“قد نِلتَ نصيبَك في هذه الفانية أيها الغنيّ وحق للعازر أن ينال نصيبَه في هذه الباقية” (لو 16: 19-31)

بقلم الخوري نبيل شلهوب

وكم كان فرح لعازر كبيراً، عندما وجد نفسه في أحضان إبراهيم يتنعم بالمجد الذي لا يزول، وكم كان حزن الغني كبيراً وهو يقاسي العذاب في الجحيم، بعيداً عن الله. كم كان فرح لعازر عظيماً لأنه تقبل نصيبه في حياته، هذا النصيب وإن كان من حكمة بشرية نستطيع أن نصفه بالظلم وانعدام العدالة، إلا أنه في منطق الله ما هو إلا هذا العبور من أرض الشقاء إلى نعيم الأزل. نصيب وإن جبل بالحزن واليأس والفقر والجوع، إلا أنه انقلب فرحاً لرؤية الخالق وأملاً لا يذبل وشبعاً من الذات الإلهية وجوعاً دائماً لهذا الحب الذي لا ينضب. وكم كان حزن الغني كبيراً لأنه ارتضى أن يفرح لسنين قصيرة، متناسياً أن الفرح الدائم هو فرح اللقاء بذاك الذي قال له: “كن”، فكان. سعادة عاشها على الأرض ناسياً صك ديونه، فلا هو تصدق على فقير ولا أطعم جائعاً ولا مسح دمعة حزين.

ونحن من هذا المنطلق، لكم ننساك يا رب، فلا نلتفت إلى أخ عَضّه الجوع بأنيابه، ولا إلى أخ نحمل إليه بلسم عزاء. لا همّ لنا إلا “الأنا” نطلقها في هذا الوجود فندمر كل موجود أنت أبدعته. أين نحن يا رب من كلماتك “أحبوا بعضكم بعضاً”؟ أين هو هذا الحب وأين هي تلك المحبة؟ حبنا هو حب للبغض، ومحبتنا أنانية تنطلق من ذاتنا لتصب في ذاتنا. أمّا الذي هو على صورتك ومثالك فنشوِّهه. أين منا الذين صلبوك وعروك وخلاً سقوك وقبراً موحشاً أودعوك. أعطنا يا رب أن نعيش مفاعيل حبك وندرك أنك أنت المعطي والمغني ومن جودك كلنا ننهل.

أعطنا أن ندرك أنّ أفراح هذه الدنيا إلى زوال وأنت فقط هو الحق الباقي إلى الدهور. أعطنا يا رب أن نكون جميعاً “لعازر” الجائع إلى حبك وفرح اللقاء بك، ولا تجعلنا ذلك الغني الذي يغلق عينيه عن سخائك ليفتحهما على أبدية الشيطان. أعطنا يا رب أن نسمع صوتك يدعونا “ادخلوا الملكوت المعد لكم من قبل إنشاء العالم”. وفي الختام أعطنا يا رب أن نحبك ونحب الآخر من خلالك فندرك أنك أنت وحدك المستحق كل كرامة وإجلال، وأنك أنت وحدك “الأمس واليوم وغداً”، وأن كل أفراح الدنيا من دونك هباء.

Instagram
Copy link
URL has been copied successfully!
WhatsApp