تذكار الموتى

الموت الأوّل والموت الثاني

بقلم الأب ايلي نخول م.ل

الموت الأول هو مصير الإنسان الطبيعي والبديهي كخاتمة لقدرة الجسد القصوى على احتمال المرض والشيخوخة ؛ وهذا الموت لم يكن يشكل مصدراً لقلق الإنسان وخوفه منه لولا الموت الثاني الذي دخل إلى كيان الإنسان بسبب خطيئته الأولى، ليعطل فيه مفهومه الصحيح لدعوته وحياته التي يجب أن تنتهي حكماً بالموت الجسدي. فما هو هذا الموت الثاني؟ هو الحالة التي أفرزها الإنسان لنفسه بعد معصيته الأولى ورفضه لإرادة الله والإعتراف بأولويته كمانح للحياة ومعطيها إن كان في الفترة التاريخية لحياة الإنسان بالجسد، أو في فترة ما بعد تعرّيه من الجسد بالموت. ولو لم يخطىء الإنسان لما كان مضطراً للعبور في فساد القبر بعد موته وانتظار القيامة العامة ويوم الدينونة الأخيرة، بل كان انتقل مباشرة وبجسد ممجد من الموت أو الرقاد الجسدي الى الحياة الأبدية. وهذا ما حلّ بمصير أمّنا مريم العذراء التي انتقلت بالنفس والجسد الى السماء لتعبّر عن المصير الطبيعي لكل إنسان في حالة البرارة، لو لم يفقدها بمعصيته لإرادة الله في الفردوس.

فالخوف الحقيقي يجب أن يكون من الموت الثاني وليس من الموت الأول فالموت الثاني الذي يتجاهله الإنسان من خلال رفضه الدائم للتوبة والإعتراف بأولوية الله في حياته والإستسلام لإرادة الله والعمل بموجبها، هو الذي يدفعه إلى معاداة الموت الأول واعتباره شكاً أو احترافاً أو سبب خسارة، مع إن الموت الأول لم يكن في تدبير الله سوى الربح الضروري للعبور إلى الحياة بعد أن يكون المؤمن قد اختبرها بالمرآة ليعود فيتحد بها وجهاً لوجه في الملكوت.

فالمسيح انتصر من خلال قبوله لكأس الموت الأول على مفاعيل الموت الثاني المخيفة والمرعبة. فالعصيان الذي ولّد الخوف من الموت الأول وأدخل الإنسان في منطق الموت الثاني البعيد عن الله، قابله المسيح بالطاعة التي أعادت الإنسان إلى حالته الأولى الطبيعية بانتصاره على الموت الثاني بقيامته التي هي الحالة الطبيعية لمصير الإنسان بعد الموت الأول الذي أراده الله ضرورة ومعبراً للقيامة نفسها.

من هنا وجب عدم الخلط بين الموت الأول والموت الثاني. ويجب عدم اعتبار الموت الأول وكأنه القصاص الذي استحقه الإنسان بسبب معصيته. فالموت الأول، هو ضرورة ومطلب طبيعي لا بدّ منه لاكتمال حياة الإنسان في حياة الله إلى الأبد.

فالصلاة من أجل موتانا تأتي في إطار مساهمتنا في إنقاذ النفوس وتنقيتها من رواسب الموت الثاني التي حملتها معها بعد الموت الأول، لتكتمل في حياة الله وتنعم في أخداره.

Instagram
Copy link
URL has been copied successfully!
WhatsApp