الصّوم الذي ينبع من القلب

بقلم الشماس ألان صادر – حلب، سوريا

الصومُ حالة روحيّة يدخلها الإنسان فيتغلَّل روحُ الله في حياته، والغاية منه تَليين قلوبنا لكي تتفتَّح الروحانيّات فنختبر الجوع والعطش إلى الله. أن نصوم يعني أنْ تكون لنا عيون ترى وآذان تسمع. أنْ نصوم يعني أنْ نتحرَّر من ضجيج الحياة لكي نُلامس عالَماً آخر، عالَم حضور الله، عالَم النور والسلام، عالَم الاطمئنان والفرح. لكنّ الصوم الذي يُرضي الله دوماً هو ذلك الذي يترافق مع الاهتمام بمحبّة القريب. وهنا يخطر لي تحليل كلمة “صوم”:

ص: صلاة                  و: وقفة مع الذات أمام الله                 م: محبّة

الصلاة الحقيقيّة تنمو بمحبّة الربّ، لتقود بالأعمال إلى محَبّة القريب، وتُغيِّر العالَم المادّي إلى عالَم مُحبّ. يقول ألكسي كاريل الطبيب الجرّاح: ” يحتاج الإنسان إلى الصلاة بقدر ما يحتاج الجسم إلى الأوكسيجين”. صحيح أنّ الصلاة تُوسِّع قلوبنا لعطف لا يعرف الحدود، فنصبح من روّاد المحبّة الشاملة؛ ولكنْ علينا ألّا ننسى أنّه عندما نقف أمام حضرته تعالى خاشعين، بما يليق به هو لخالق، فإنّ هذه اللحظات هي في غاية الأهمّية، كونها تشكِّل أساسات هيكل حياتنا الروحيّة مع الله وحياتنا الكنسية مع الآخرين.

كم ينتعش إيماننا ويتشدَّد عندما تكون لنا وقفة تأمُّل وتفكير مع الذات أمام الله؛ لأنّنا بدون الله نقع في فخّ الكبرياء متى شعرنا بأنّنا أفضل من غيرنا، أو نغرق في خطيئة الحَسَد متى اعتبرنا الآخر أفضل منّا.

يقول القدّيس البابا يوحنا بولس الثاني: ” عطيّتنا للآخرين هي تعبيرٌ عن العطايا الكثيرة التي ما يزال الربّ يغمرنا بها. لقد أخذنا مجّاناً فلنعطِ مجّاناً “. فهل هناك وقتٌ أكثر ملاءمة من فترة الصوم الأربعيني لنشهد المجّانية في تصرُّفاتنا؟!

زمن الصوم هو زمن شركة… زمن محَبَّة… كما أنّه زمن السيطرة على أهوائنا المنحرفة وشهواتنا الفاسدة. الصوم دعوة إلى التوبة وتغيير الذهنية. إنّه زمن نعمة لأنّه ينقلنا من موقف الاستهلاك الذي يشدُّنا إلى أن نفكِّر بأنفسنا فقط، إلى موقف المشاركة مع الآخرين من خلال أسلوب معيَّن نتبنّاه، كأنْ نَحرم أنفسنا من الطيِّبات بُغية رصْد ما نوفِّره في هذا المجال، لنقدِّمه هِبة للمحرومين، فنخفِّف بؤسهم من خلال مشاركتنا الرمزية.

لذا اليوم، أدعو ذاتي وأدعوكم إلى أنْ نتلمّس جوهر الصوم، بأنْ نحرم ذواتنا مِّما نحبّ من أجل يسوع الذي نحبّه، عندما نكون إلى جانب مَن هو محتاجٌ إلينا.

والبابا فرنسيس يُذكّرنا قائلاً: “زمن الصوم هو زمن مناسب لإظهار هذا الاهتمام بالآخر من خلال علامة، ولو صغيرة، ولكنْ ملموسة، لاشتراكنا في الشراكة الإنسانيّة”. نحن مدعوون في هذه الظروف القاسية التي تمرّ بها بلادنا إلى أنْ نختبر الفرح الذي نستقبله من الربّ عندما نعطي من محبَّتنا، فما يُعطى من القلب، إنَّما يوضع في القلب. فعلينا ألّا نتقاعس عن أنْ نجعل أيّ شخص في حياتنا رفيقاً على درب الله.

وكم يحلو اللقاء الشهري لجماعتنا “جماعة اُذكرني في ملكوتِكَ”، عندما نُصلّي جميعاً من أجل موتانا وشهدائنا متذكّرين كيف أنّه بعبارة “اُذكرني في ملكوتِكَ”، اغتصبَ اللص التائب السماء من يسوع وربحَها؛ هكذا نحن بالتفاتة صغيرة مع ابتسامة مشرِقة نربح تعزية لا تُقدَّر بثمن.

هيّا! لنَعِش في هذا الصوم مع الآخر، وللآخر، ومن أجل الآخر.

Instagram
Copy link
URL has been copied successfully!
WhatsApp