“فرحت بالقائلِين لي: إلى بيت الرّب ننطلق” (مز 1:122)

بقلم الخوري جوزف سلوم

 قد يختبر الإنسان الحبّ، فيحدّثك عنه، وقد يختبر الألم، فيشجيك بمعاناته وصراعه معه، وقد يختبر الإنسان لوعة الفشل، ولذّة النّجاحات، سكون الوحدة، وصخب المجتمع… فتكون نتيجة اختباره وليدة شعور، وأعراف، ومعايير حياتيّة مختلفة، فيروح ويخبر…

لكنّ أحدا منّا لم يختبر الموت، وما يحدثه في نفس الرّاقد والرّاحل، فكيف السّبيل إلى ولوج كنه الموت وأسراره؟ وكيف العبور إلى مجاهل هذا العالم؟ وما مصير الرّاقدين؟

وحده يسوع المسيح، سيّد التّاريخ والحياة والقيامة، الذي غلب الموت بموته، فحوّله من معضلة إلى سرّ، هو الذي كشف لنا حقيقته من خلال كلمته.

 قد تقف أمام الموت مثولك أمام حقيقة صعبة، تدعوك لتقرأها قراءة مغايرة عن منطق أهل الأرض المظلّل بالمادّيّ والحسّيّ والتّرابيّ، لتقرأها علامة مجد، لذا تطلب منك واحدة: “أن تؤمن”، حتى تتعمّد بالرّوح فتصبح من أهل الإيمان، بمنطقهم الرّوحيّ المجرّد السّماويّ السّامي.

ففي منطق أهل الأرض يعتبر الموت نهاية وغيابًا وزوالاً، ولكنّه في منطق أهل الإيمان بداية، وحضوره أبديّ لا تنتهي سنوّه. ويقول أهل التّراب إنّ المادّة في الميت ستتفكّك، وتنحلّ، فيعود إلى التّراب الذي منه أخذت؛ أمّا أهل السّماء فيقولون بأنّ الرّوح سيخاطب العظام اليابسة، وينشىء عليها لحمًا، ويعود ويحييها في جسد ممجّد.كما يقول أهل المادّة إن هذا اليوم هو يوم حزن، أمّا أهل الرّوح فيحيوه عيدًا وموعدًا للحياة؛ وما اختيار ذكرى يوم وفاة القدّيسين، لنحتفل فيها بعيدهم إلّا دلالة واضحة على ما سبق.

في المنطق البشريّ يفاجىء الموت الإنسان، ولكن في المنطق الرّوحي علينا أن نكون مستعدّين لأنّنا لا نعرف متى يأتي السّارق؛ ولا يهم عدد الأيّام والسّنين التي نحياها، بل كيف نحياها بمعيّة الرّب، وبالأمانة، وبروح المحبّة والخدمة. وليس المهم أن يكتب في النّعي: “متمّمًا واجباته الدّينيّة”، بل المهمّ أن تكون قد حفرت شريعة الرّبّ في قلبك، وعدت إليه، واتّحدت به في الأسرار، واتّخذته زادًا لك في السّفر، وردّدت في أعماقك: “لست أنا الحيّ بل المسيح حيّ فيّ “.

إن الموت في القاموس المسيحيّ ليس وداعًا، بل هو استقبال للمنتقلين منا في ديار الرّب؛ إنّه لا يخيف من جعلوا الرّب نصب أعينهم، وأقاموه عكّازًا لهم في ظلال الموت! إنّ الموت لمثل هؤلاء يضحى عبورًا حقيقيًا من وادي الدّموع والألم والمحدوديّة إلى لقاء الفصح والخلاص والسّعادة، والسّكنى عن يمين الآب إذ يردّد كلّ منّا: “فرحت بالقائلين لي: إلى بيت الرّب ننطلق “.

Instagram
Copy link
URL has been copied successfully!
WhatsApp