشير إلى تَوقيتٍ زَمنيٍّ فِعليّ. فالمسيح يسوع مات يومَ الجمعة مساءً وقام في صباح الأحد، وبالتَّالي، إذا أرَدْنا احتِسابَ السّاعات فإنّها لا تتجاوز السِّتَّ وثلاثين ساعة، أي أقلّ من ثلاثة أيّام. إذًا، المقصود بعبارة ثلاثة أيّام، أنّه في اليوم الثّالث، يَنال الإنسان الخلاص ويَدخل مَلكوت الله، فقيامة المسيح من الموت أزالت كلَّ الحواجزِ والعوائق الّتي تَمنعُ الإنسان من دُخول ملكوت الله.

12 “ثُمَّ كَلَّمَ يَشُوعُ الرَّأُوبَيْنِيِّينَ وَالجادِيِّينَ وَنِصفَ سِبطِ مَنَسَّى قائلًا:

13 “اذْكُرُوا الكَلامَ الَّذي أَمَرَكُم بِهِ مُوسَى عَبْدُ الرَّبِّ قائلًا: الرَّبُّ إلَهُكُمْ قَد أَراحَكُم وَأَعطاكُمْ هذِهِ الأَرضَ.

14 نِساؤُكُمْ وَأَطفَالُكُم وَمَواشِيكُمْ تَلبَثُ في الأَرضِ الَّتي أَعْطاكُمْ مُوسَى في عَبْرِ الأُردُنِّ، وَأَنْتُم تَعبُرُونَ مُتَجَهِّزِينَ أمامَ إخوَتِكُم، كُلُّ الأَبطالِ ذَوِي البَأْسِ، وَتُعِينُونَهُم

15 حَتَّى يُرِيحَ الرَّبُّ إخوَتَكُم مِثْلَكُمْ، وَيَمتَلِكُوا هُمْ أَيضًا الأَرضَ الَّتي يُعطِيهِمُ الرَّبُّ إلَهُكُم. ثُمَّ تَرجِعُونَ إلى أَرضِ مِيرَاثِكُم وَتَمتَلِكُونَها، الَّتي أَعطاكُمْ مُوسَى عَبْدُ الرَّبِّ في عَبْرِ الأُردُنِّ نَحوَ شُرُوقِ الشَّمسِ”.

16 فَأجابُوا يَشُوعَ قائلِينَ: “كُلَّ ما أَمَرْتَنا بِهِ نَعمَلُهُ، وَحَيْثُما تُرسِلْنا نَذهَبْ.

17 حَسَبَ كُلِّ ما سَمِعْنا لِمُوسَى نَسمَعُ لَكَ. إنَّما الرَّبُّ إلَهُكَ يَكُونُ مَعَكَ كَما كانَ مَعَ مُوسَى.

18 كُلُّ إِنْسَانٍ يَعصَى قَولَكَ وَلا يَسمَعُ كَلامَكَ في كُلِّ ما تَأمُرُهُ بِهِ يُقتَلُ. إنَّما كُنْ مُتَشَدِّدًا وَتَشَجَّعْ”.”

إنّ الرَّأوبيِّين هم أولادُ رأوبين؛ والجاديِّين هم أولاد جاد؛ وكِلاهما من أسباط يَعقوب، أي من أسباط إسرائيل. إنّ هؤلاء قد دَخلوا إلى أرضِ الميعاد مع موسى، وليس مع يشوع بن نون، ولكنَّهم على الرُّغم من ذلك عَبَّروا عن طاعَتِهم ليشوع بن نون، كما كانوا طائعين لموسى. إخوَتي، إنّ الطَّاعةَ لا تَكونُ بالكلام وَحسب، إنّما أيضًا بالعَمل. وهنا، نتذكَّرُ مَثلاً أعطاه الربُّ يسوع في إنجيل متّى (21: 28-32)، أخبرنا فيه عن أبٍ طَلب من اِبنَيه أن يَذهبَا إلى الكَرم، فرفض الأوَّل طَلب أبيه ولكنَّه عاد وَذَهب إلى الحَقل، أمّا الثّاني فقَبل طَلبَ أبيه لكنَّه لَم يذَهب إل الكَرْم. وعندما سأل يسوع الحاضرين عن الولَد الّذي حقَّق إرادة أبيه، أجابوه قائلين إنّ الأوَّلَ هو مَن حقَّق ذلك. هنا، نَطرحُ السُّؤال على ذَواتِنا: كَم من مَرَّة نَعِدُ الربَّ بِتَحقيقِ أمورٍ يَطلُبها منَّا ثمّ نَتراجع عن فِعلها؟ في بعض الأحيان، نَعدُ الربَّ بالقيامِ بأمورٍ معيّنةٍ، ولكنَّنا نتراجَع عن القيام بها بسبب صُعوبةٍ واجَهَتنا؛ وفي أحيانٍ أخرى، نَعِدُ الربَّ بالقيامِ بأمورٍ مُعَيّنةٍ، إذا حقَّق لنا ما نُريد، ومتى استجاب لنا، تراجَعْنا عن تحقيقِ وُعودِنا له. في الصُّعوبات، تَظهرُ مَدى طاعَـتِنا للربِّ وإخلاصِنا له.

إنّ الهدفَ من تَكرار هذه العبارات: “تشدَّد وتشجَّع”، “أُعطيكم”، “لا تَمِل لا يَمينًا ولا شَمالاً”؟ هو حثُّنا على التعلُّقِ بكلمة الله وعَدمِ الابتعاد عنها. كما أنّ الهدفَ من تَكرارِ عبارةِ “كما أمر موسى” هو التّأكيدُ على أنّ كَلمة الله، أي الشَّريعة قد أُعطيَت للشَّعب مِن قِبل موسى. إنّ هذا النَّص يؤكِّد لنا أنَّ المؤمنَ لن يَكونَ بِخَيرٍ، إلّا إذا كان حافظًا كلمةَ الله، ولاهِجًا بها ليل نَهار، وهذا ما نقرأه أيضًا في سِفر الأخبار الثّاني: “اسْمَعُوا يَا يَهُوذَا وَسُكَّانَ أُورُشَلِيمَ، آمِنُوا بِالرَّبِّ إِلَهِكُمْ فَتَأْمَنُوا. آمِنُوا بِأَنْبِيَائِهِ فَتُفْلِحُوا” (2 أخبار 20: 20).

إنّ هذا النَّص يدعونا إلى أنْ نتذكَّر في حالةِ اليأسِ والشِّدة والضَّعظ والقَهر، قَولَ الربِّ ليشوعَ بن نون: “لا أُهمِلُكَ وَلا أَترُكُكَ” (يشوع بن نون 1: 5)، و”لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكَ مَعَكَ حَيْثُمَا تَذْهَبُ” (يشوع بن نون 1: 9). إخوتي، إذا كُنّا لا نشعر بوجود الله، فهذا لا يعني أنّه غيرُ موجود؛ وإذا كُنّا لا نَشعرُ بأنّ الله مُمسكٌ بنا وإلى جانِبنا، فهذا لا يعني أنّه تَرَكَنا وَحدنا. إنّ كلّ ما نشعر به تِجاه الله يَعكس نَظَرتَنا إليه: فإذا كُنّا نَنظرُ إليه على أنّه أصغرُ من الصُّعوبات الّتي نواجهها، فإنّنا دون شَكَّ سَنَرتَعِب منها ونخافُ مِن مواجهتِها؛ أمّا إذا كنّا نَنظرُ إليه على أنّه أكبرُ وأعظمُ من صعوباتنا، فإنّنا سنتمكَّن مِن مواجهتِها وتَخطِّيها. أُنظرْ إلى حَجم الله في قلبك، لتُدرِكَ السببَ الّذي يجعلُ كلَّ ما يعترضُك في حياتك يَهزُّ إيمانَك ويُضعِفُ ثِقتَك بالله! إخوتي، إنّ الصُعوباتِ هي خارجُ الإنسان، والربُّ يسكنُ في داخِلِك. وهنا يُطرَح السُّؤال: كيف تسمحُ، أيّها الإنسانُ، للصُّعوباتِ الخارجةِ عن ذاتِك، أن تنتصرَ عليك وتَهزمَ اللهَ الموجودَ في داخِلِك؟!

ملاحظة: دُوِّنت المحاضرة بأمانةٍ مِن قِبَلِنا

Instagram
Copy link
URL has been copied successfully!
WhatsApp