سرّ مريم في الخلاص
بقلم الأب دومينيك العلم المريميّ
بين الألم والموت والقيامة، نكتشف سرّ مريم العذراء التي كانت واقفة عند أقدام الصّليب (يو19: 25) وقفة رجاء ورمز قيامة، والتي قال لها سمعان الشيخ في الهيكل” إنّ سيفًا سيجوز في نفسها لتنكشف الأفكار عن قلوب كثيرة” (لو 2: 35) هي مريم العذراء الممتلئة نعمة، والنائلة حظوة عند الله (لو 1: 28- 30) تطوبها جميع الأجيال (لو1: 42) والمباركة بين النساء والمبارك ثمرة بطنها الذي أعطى العالم حياة أبدية. وهي مريم التي صنع القدير بها عظائم واسمه قدوس (لو 1: 49).
مريم هي حواء الجديدة، ونبوءة العهد القديم التي بنسلها يُسحق رأس الحية صانعة الخطيئة والموت، ومسبّبة البعد عن الملكوت السماوي، والتغرّب عن حضن الآب الأزليّ (تك 3: 15).
هي كرسي الحكمة التي خلّصت كل من أرضى الرب منذ البدء (حك 9: 19)، وهي لطهارتها تخترق، وتنفذ في كل شيء، فهي نفحة من قدرة الله وانبعاث خالص من مجد القدير، وهي انعكاس للنور الأزلي، ومرآة صافية لعمل الله، وصورة لصلاحه. وهي تجتاز إلى نفوس قديسة فتنشئ أصدقاء الله. وهي أبهى من الشمس وأسمى من كل مجموعة النجوم، وإذا قيست بالنور، ظهر تفوّقها لأن النور يعقبه الليل، أمّا هي فلا يغلبها الشّر، إنها كنزٌ للناس لا ينفذ، والذين اقتنوه، اكتسبوا صداقة الله (حك 7: 14- 30). إنها مريم التي رَمز إليها الأنبياء بتابوت العهد الذي يحوي خبز الحياة، وعصا الكهنوت والشريعة، رموز المسيح. والتي ترنّم بها صاحب المزامير “قم إلى راحتك أنت وتابوت عزّتك” (مز 131: 8).
مريم هي أيضًا آية العهد الجديد، إنها المرأة الملتحفة بالشمس، وتحت قدميها القمر، والتي حاربها التنّين، رمز الموت، ولما لم يقدر عليها، مضى يحارب سائر نسلها الذين يحفظون وصايا الله، وعندهم شهادة يسوع المسيح (رؤ 21). هي أمّ يسوع الفادي، وهبة الله لنا “يا امرأة هذا هو ابنك، يا يوحنا هذه هي أمّك” (يو 19: 26- 27).
هي مثال الكنيسة وصورة لها في نطاق الإيمان والمحبة والاتحاد التام بالمسيح على الأرض، وفي السماء. هي حواء الجديدة التي زيّنها الله بمواهب تناسب دورها، فصاغها خليقة جديدة، وحباها منذ تكوينها بضياء وقداسة فريدة وقبلت بإيمان حارّ وطاعة أن تعاون على خلاص البشر منذ ميلاد يسوع إلى قيامته وصعوده ومن ثم انتقالها إلى السماء فتكليلها بالمجد سلطانة على السماء والأرض (المجمع الفاتيكاني الثاني ك8).
فيا مريم، يا من أظهرت أصلك الكريم باشتراكك في حياة الله، قد أحبك سيد الجميع. يا من قبلت أن تكوني شريكة الله في سر التجسّد والفداء، نضع أنفسنا اليوم في حضرتك، بين يديك وأمام ناظريك، ونسالك أن ترافقينا بعطفك وحنانك، لنعيش برضى ابنك، فتكون حياتنا بداية مسيرة آمنة نصل بها معك إلى الاتحاد به في ملكه السّماوي مرورًا بالموت الذي هو بوابة العبور من أرضنا إلى ملكوته.
نسالك أن ترافقينا في هذه المسيرة، وترفقي بأمواتنا الّذين سبقونا، وماتوا على رجاء القيامة لتبلغي بهم إلى ملكوت الله وتمتّعيهم بمشاهدة وجهه القدوس فنكون جميعًا حيث ابنك في المجد الأبدي. آمين.
