انطلاقة جماعة “أذكرني في ملكوتك”
بازيليك مار سمعان العموديّ – القليعات
عِظة القدّاس الإلهيّ للأب روني أبي رزق، خادم الرعيّة
باسم الآب والابن والرّوح القدس، الإله الواحد، آمين
في هذا المساء، أودُّ أن نَتَشاركَ معًا في هذه “الزوّادة”، وهي أنّ الربَّ لا يَنسانا أبدًا، فَنحن موجودون دائمًا في فِكره، ليس فقط كجماعةٍ، إنّما أيضًا كأفراد: فلكلِّ واحدٍ منّا مِيزَتُه وفرادتُه الخاصّة به. إنَّ كلّ واحدٍ منّا هو ابنٌ للّه، لذا يتذكَّرُنا اللهُ على الدَّوام ولا يَتركُنا أبدًا، بل يَبقى حاضرًا معنا في كلِّ لَحظةٍ من لحظاتِ حياتِنا. قد يَعتقدُ البعضُ أنَّ الله ينسى أبناءه، ولكنَّ الحقيقة هي أنّنا نحن الّذينَ نَبتَعِدُ عنه ونَـترُكُه؛ أمّا هو فيَبقى قريبًا منّا وهو لا ينسانا أبدًا، لأنّنا حاضرون على الدَّوام في قلبِه ومحبَّتِه، ورَحمتُه الكبيرة تَشمُلُنا جميعًا وتَشمُلُ كلَّ إنسانٍ منَّا.
اليومَ، نَحتفل بِمُناسَبَتين مُهمَّتَين للغاية:
الأُولى: هي افتتاحُ سِلسِلةِ البِشارات الّـتي تُهيِّئُنا لِعِيد الميلاد الـمَجيد؛ وأُولى تِلكَ البشارات هي بِشارةُ زكريّا الكاهن. إنَّ اسمَ “زكريّا” يَعني الله تَذَكَّر. إنَّ زكريَّا قد نَسيَ في وقتٍ مُعَيّنٍ أنّه موجودٌ في قلبِ الله، وأنَّ اللهَ يَتَذكَّرُه على الدَّوام، ويَتذكَّرُ كلَّ ما مَرَّ به من صعوباتٍ في حياته، لذا فقَدَ الأملَ بأن يَكونَ له ابنٌ. دَخلَ زكريّا إلى الهَيكلِ ليُصلِّي، فهو كان إنسانًا بارًّا، وكذلك زوجته أليصابات، بحسْبِ ما يَقولُ لنا الإنجيل. حافظَ زكريّا على صلاتِه، على الرُّغم مِن فُقدانِه الأمَلَ بأنَّ الله سَيستَجيبُ لَه. ولكنَّ اللهَ تَذكَّرَ زكريّا في هذا الوقتِ تحديدًا، أيْ حينَ كانَ هذا الأخيرُ فاقدًا الأملَ بالحصولِ على ابنٍ، وأعطاهُ العَطيّةَ الّتي كان يَطلبُها بِاستمرارٍ، وهي أن يَكون له وَلد. إنَّ هذا الوَلدَ الّذي سَيُعطيه الله لِزكريّا، سَيَكونُ، بِحَسْبِ قَولِ الإنجيل، مَصدرَ فرَحٍ أوّلًا لِزَكريّا وأليصابات، وثانيًا مَصدرَ فَرحٍ لكلِّ إنسانٍ يَنتظرُ مَجيءَ المخلِّص. إذًا، إنَّ هذا النَّصَ الإنجيليَّ يُعلِّمُنا أنَّه حين نَفقدُ الأمَلَ في الحصولِ على أمرٍ معيّنٍ مِن الله، علينا العودةُ إليه لأنّه لا يَنسانا أبدًا، ويَتَذكَّرُنا دائمًا، لأنَّنا موجودون في قلبه. إنَّ فَترَةَ الصَّمتِ الّتي أعطاها الله لِزكريّا كانت تَهدفُ إلى مساعدةِ زكريّا على تَذكُّرِ كُلِّ الكلامِ الّذي كان يَعِظ به الشَّعب، لِكَونِه كاهنًا في العهد القديم، وأيضًا إلى مساعدته على تَذكُّرِ كُلِّ ما وَرَدَ في العهدِ القديم، خصوصًا قِصّةَ ابراهيم وسارة مع ابنِهما اسحَق الّتي تُشبِهُ إلى حدٍّ بَعيدٍ قِصَّتَه مع أليصابات. مِن خلالِ فَترة الصَّمتِ هذه الّتي أعطاها الربُّ لزكريّا، أرادَ أن يُذكِّرَهُ بِكُلِّ الرواياتِ الواردةِ في الكِتاب المقدَّس، لأنَّ كَلِمَةَ اللهِ لَيسَت قِصَصًا عاديّة، بل هي واقعٌ نَعيشُه في كُلِّ يومٍ مِن حياتِنا. وبالتّالي، نحنُ مدعوُّون مع زكريّا الكاهن إلى التَّعمقِ بِكَلِمةِ الله، فنُدركُ أنّها كَلِمَةٌ حَيَّةٌ تَعيشُ مَعنا وتُرافِقُنا في كلِّ مَرحلةٍ مِن مَراحلِ حياتِنا.
الثانية: هي انطلاقةُ جماعة “أذكرني في ملكوتِكَ” في هذه الرَّعية، هذه الرِّسالةُ الّتي تَجعلُنا نُدرِكُ أنَّ اللهَ لا يَنسانا، وأنّه يَتَذكَّرُنا على الدَّوام. إنَّ عِبارةَ “أُذكرني في مَلكوتِكَ”، هي العِبارةُ الّتي قالهَا اللِّصُّ اليَمينُ للربِّ يسوعَ على الصَّليب لِيَطلُبَ منه المغفرةَ على خَطاياه. مِن خلالِ اللِّصِ اليَمينِ، نَتعلَّمُ أنَّ اللهَ يَتَذَكَّرُنا دائمًا، ويَغفِرُ لنا خطايانا بِفَضلِ رحمتِه العظيمةِ لنا، وبالتَّالي هو يَذكُرنا في مَلكوتِهِ، كما نَتعّلمُ أيضًا أنَّ الله يُبقي يَدَيه الممتلِئَتَين مِنَ الرَّحمةِ والمحبَّةِ مَفتوحَتين، لِيَستَقبِلَ الإنسانَ الّذي يَعيشُ بعيدًا عنه مَتى قرّرَ هذا الأخيرُ العودةَ إليه، فَيَمنَحَه خَلاصَه.
إذًا، مِن خلالِ زكريّا الّذي يَعني اسمُهُ الله تَذكَّر، ومِن خلالِ اللِّصِ اليَمينِ مع جماعة “أذكرني في مَلكوتِكَ”، تَتوضَّحُ لنا صورَةُ الإلهِ الّذي تَجسَّدَ في مغارةٍ، وعاشَ بَينَنا، وصَنَعَ الآياتِ العظيمةَ، وأعطانا جَسَدَه ودَمَه، وتألّمَ وماتَ من أجلِ أن يُحييَنا بِقِيامته. اليَومَ مع زكريّا، نَتذكَّرُ أنَّ اللهَ قادرٌ على أن يُحييَ كُلَّ ما هو ميِّتٌ فينا، خصوصًا الأمورَ الجميلةَ في داخِلِنا كالفرحِ والرَّجاء؛ ومع جماعة “أُذكرني في مَلكوتِكَ”، نَبدأُ رسالةً جديدةً في هذه الرَّعيّة، رِسالةً مَليئةً بالرَّجاء، نَعيشُها في كُلِّ قدَّاسٍ مِن خلالِ رَفعِنا الصَّلاةَ من أجلِ مَوتانا. قد يَظُنُّ البعضُ أنَّ هذا القدَّاسَ هو قُدّاسٌ حَزينٌ إذ نُصلِّي فيه مِن أجلِ الموتى، لكنَّه في الحقيقةِ عكسُ ذلك تمامًا، إذ نَحتَفلُ في نهايةِ الأسبوعِ الأوّلِ مِن كُلِّ شهرٍ، بهذا القدَّاسِ الـمَليءِ بالرَّجاءِ وبإيماننا الثَّابتِ بأنَّ أمواتَنا ليسوا بأمواتٍ، إنّما هُم قائمون مع الربِّ يسوعَ القائمِ من بينِ الأموات، والّذي نَهتِفُ له على الدَّوامِ بأنّه حقًّا قام، فأقامَنا بِقِيامَتِه للحياةِ الأبديّة. آمين.
ملاحظة: دُوِّنت مِن قِبَلِنا بأمانة.
